47/08/06
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: المكاسب المحرمة/ التكسب بالواجبات/ أدلّة جواز أخذ الأجرة علی تعليم القرآن
خلاصةُ الجلسةِ الماضية: كان البحثُ حول تعليم القرآن، و أنّه هل يجوز أخذُ الأجرة في مقابل تعليمه أم لا؟ و قد طُرحت في ذلك أقوالٌ مختلفة؛ فبعضُ الفقهاء قالوا بالحرمة و بعضهم حكم بالكراهة، كما فصّل بعضهم بين ما إذا شُرط دفعُ المال و بين ما إذا دُفع بلا شرطٍ و بعنوان الهدية.
يرى ابنُ إدريس أنّ أخذ المال لتعليم القرآن إذا كان مشروطاً فهو مكروه، أمّا إذا دُفع بلا شرط فلا إشكال فيه.
«أمّا المكروه… الأجر على تعليم القرآن مع الشرط في ذلك، و مع ارتفاعه فهو حلالٌ طلق».[1]
و قد استند في ذلك إلى روايةٍ نُقل فيها أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهى عن أجرة القارئ الذي لا يقرأ إلّا بأجرٍ مشروط:
«نهى رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) عن أُجرةِ القارئ الذي لا يقرأ إلا على أجرٍ مشروط».[2]
غير أنّ الفقهاء ـ لضعف سند هذه الرواية ـ حملوا النهي فيها على الكراهة. هذا مضافاً إلى أنّ الرواية تتعلّق بقراءة القرآن، لا بتعليم القرآن الذي هو محلّ نقاشنا.
دراسة قاعدةِ التسامح في أدلّة السنن و تطبيقُها في المستحبّات و المكروهات
يُطرح هنا نقاش أصوليٌّ مهم و هو: هل يمكن شمولُ الرواية المذكورة لمعلّم القرآن أيضاً؟ ففي علم الأصول قاعدةٌ تُسمّى «التسامح في أدلّة السنن». يُشترط التدقيقُ في السند في أبواب الواجبات والمحرمات، و لا تُقبل الرواية إلا إذا كانت صحيحةً أو موثَّقةً؛ أمّا في المستحبّات و المكروهات، فيرى بعضُ العلماء أنّه لا حاجة إلى هذا التشديد السندي. و وفقاً لهذه القاعدة، إذا وردت روايةٌ في الكتب المعتبرة تعدُ بثوابٍ على عملٍ ما، فإنّ الله تعالى يمنح ذلك الثواب للفاعل، و لو كان سندُ الرواية ضعيفاً.
و المسألةُ المطروحة هي: هل تثبتُ هذه القاعدةُ الثوابَ فقط، أم يمكن بناءُ الفتوى بالاستحباب عليها أيضاً؟ و كذلك: هل تجري هذه القاعدة في باب المكروهات؟ فإذا قبلنا بجريانها في المكروهات، أمكن اعتبارُ نهي النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن الأجرة المشروطة دليلاً على كراهة هذا الفعل.
تمييزُ التعليم الواجب عن المستحبّ عند العلّامة الحلّي
يرى العلّامة الحلّي أنّ أخذ الأجرة على تعليم القرآن جائز، إلّا في الموارد التي يكون التعليم فيها واجباً على المعلّم.
«يجوز على تعليم القرآن، إلّا مع الوجوب فيقدّره بالعمل، فيعدّد السور، أو بالزمان على إشكالٍ ينشأ من تفاوت السور في سهولة الحفظ. و لو قال: عشرُ آياتٍ و لم يعيّن السورة لم يصحّ، و يكفي إطلاقُ الآيات منها وحدةُ الاستقلال بالتلاوة، و لا يكفي تتبّعُه نُطقه».[3]
فمثلاً إذا وجب تعليمُ طفلٍ مكلّفٍ الحمدَ و السورةَ لتصحيح صلاته، كان هذا المقدار من التعليم واجباً، و لا يجوز أخذ الأجرة عليه؛ أمّا ما زاد على القدر الواجب فلا مانع من أخذ الأجرة عليه.
و قد فصّل بعضُهم في هذا الرأي، فقالوا إنّ تعليم المقادير الواجبة ـ كالحمد و السورة ـ يجب أن يكون بلا مقابل، و يكون أخذ الأجرة عليه حراماً، و أمّا ما زاد على الواجب فمكروهٌ إن لم يكن مشروطاً، و تشتدّ كراهتُه مع الاشتراط.
دراسةُ الروايات الدالّة على الجواز و الردّ على شبهة كون كسب المعلّم سُحتاً
في مقابل الآراء السابقة، نُقلت روايةٌ عن الإمام الصادق (عليه السلام) يُرَدّ فيها على شبهة كون دخل المعلّم سُحتاً (حراماً).
عليُّ بنُ محمد بنِ بندار[4] عن أحمدَ بنِ أبي عبدِ الله[5] عن شريفِ بنِ سابق[6] عن الفضلِ بنِ أبي قُرّة[7] قال: «قلتُ لأبي عبدِ الله (عليه السلام): هؤلاء يقولون إنّ كسبَ المعلّم سُحتٌ. فقال: كذبوا أعداءُ الله، إنّما أرادوا أن لا يُعلِّموا القرآن، ولو أنّ المعلّم أعطاه رجلٌ ديةَ ولدِه لكان للمعلّم مباحاً»[8] .
و قد استُدلّ بهذه الرواية على جواز أخذ الأجرة.
الوجوب العيني و الكفائي في تعليم الأحكام و القرآن للأبناء و حديثي الإسلام
و من المسائل الأخرى النقاش في الوجوب العيني و الكفائي. فبحسب الآية الكريمة التي تأمر بحفظ النفس و الأهل من نار جهنّم، يجب على الوالدين تعليمُ الأحكام و الواجبات لأبنائهم:
﴿يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾[9]
كما عدَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) تعليمَ القرآن من حقوق الولد على أبيه. فإذا كان تعليم الأحكام و القرآن واجباً عينيّاً في ظرفٍ ما - كما لو لم يوجد إلا شخصٌ واحد يستطيع تعليم مسلمٍ جديدٍ الصلاة َ- فإنّ أخذ الأجرة في هذه الحالة يكون حراماً. أمّا إذا كان واجباً كفائيّاً و كان هناك آخرون يمكنهم القيام به، فلا إشكال في أخذ الأجرة. و كذلك في باب الاجتهاد، إذا كان تعليم القرآن مقدّمةً للوصول إلى مرتبة الاجتهاد و قد صار ذلك واجباً على شخصٍ ما، فإنّ تعليم القرآن يصبح واجباً عينيّاً عليه، و لا يجوز أخذ الأجرة عليه.
«المعلّم للقرآن إن كان معلّماً لشيءٍ من الأقسام الواجبة عينيّاً، فإمّا مع تعيّن التعليم عليه بأن لا يوجد غيره ممّن يقوم بذلك، فهذا لا يجوز له أخذ الأجرة على ذلك التعليم، و إن لم يكن جاز لكن على كراهية».[10]
الاستنادُ إلى الرواياتِ الصحيحة في باب جعل تعليم القرآن مهراً
يُعدّ من أقوى الأدلّة على جواز أخذ الأجرة ما ورد في روايةٍ صحيحة عن الإمام الباقر (عليه السلام) نقلها الكليني في «الكافي»:
محمّدُ بنُ يحيى[11] عن أحمدَ بنِ محمّد[12] عن عليِّ بنِ الحكم[13] عن العلاءِ بنِ رزين[14] عن محمّدِ بنِ مسلم[15] عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) قال: «جاءت امرأةٌ إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقالت: زوّجني. فقال رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله): مَن لهذه؟ فقام رجلٌ فقال: أنا يا رسولَ الله زوّجنيها. فقال: ما تعطيها؟ فقال: ما لي شيء. فقال: لا. فأعادت، فأعاد رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) الكلام، فلم يقم أحدٌ غير الرجل. ثم أعادت، فقال رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) في المرّة الثالثة: أتحسن من القرآن شيئاً؟ قال: نعم. فقال: قد زوّجتكها على ما تحسن من القرآن، فَعَلِّمْها إيّاه»[16] .
یظهر من الرواية أنّ تعليم القرآن له ماليّة و يمكن جعله مهراً، و المهرُ يجب أن يكون ذا قيمة مالية معتبرة.
النتيجةُ و التحليلُ النهائيّ في مسألة جواز أخذ الأجرة
يُستفاد من هذه الرواية الصحيحة أنّ تعليم القرآن فعلٌ يُدفع في مقابله مال، و لذلك يجوز أخذ الأجرة عليه، حتى في الموارد الواجبة. و قد كانت هذه السيرة موجودةً في صدر الإسلام. و بناءً على هذه الرواية و سيرة المعصومين، يمكن القول بأنّ أخذ الأجرة على تعليم القرآن جائزٌ و لا إشكال فيه شرعاً.