47/08/11
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: المكاسب المحرمة/ التكسب بالواجبات/ أخذ الأجرة عی تلاوة القرآن في المجالس
خلاصةُ الجلسة الماضية: كان نقاشنا الفقهيّ يدور حول مسألة تعليم القرآن، و هل يجوز لمعلّم القرآن، و لا سيّما الذين يدرّسون في المساجد، أن يعيّنوا أجراً أو أجرةً لهذا العمل؟ و قد طُرحت في هذه المسألة آراءٌ متعدّدة بين الفقهاء؛ فبعضهم قال بالحرمة و بعضهم قال بالجواز و آخرون قالوا بالكراهة. كما فصّل فريقٌ من الفقهاء فقالوا: إن شُرِط دفعُ المال قبل العمل كان أخذه حراماً، و أمّا إذا دفع الناس مبالغ من غير شرطٍ سابق على سبيل الهدية، فلا إشكال في ذلك. و الرواياتُ الواردة في هذا الباب مختلفةٌ أيضاً؛ فبعضها نهى صراحةً عن أخذ الأجرة، و بعضها أجاز ذلك. و وفقاً للجمع بين هذه الروايات، و مع الالتفات إلى قاعدة «التسامح في أدلّة السنن»، يمكن مع ضعف أسانيد بعض الروايات استنباطُ كراهة هذا الفعل.
تحليلُ الرواياتِ الدالّة على الكراهة و بيانُ أثرِها الأخرويّ
«[1] مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ[2] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنَبِّهِ[3] عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ[4] عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ[5] عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ[6] عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ (علیه السلام) أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ فَقَالَ لَهُ وَ لَكِنِّي أُبْغِضُكَ لِلَّهِ قَالَ وَ لِمَ قَالَ لِأَنَّكَ… تَأخذ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَجْراً وَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله) يَقُولُ مَنْ أخذ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَجْراً كَانَ حَظَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».[7]
و من الروايات المستند إليها ما رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ رجلاً جاءه و قال: «يا أمير المؤمنين، واللهِ إنّي أحبّك». فقال له الإمام: «لكنّي أُبغضك لله». فلمّا سأله عن السبب قال: «لأنّك تأخذ أجراً على تعليم القرآن». ثمّ نقل عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّ من يأخذ أجراً على تعليم القرآن فإنّ نصيبه يوم القيامة هو ذلك الأجر الذي أخذه في الدنيا، و لا يُحتسب له ثوابٌ آخر. و لا يُستفاد من هذه الرواية الحرمة، إذ لا ذكرَ للعقاب، و إنّما تُشير إلى حرمان الثواب الأخرويّ، فهي دالّة على الكراهة، مع ضعف سندها.
الطريقُ المقترح لكسب الحلال في تعليم القرآن و سائر العلوم
[8] مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى[9] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ[10] عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ[11] عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ[12] عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ[13] عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ علیه السلام قَال: قُلْتُ لَهُ: «إِنَّ لَنَا جَاراً يُكَتِّبُ وَ قَدْ سَأَلَنِي أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ عَمَلِهِ. قَالَ: مُرْهُ إِذَا دُفِعَ إِلَيْهِ الْغُلَامُ أَنْ يَقُولَ لِأَهْلِهِ إِنِّي إِنَّمَا أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَ الْحِسَابَ وَ أَتَّجِرُ عَلَيْهِ بِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ حَتَّى يَطِيبَ لَهُ كَسْبُهُ».[14]
و تدلّ هذه الرواية أيضاً مع ضعف سندها، على كراهة أخذ الأجرة على تعليم القرآن وحده، و اقتراح ضمّ تعليم العلوم الأخرى ليكون ما يُؤخذ من مالٍ في مقابلها.
رواياتُ النهي و تطبيقُها مع أصلِ الإباحة
توجد في «الكافي» روايةٌ أخرى ينهى فيها الإمامُ الصادق (عليه السلام) عن أخذ الأجرة على التعليم. عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا[15] عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ[16] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ[17] عَنِ الْفَضْلِ بْنِ كَثِيرٍ[18] عَنْ حَسَّانَ الْمُعَلِّمِ[19] قَالَ: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ التَّعْلِيمِ فَقَالَ لَا تَأخذ عَلَى التَّعْلِيمِ أَجْراً».[20]
و هذه الرواية تُعدّ ضعيفةً بسبب وجود أشخاصٍ مثل «الفضل» و«حسّان» في سندها.
و على الرغم من أنّ عبارة «لا تأخذ» ظاهرُها الحرمة، إلا أنّ ضعف السند و ضرورة الجمع بين الروايات يقتضيان حملها على الكراهة.
و في المقابل، فإنّ «أصل الإباحة» يدلّ على الجواز، و مع عدم كفاية أدلّة الحرمة لا يمكن الحكم بغير الجواز و الكراهة.
التفصيل بين الواجبات العينيّة و الكفائيّة في تعليم القرآن و الصلاة
فصّل بعضُ الفقهاء بين الموارد؛ فإذا أراد شخصٌ تعليمَ الصلاة (الحمد و السورة و الركوع و السجود) لغيره، فإن كان هذا التعليم واجباً عليه عيناً أو كفايةً، فقد ذهب بعضهم إلى أنّ أخذ المال عليه غير صحيح.
و قد صرّح المرحوم كاشفُ الغطاء بأنّ الاستئجار لتعليم القرآن جائزٌ ما لم يكن واجباً على المتعلّم عيناً أو کفايةً.
«يجوز الاستئجار لتعليم القرآن إذا لم يجب على المتعلم عيناً كقراءة الصلاة و فقهها أو كفاية لعدم قيام الغير به كباقي القرآن و إن وجب على المتعلم عيناً أو كفاية فقد وجب على المعلم أيضاً عيناً أو كفاية فلا يصح أخذ الأجرة عليهما كسائر الواجبات الكفائية و لو قام بالكفاية من به الكفاية سقط الوجوب كفاية على غيره و جاز أخذ الأجرة».[21]
و مع ذلك، هناك قولٌ آخر، طرحه آيةُ الله التبريزي، و هو أنّ أخذ الأجرة على تعليم القرآن جائز و لكنّ الاحتياط الاستحبابي في تركه.
«الأظهر أنه لا بأس بأخذ الأجرة على تعليم القرآن و لكن الأحوط الترك».[22]
دراسة ماهيّة تعليمِ القرآن العباديّة و دورِ قصدِ القربة
فيما يخصّ كون تعليمِ القرآن عملاً عبادياً أم لا، يُقال إنّه إذا قصدَ المعلّمُ القربةَ كان عبادةً، و لكنّ تعليمَ القرآن ليس من «التعبديّات المحضة» التي تتوقّف صحّتها على قصد القربة. فيمكن للفرد أن يُعلّم القرآن من دون أن يقصد القربة. لذلك فإنّ الإشكالات التي أُثيرت حول «عدم إمكان قصد القربة مع أخذ الأجرة» لا تجري هنا؛ لأنّ تعليم القرآن لا يشبه الصلاةَ التي يُشترط فيها قصد القربة لصحتها.
مشروعيّةُ أخذِ الأجرة في موارد الاضطرار
و في النهاية، في الجواب عن السؤال حول جوازِ أخذ الأجرة، يُقال إنّ ذلك مكروه و ليس محرّماً. بل حتى في الواجبات، كتعليمِ الصلاة، لا يكون أخذُ المال عليها حراماً. و يمكن تشبيهُ الأمر بالخبّاز؛ فلو كان شخصٌ علی خطر من الجوع وجب على الخبّاز أن يعطيه خبزاً، و مع ذلك يجوز له أخذُ الثمن ما لم يكن المحتاجُ معدماً تماماً.
و على هذا القياس، إذا خصّص المعلّم وقتاً من يومه (مثلاً من ساعتين إلى أربع ساعات) لتعليم شخصٍ قادرٍ مالياً، فلا إشكال في أخذ الأجرة منه، أمّا إذا كان المتعلّم فقيراً و يحتاج إلى تعلّم الصلاة وجوباً، فیجب أن يُعلَّم مجاناً. و بناءً على مجموع الروايات، يُفهم أنّ الحكم هو الكراهة، و لا يمكن القول بالحرمة.
حكمُ أخذِ الأجرة على تلاوةِ القرآن و ختمِه في المجالس
أمّا في شأن قراءةِ القرآن في المساجد و مجالسِ الفاتحة، خصوصاً إذا كان القارئ ذا صوتٍ حسنٍ جدّاً، فإنّ المرحوم كاشفَ الغطاء يرى أنّ أخذ الأجرة جائزٌ، بل لا بأسَ أيضاً بتعيين المبلغ.
«يجوز أخذ الأجرة و نحوها على قراءة القرآن».[23]
و يرى آيةُ الله مكارمُ الشيرازي كذلك أنّ أخذ الأجرة على تلاوةِ القرآن أو ختمِه و إهداءِ ثوابه للأموات لا إشكالَ فيه شرعاً.
«لا بأس بأخذ الأجرة على تلاوة القرآن أو ختمه و إهداءِ ثوابه».[24]
أخذُ الأجرة على كتابةِ المصاحف و نسخِها
في هذه المسألة توجد آراءٌ مختلفة:
الرأي الأوّل: الجواز
فيما يتعلّق بكتابة القرآن و أخذ الأجرة عليها، أكّد العلّامة الحلّي و صاحب «الحدائق» جواز ذلك[25] ، و يريان أنّه لا خلاف بين الفقهاء في هذا الشأن.[26]
كما تدلّ رواياتٌ معتبرة على هذا المعنى؛ فقد رُوي أنّ شخصاً كتب مصحفاً لعبد الله بن الحارث و تلقّى خمسين ديناراً أجرةً عليه، و قد أقرّ الإمام ذلك و لم ير فيه بأساً.
«[27] عَنْهُ[28] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ[29] عَنْ أَبَانٍ[30] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ[31] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: «إِنَّ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَرَادَتْ أَنْ تَكْتُبَ مُصْحَفاً وَ اشْتَرَتْ وَرَقاً مِنْ عِنْدِهَا وَ دَعَتْ رَجُلًا يَكْتُبُ لَهَا عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ فَأَعْطَتْهُ حِينَ فَرَغَ خَمْسِينَ دِينَاراً وَ إِنَّهُ لَمْ تُبَعِ الْمَصَاحِفُ إِلَّا حَدِيثاً».[32]
الرأي الثاني: التفصيل بين اشتراط الأجرة و عدمها
يرى ابن إدريس أنّ المكروه إنّما هو اشتراط المال قبل الكتابة، أمّا في الجملة فإنّ أخذ الأجرة على نسخ القرآن حلال.
«أمّا المكروه الأجر على نسخ المصاحف مع الشرط في ذلك، و مع ارتفاعه فهو حلال طلق».[33]
و قد ادّعى ابن إدريس الإجماع على هذا الرأي.[34]
الرأي الثالث: الكراهة
كما اعتبر المحقّق الحلّي نسخ القرآن مكروهاً (بمعنى أنّ تعيين الأجرة عليه غير مستحسن).[35]
بالجملة فإنّ أخذ الأجرة على كتابة القرآن جائز، و إن كان تعيين مقدارها على نحو الشرط قد يكون مكروهاً.