بحث الفقه الأستاذ محسن الفقیهی

47/08/12

بسم الله الرحمن الرحیم

 

الموضوع: المكاسب المحرمة/ التكسب بالواجبات/ أخذ الأجرة علی تعليم الفقه و الأحکام الشرعيّة

خلاصةُ الجلسة الماضية: كان نقاشنا الفقهي حول مسألةِ كتابةِ القرآن الكريم، و أنّه هل يجوز أخذُ الأجرة على كتابته أم لا؟ و قد ذُكرت في ذلك أقوالٌ و أدلّةٌ متعددة، و كنّا قد استعرضنا بعضَ الروايات المتعلّقة بهذا الموضوع سابقاً، و سنتناول اليوم رواياتٍ أخرى فيه.

الرأيُ الثالث: الكراهة

اعتبر المحقّق الحلّي نسخَ القرآن مكروهاً (بمعنى عدم استحسان تعيين الأجرة)[1] .

دليلُ الكراهة

[2] أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ[3] عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ[4] عَنْ غَالِبِ بْنِ عُثْمَانَ[5] عَنْ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ[6] عَن ‌أَبِي عَبْدِ اللَّهِ؟ع؟ قَال: «سَأَلْتُهُ عَنْ شِرَاءِ الْمَصَاحِفِ وَ بَيْعِهَا فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يُوضَعُ الْوَرَقُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَ كَانَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَ الْحَائِطِ قَدْرَ مَا تَمُرُّ الشَّاةُ أَوْ رَجُلٌ مُنْحَرِفٌ قَالَ فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي وَ يَكْتُبُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُمُ اشْتَرَوْا بَعْدَ [ذَلِكَ‌] قُلْتُ: فَمَا تَرَى فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: لِي أَشْتَرِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَبِيعَهُ. قُلْتُ: فَمَا تَرَ أَنْ أُعْطِيَ عَلَى كِتَابَتِهِ أَجْراً؟ قَالَ: لَا بَأْسَ وَ لَكِنْ هَكَذَا كَانُوا يَصْنَعُونَ».[7]

و هذه الروايةُ عن الإمام الصادق (عليه السلام) و قد سُئل فيها عن شراء المصحف و بيعِه فقال: «شراؤه أحبّ إليّ من بيعِه». ثم سُئل عن إعطاء الأجرة على كتابته فقال: «لا بأس». و هذه الروايةُ ذاتُ سندٍ موثّق و يُحمل مضمونُها- عند الجمع مع سائر الروايات- على الكراهة، بمعنى أنّه لا بأس به في نفسه، و لكن تركُه أولى.

الرأي الرابع: الجوازُ إلّا في حال الوجوب

يرى العلّامة الحِلّي رحمه الله أنّ أخذَ الأجرة على استنساخ المصحف جائز، إلّا في الموارد التي يكون فيها هذا العمل واجباً.

«يجوز على نَسخِ المصحف، إلّا مع الوجوب، فيُقدَّره بالعمل، فيُعَدِّدُ السُّوَر، أو بالزَّمان على إشكالٍ ينشأ من تَفاوُتِ السُّوَر في سهولةِ الحفظ. ولو قال: عشرُ آياتٍ و لم يُعَيِّنِ السُّورةَ لم يَصِحّ، و يكفي إطلاقُ الآيات منها مع وحدةِ الاستقلالِ بالتلاوة، و لا يكفي تَتَبُّعُه نُطْقَه».[8]

و كلمة «نَسخ» في اللغة تأتي بمعنى الاستنساخ و الكتابة، كما تأتي بمعنى إبطال الحكم السابق، و المقصود هنا - بقرينة السياق- هو المعنى الأوّل، أي الكتابة. فعلى سبيل المثال، إذا كان شخصٌ لا يُحسِن قراءةَ الفاتحة و السورة، و يحتاج إلى كتابتِهما ليتمكّن من التعلّم و الحفظ، فإنّ كتابتَهما لأجله تكون واجبةً. و يرى العلّامة أنّه في غير موارد الوجوب يمكن تقديرُ الأجرة بحسب مقدار العمل أو الزمن المبذول (كالعمل بالساعة مثلاً). و بطبيعة الحال، فإنّ اختلافَ حجمِ السُّوَر، مثل الفرق بين سورة البقرة و سورة العصر، يجعل تقديرَ الأجرة على أساس عدد السُّوَر أمراً متفاوتاً، وهذه التفاصيل تُناقش فيها في موضعها المناسب.

كتابةُ الكتبِ الدينيةِ و العلميةِ و الرَّدِّ على الكفر

فيما يخصّ كتابةَ سائرِ الكتب الدينية، كالـجواهر و المكاسب و الرسائل، التي كانت تُكتب يدوياً في الأزمنة الماضية، فقد صرّح الفقهاء بجواز أخذِ الأجرة عليها. كما يرى الشيخ الطوسي أنّ أخذَ الأجرة على كتابةِ كتبِ العلوم الدينية و الدنيوية التي تحتاجها الأمة لا إشكال فيه:

«لا بأس بأخذِ الأجرِ على نَسخِ كتبِ العلوم الدينية و الدنيوية»[9] .

بل حتى في الكتب الكفريّة، ذهب بعضُ الفقهاء إلى أنّه إذا كان الغرضُ من كتابتِها أن يتولاها عالمٌ للردّ عليها و نقضِ ما فيها، فإنّ أخذَ الأجرة على كتابتِها و تجليدِها لأجل إعدادها للنقد، جائزٌ و حلال:

«ولا تحلّ على كتبِ الكفر و تجليدِها إلا لنقضِه».[10]

حكمُ أخذِ الأجرةِ على تعليمِ الفقهِ و الأحكام الشرعية

و من المسائل المهمّة كذلك أخذُ الأجرة على تعليم الفقه و الأحكام الشرعية، كالمعلّم الذي يحدّد أجرةً لتدريسه. و قد اختلفت آراءُ الفقهاء في ذلك؛ فذهب بعضُهم إلى الحرمة المطلقة، و أنّه لا يجوز بحالٍ أخذُ المال على تعليم الفقه.

و قال قائل بالتفصيل بين الواجب و غيره؛ أي إنّ تعليمَ الأحكام المبتلى بها، التي يجب على الجاهل تعلّمها و على العالم بيانُها، لا يجوز أخذُ الأجرة عليه، أمّا ما عدا ذلك فالجواز ثابت.

و قول آخر أیضاً القول بالجواز مع الكراهة؛ أي إنّ أخذَ الأجرة على تدريس الفقه أو بيان المسائل الشرعية مكروه، و تشتدّ الكراهة إذا كان هناك شرطٌ سابقٌ في أخذ المال. و ذهب بعضُهم إلى أنّ عدم الجواز خاصٌّ بالمسائل المبتلی بها؛ أي إذا كانت المسألة ممّا لا يحتاجه المكلَّف عملياً و كان يتعلّمها لمجرّد التفقّه و تعليم الآخرين، جاز أخذُ الأجرة على تدريسها.

كما قيل: إذا كان هناك معلّمٌ واحد فقط، و كان التدريسُ متعيّناً عليه و واجباً عَيْناً، فإنّ أخذ الأجرة في هذه الصورة- باعتبار الانحصار- يكون محرّماً.

الرأيُ الأول: الحرمةُ المطلقة

يرى الإمامُ الخمينيّ (رحمه الله) أنّ أخذَ الأجرة على تعليم مسائل الحلال و الحرام غيرُ جائز:

«تعليمُ مسائلِ الحلالِ و الحرامِ فلا يجوز أخذُ الأجرةِ عليه».[11]

و قد ألحقَ سائرُ العلماء تعليمَ العقائدِ الواجبةِ و الأحكامِ المبتلى بها بهذا الحكم، فحكموا بعدم الجواز كذلك.

و أفتى المحقّقُ الخوئيّ بالاحتياطِ الوجوبي في هذا الباب، فاعتبر أنّه لا يجوز أخذُ المال على تعليم الواجبات، كالصلوة و الصوم، و على سائر الأحكام محلّ الابتلاء، بل حتى في غير محلّ الابتلاء رأى الإشكالَ قائماً:

«لا تجوز الإجارةُ على تعليمِ الحلالِ والحرامِ وتعليمِ الواجباتِ مثل الصلاةِ والصيامِ وغيرهما ممّا هو محلُّ الابتلاء على الأحوط وجوباً، بل إذا لم يكن محلَّ الابتلاء فلا يخلو عن إشكال».[12]

وهذا الحكم إنّما هو في صورة الإجارة و الاشتراط، أمّا قبولُ الهدية من غير شرطٍ سابق فلا بأس به.

كما ذهب آيةُ الله التبريزي إلى ما ذهب إليه المحقّقُ الخوئي، فحكم بعدم جواز أخذ الأجرة على تعليم الواجبات و مسائل الحلال و الحرام، احتياطاً وجوبياً:

«لا تجوز الإجارةُ على تعليمِ مسائلِ الحلالِ والحرامِ وتعليمِ الواجباتِ مثل الصلاةِ والصيامِ وغيرِهما ممّا كان محلَّ الابتلاء على الأحوط، بل في غيره أيضاً إشكال».[13]

دراسةُ دورِ بيتِ المالِ و الهدايا في تأمينِ معيشةِ المعلّمين

في ما یتعلّق بالمؤسّسات كالإذاعة و التلفاز أو الجامعات التي لها ميزانيّاتٌ حكوميّة مخصَّصة، يختلف الحكم. فمع أنّ رأيَ الإمام الخمينيّ (رحمه الله) في عدم جواز أخذِ الأجرة على تعليم الحلال و الحرام يشمل جميعَ الموارد، فإنّ المعلّمَ إذا كان محتاجاً جاز لبيتِ المال أن يؤمّن نفقته و معيشته، إذ إنّ بيت المال موضوعٌ لنشر الإسلام و مقدّماته. أمّا إذا لم يكن محتاجاً فلا وجهَ لأخذ تلك المبالغ، خصوصاً فيما إذا كان التعليم واجباً. و بوجهٍ عام، لا بأس بأخذ الهدية ما لم يُشترَط مالٌ مسبقاً.

الرأيُ الثاني: التفصيلُ بين الواجبِ و غيرِ الواجب

«هل يجوز على تعليم الفقه؟ الوجهُ المنعُ مع الوجوب، و الجوازُ لا معه».[14]

دليلُ هذا الرأي: مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى[15] عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى[16] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ[17] عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ[18] [19] عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ[20] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَال:«قَرَأْتُ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ علیه السلام إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأخذ عَلَى الْجُهَّالِ عَهْداً بِطَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّى أخذ عَلَى الْعُلَمَاءِ عَهْداً بِبَذْلِ الْعِلْمِ لِلْجُهَّالِ لِأَنَّ الْعِلْمَ كَانَ قَبْلَ الْجَهْلِ».[21]

مع أنّ سندَ الرواية موثَّق، فهي لا تدلّ دلالةً قطعيّةً على حرمة أخذ الأجرة. فالأمرُ يشبه زمنَ القحط؛ إذ يجب بذلُ القمح للمحتاجين، ومع ذلك لا يُمنَع أخذُ المال في مقابله. فكونُ بذلِ العلم واجباً لا يعني حرمةَ أخذِ الأجرة عليه. غایة الأمر يُستحسَن أن يقبلَ المبلّغون و المعلّمون الهديةَ إن أُعطيت لهم و أن يتجنّبوا الاشتراطَ و المطالبةَ المسبقة بالمال.

 


[1] المختصر النافع في فقه الامامية، المحقق الحلي، ج1، ص117.
[2] احمد بن ادریس القمي: إمامي ثقة؛ عليّ بن ابراهیم بن هاشم: إمامي ثقة؛ علي بن موسی الكمیداني: مهمل؛ محمد بن یحیی العطار: إمامي ثقة؛ داوود بن كورة القمي: مهمل.
[3] ابن عیسی الأشعري: إمامي ثقة.
[4] التیمي: فطحي ثقة و علی قول من أصحاب الإجماع.
[5] المنقري: إمامي ثقة علی التحقیق.
[6] إمامي ثقة.
[7] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج5، ص122.
[8] قواعد الأحكام، العلامة الحلي، ج2، ص294.
[9] النهاية، الشيخ الطوسي، ج1، ص367.
[10] الجامع للشرايع، الحلي، يحيى بن سعيد، ج1، ص295.
[11] وسيلة النجاة( مع تعاليق الإمام الخميني ره)، اصفهانى، ابوالحسن، ج1، ص324.
[12] منهاج الصالحين، الخوئي، السيد أبوالقاسم، ج2، ص100.
[13] المسائل المنتخبة، التبريزي، الميرزا جواد، ج1، ص253.
[14] قواعد الأحكام، العلامة الحلي، ج2، ص294.
[15] العطّار: إمامي ثقة.
[16] الأشعري: إمامي ثقة.
[17] إمامي ثقة.
[18] في النسخة الصحیحة: یونس.
[19] منصور بن یونس بزرج: واقفي ثقة.
[20] الشامي: غیر إمامي و هو ثقة علی التحقيق.
[21] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج1، ص41.