47/08/05
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: المكاسب المحرمة/التكسب بالواجبات / أدلّة جواز أخذ الأجرة علی تعليم القرآن
ملخّص الجلسةِ الماضية: كان البحثُ الفقهيّ ناظراً إلی مسألةِ تعليمِ القرآن و حكمِ أخذِ الأجرةِ فيه. و السؤالُ الأساسي هو: هل يجوز أخذُ الأجرة على تعليم القرآن أم لا؟ و إذا كان جائزاً أو غير جائز، فهل يدخل ذلك في دائرةِ الحرمة أو الكراهة أو الإباحة؟
ثمّ إنّه قد وردت رواياتٌ متعدّدة عن المعصومين (عليهم السلام) في هذا الصدد، بعضها يدلّ على النهي و بعضها على الجواز و بعضها يظهر منه تفضيلُ تركِ أخذِ الأجرة. و قد جرى في الجلسات السابقة النقاش في طائفةٍ من هذه الروايات، و يُطرح في متابعةِ البحث رواياتٌ أخرى للوصول إلى نتيجةٍ واضحة بشأن الحكم الفقهي لهذه المسألة.
الرواية السادسة: إسحاق بن عمّار
«[1] مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى[2] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ[3] عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ[4] عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ[5] عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ[6] عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ (علیه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنَّ لَنَا جَاراً يُكَتِّبُ وَ قَدْ سَأَلَنِي أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ عَمَلِهِ قَالَ: مُرْهُ إِذَا دُفِعَ إِلَيْهِ الْغُلَامُ أَنْ يَقُولَ لِأَهْلِهِ إِنِّي إِنَّمَا أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَ الْحِسَابَ وَ أَتَّجِرُ عَلَيْهِ بِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ حَتَّى يَطِيبَ لَهُ كَسْبُهُ».[7]
نظراً إلی وجود رواةٍ ضعاف لا سيما أبي عبد الله الرازي و الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني، تُعدّ الرواية ضعيفةً سنداً و لا يصحّ الاعتماد عليها منفردةً لإثبات حكمٍ إلزامي.
و في دلالة الرواية أنّ إسحاق بن عمّار يسأل الإمام (عليه السلام) عن جارٍ له يتولّى تعليم الصبيان، و قد طُلب منه الاستفسار عن حلّية كسبه فيجيب الإمام بأن يقول لأهل الصبي: إنّه يعلّمهم «الكتاب و الحساب». و المقصود بـ «الكتاب و الحساب» تعليم القرآن و الحساب. و توصيةُ الإمام (عليه السلام) أن يجعلَ المعلّمُ أجرتَه على تعليم هذه الأمور، أمّا تعليم القرآن فليجعله «تجارةً مع الله»، أي يبتغي به وجه الله دون طلب أجر، مع أخذ الأجرة على غيره من المهارات لتأمين معيشته.
دراسة دلالة الرواية على الحرمة أو الكراهة
الرواية مذكورة في تهذيب الأحكام، و لكن مع ضعف السند لا يمكن جعلها دليلاً قطعياً على حرمة أخذ الأجرة على تعليم القرآن. إضافةً إلى ضعف السند، فإنّ دلالتها في نفسها محلّ تأمّل؛ إذ إنّ تعبير «التجارة مع الله» یمکن أن یکون إشارةً إلى توصيةٍ أخلاقيةٍ مندوبة، لا إلى حكمٍ إلزامي.
و قد حمل بعضُ الفقهاء الروايةَ على الكراهة، و قالوا إنّ الأولى تركُ أخذِ الأجرة في تعليم القرآن، لكن لا تُفهم منها الحرمة. و قد صرّح المحقق الأردبيلي و المحقق النراقي غایة ما یدل ّ عليه مجموعَ هذه الروايات، هي الكراهة لا الحرمة.
يقول المحقق الأردبيلي (رحمه الله): «لعلّ معنى قوله: «إنّما أعلّمه» أنّه يعلّمه في علم الكتابة- قراءةً أو كتابةً- و الحساب بالأجرة، و يريد بتعليم القرآن الثوابَ و التجارةَ مع الله»[8] .
أصلُ الإباحة عند فرض تعارض الروايات
إذا فُرض أنّ روايات هذا الباب متعارضةٌ فيما بينها بحيث يدلّ بعضها على النهي و يظهر من بعضها الكراهة و يصرّح بعضها بالجواز فإنّ المرجع هو الأصل العملي، و الأصل في هذا المقام هو أصل الإباحة؛ لأنّ الإنسان يقوم بعملٍ و يأخذ في مقابله أجرةً و لا يوجد دليلٌ معتبرٌ أو قاطعٌ على الحرمة.
و يُصرّح العلّامة الحلّي بأنّ الأصل في أخذ الأجرة على تعليم القرآن هو الإباحة، و أنّه لا يمكن أن يُستفاد من الروايات إلا الكراهة، لا أكثر.[9]
ملاحظةٌ اجتماعية: ضرورةُ ترويج تعليم القرآن
من النقاط المهمّة في هذا البحث الالتفاتُ إلى الآثار الاجتماعية للحكم. فإذا عُدَّ أخذُ الأجرة على تعليم القرآن حراماً، فلن يتمكّن الكثير من معلّمي القرآن من إدارة شؤون معيشتهم، و قد يؤدّي ذلك إلى تعطيل تعليم القرآن أو إضعافه في المجتمع.
و لذلك، فإنّ نشر تعليم القرآن و توسيعه يحتاج إلى تأمين وسيلةٍ معقولةٍ لكفاية المعلمين. و كما يدفع الناس الأموال لتعلّم العلوم و اللغات المختلفة، فكذلك دفع الأجرة لتعليم القرآن أمرٌ معقول بل لازم.
رأيُ الإمام الخميني (قدّس سرّه) و آراءُ الفقهاء الآخرين
صرّح الإمام الخميني (قدّس سرّه) بأنّ أخذ الأجرة على تعليم القرآن و الكتابة و الخط لا إشكال فيه:
«أمّا تعليم القرآن فضلاً عن غيره من الكتابة و قراءة الخطّ و غير ذلك فلا بأس بأخذها عليه»[10] .
و قال المحقّق السبزواري (رحمه الله):«يجوز أخذ الأجرة لتعليم القرآن و سائرِ الكمالات الدينية أو الدنيوية، و الأولى التنزّه عنه في تعليم القرآن، لأنّ تعلّم كلام الله أجلّ من أن يُقابَل بمال الدنيا مطلقاً».[11]
و قال آيةُ الله سبحاني (حفظه الله): إنّ روايات النهي «محمولةٌ على الكراهة أو التقيّة كما يظهر من بعض الروايات»[12] .
و قد رأی آيةُ الله فاضل اللنكراني و آيةُ الله الحكيم أیضاً جوازَ أخذ الأجرة، غير أنّهما جعلا ترك الاشتراط الصريح عند تحديد الأجرة، أولى.
فقد قال آيةُ الله فاضل اللنكراني:
«أمّا تعليم القرآن فضلاً عن غيره من الكتابة و قراءة الخطّ و غير ذلك، فلا بأس بأخذها عليه، و المراد بالواجبات المذكورة ما وجب على نفس الأجير»[13] .
و قال آيةُ الله الحكيم:
«الظاهر جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، و إن كان الأولى عدمُ المشارطة في تعيين الأجر، بل يرضى بما يُعطى له، و أولى من ذلك تركُ أخذِ أيّ شيءٍ عليه حتى الهدية».[14]
كما يرى آيةُ الله مكارم الشيرازي (حفظه الله) أنّ أخذ الأجرة جائز، و لا كراهة فيه، إلّا في الحالات التي يكون فيها التعليم واجباً عينيّاً، كتعليم الحمد و السورة للصلاة، حيث قال:
«يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن و لا كراهة فيه، ما عدا ما يجب تعليمه و تعلّمه شرعاً لحفظ القرآن من الاندراس أو لقراءته في الصلاة أو لكشف أحكام الشرع و غيرها»[15] .
ردّ شبهة كون كسب معلّم القرآن «سُحت»
ورد في روايةٍ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ رجلاً قال له: إنّ الناس يقولون إنّ كسب معلّم القرآن سُحت. فقال (عليه السلام): «كذب أعداءُ الله، إنّما أرادوا ألّا يُعلَّم القرآن». ثم قال: و لو أنّ رجلاً أعطى المعلّمَ ديةَ ولده لكان ذلك مباحاً للمعلّم.
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُنْدَارَ[16] عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ[17] عَنْ شَرِيفِ بْنِ سَابِقٍ[18] عَنِ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي قُرَّةَ[19] قَالَ: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام): هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إِنَّ كَسْبَ الْمُعَلِّمِ سُحْتٌ. فَقَالَ: كَذَبُوا أَعْدَاءُ اللَّهِ إِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ لَا يُعَلِّمُوا الْقُرْآنَ وَ لَوْ أَنَّ الْمُعَلِّمَ أَعْطَاهُ رَجُلٌ دِيَةَ وَلَدِهِ لَكَانَ لِلْمُعَلِّمِ مُبَاحاً».[20]
هذه الرواية و إن لم يكن سندها قويّاً جدّاً، إلّا أنّ مضمونها ينسجم مع بقيّة الشواهد الفقهية و سيرة المسلمين.
سيرة المسلمين المستمرّة في جعل تعليم القرآن مهراً
لقد جرت سيرة المسلمين المستمرّة منذ صدر الإسلام إلى اليوم على دفع الأجرة لمعلّمي القرآن. يضاف إلى ذلك وجود رواياتٍ صريحة تدلّ على جواز جعل تعليم القرآن مهراً في عقد النكاح؛ و من ذلك أنّ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قال لرجلٍ لا يجد مالاً للمهر: إن كنتَ تحفظ من القرآن شيئاً فاجعل تعليمَ القرآن مهراً لزوجتك.
و قد اتّفق الفقهاء على هذا الحكم، و هو شاهدٌ واضح على جواز أخذ العوض في مقابل تعليم القرآن