47/07/22
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: المكاسب المحرمة/التکسّب بالواجبات /أخذ الأجرة في الواجب المشروط قبل حصول الشرط
خلاصة الجلسة الماضية: كان النقاش الفقهيّ حول «أخذ الأُجرة على الواجبات». و في هذا السياق، قد أُشير إلى رأي الشيخ الأنصاري (أعلى الله مقامه الشريف) حيث ذهب إلى عدم جواز أخذ الأُجرة في الواجبات العينيّة التعبّديّة. و استدلاله قائم على أنّ قصد القُربة ينافي تلقّي الأُجرة.
رأي التفريق بين الواجب المتعلّق بالدين و الواجب المتعلّق بالأموال
إنّ ما وجب كفايةً لذاته يحرم أخذ الاجرة عليه و هو كلّ ما تعلّق أوّلًا و بالذات بالأديان كالفقاهة و إقامة الحجج العلمية و دفع الشبهات و حلّ المشكلات و الأمر بالمعروف و التغسيل و التكفين، لأنّه راجع إلى الدين، أو الأبدان كالطبابة و التمريض و إطعام الجائعين و ستر العراة و إغاثة المستغيثين في النائبات على ذوي اليسار و إنقاذ الغرقى، بل قد أجاز الشارع ترك الواجب العيني كالجمعة للتمريض و إن سدّ غيره من أقاربه مسدّه فما ظنّك بالطبابة و الّذي يجوز أخذ الاجرة عليه من الواجب الكفائي هو ما يتعلّق أوّلًا و بالذات بالأموال و إن رجع بالأخرة إلى الأوّل و ذلك كالحياكة و الصياغة و التجارة و نحو ذلك، بل الصياغة ليست واجبة كفاية.[1]
الواجب الكفائي على نوعين:
1. واجبات كفائيّة مرتبطة بالدين و بالأبدان،كبيان العقائد و المعارف الإلهيّة و الواجبات المتعلّقة بالأبدان، مثل الطبابة و إنقاذ الناس في الحالات الاضطراريّة.
2. واجبات كفائيّة مرتبطة بالأموال: كالنجارة و الخبازة و نحو ذلك.
قال بعضهم: إن كان الواجب متعلّقاً بالدين أو بالأبدان، فلا يجوز أخذُ الأُجرة عليه؛ فمثلاً إذا غرق شخص في البحر، كان إنقاذه واجباً كفائيّاً و لا يجوز طلب الأُجرة على هذا الإنقاذ. و كذلك في الطبابة، لا يجوز للطبيب أخذُ الأُجرة على معالجة المريض. و لا يجوز أخذ الأُجرة على بيان الأحكام الشرعيّة، و إن كان أخذُ الهديّة لا إشكال فيه. و في المقابل، فإنّ بعض الواجبات الكفائيّة يتعلّق بأعمالٍ لها ارتباطٌ بالأموال، كالخياطة و النجارة و الخبازة. و في هذه الموارد لا مانع من أخذ الأُجرة؛ لأنّ هذه الأعمال تُؤدّى استجابةً لحاجات المجتمع، و لو تُركت لأدّى ذلك إلى اختلال النظام.
الإشكال على القول بالتفصيل
برأينا، لا شيء من الأدلّة المطروحة في هذا البحث قاطعاً، و لا يصدق عليه أكل المال بالباطل. فإذا وُجد غرضٌ عقلائيّ صحيح، سواء أكان الواجب عينيّاً أم كفائيّاً، و سواء أكان تعبديّاً أم توصّليّاً، فإن أخذ الأجرة يكون صحيحاً. و في هذا الباب، لم ترد آيةٌ و لا روايةٌ مستندةٌ إلى هذا الموضوع. و يرى بعضهم أنّ الوجوب لا ينافي الأجرة، و أنّه يمكن للشخص أن يتقاضى الأجرة و في الوقت نفسه يقصد القربة. و لا يوجد دليلٌ نقليٌّ صريح - من آيةٍ أو روايةٍ - يدلّ على منع أخذ الأجرة على الواجبات، بل إنّ هذه المسألة يغلب عليها الطابع الاجتهاديّ و العقليّ. و من جهةٍ أخرى، عُدَّ الجمع بين قصد القربة و الأجرة ممكناً؛ بمعنى أنّ الشخص يمكنه أن يتقاضى الأجرة و يؤدّي العمل بقصد القربة معاً.
الإجارة في الواجب المشروط قبل تحقّق الشرط
قال كاشف الغطاء (رحمه الله) إنّ الإجارة في الواجب المشروط تكون صحيحةً قبل تحقّق الشرط. فعلى سبيل المثال، إذا كان لشخصٍ دينٌ، و بوصوله يصبح مستطيعاً، جاز له أن يُستأجر لأداء الواجب قبل تحقّق الشرط.
«أما ما كان واجباً مشروطاً فليس بواجب قبل حصول الشرط فتعلق الإجارة به قبله لا مانع منه و لو كانت هي الشرط في وجوبهكلما وجبت كفاية من حِرَفٍ و صناعات لم يجب إلّا بشرط العوض بإجارة أو جعالة أو نحوهما فلا فرق بين وجوبها العيني للانحصار و وجوبها الكفائي لتأخر الوجوب عنها و عدمه قبلها كما إن بذل الطعام و الشراب للمضطر إن بقي على الكفاية أو تعين يستحق فيه أخذ العوض على الأصح لأن وجوبه مشروط بخلاف ما وجب مطلقاً بالأصالة كالنفقات أو بالعارض كالمنذورات و نحوها».[2]
و من المسائل المثيرة للبحث مسألة «الإجارة في الواجب المشروط قبل تحقّق الشرط». و المثال المشهور في هذا الباب هو شخصٌ له دين، فإذا وصل إليه صار مستطيعاً للحج فإذا كان هذا الشخص مطمئنّاً إلى أنّ دينه سيصل إليه في المستقبل، فهل يجوز له من الآن أن يُستأجر لأداء الحج؟ يرى كاشف الغطاء (رحمه الله) جواز ذلك، حتى قبل أن تتحقّق استطاعة الحج فعليّاً.
و هذا الرأي قابلٌ للتعميم على موارد مماثلة، كالحصول على المهر لتحقّق استطاعة الحج.
مرأی عدم جواز أخذ الأجرة علی الواجب العينيّ التعييني
قال الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله): التحقيق أنّ الواجب إذا كان عينيّاً تعيّنياً لم يجز أخذ الأجرة عليه و لو كان من الصناعات فلا يجوز للطبيب أخذ الأجرة على بيان الدواء أو بعد تشخيص الدواء و أمّا أخذ الوصي الأجرة على تولي أموال الطفل الموصى عليه الشامل بإطلاقه لصورة تعين العمل عليه فهو من جهة الإجماع و النصوص المستفيضة على أنّ له أن يأخذ شيئاً و إنما وقع الخلاف في تعيينه فذهب جماعة إلى أنّ له أجرة المثل حملاً للأخبار على ذلك و لأنّه إذا فرض احترام عمله بالنص و الإجماع فلا بدّ من كون العوض أجرة المثل. و بالجملة فملاحظة النصوص و الفتاوى في تلك المسألة ترشد إلى خروجها عما نحن فيه و أمّا باذل المال للمضطر- فهو إنّما يرجع بعوض المبذول لا بأجرة البذل- فلا يرد نقضاً في المسألة و أما رجوع الأمّ المرضعة بعض إرضاع اللبأ مع وجوبه عليها بناء على توقّف حياة الولد عليه فهو إمّا من قبيل بذل المال للمضطر و إما من قبيل رجوع الوصي بأجرة المثل من جهة عموم الآية ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾[3] فافهم و إن كان كفائيا جاز الاستيجار عليه فيسقط الواجب بفعل المستأجر عليه عنه و عن غيره و إن لم يحصل الامتثال. و من هذا الباب أخذ الطبيب الأجرة على حضوره عند المريض إذا تعين عليه علاجه فإن العلاج و إن كان معينا عليه إلا أن الجمع بينه و بين المريض مقدمة للعلاج واجب كفائي بينه و بين أولياء المريض فحضوره أداء للواجب الكفائي كإحضار الأولياء إلا أنه لا بأس بأخذ الأجرة عليه.
نعم يستثنى من الواجب الكفائي ما علم من دليله صيرورة ذلك العمل حقا للغير يستحقه من المكلّف كما قد يدعى أن الظاهر من أدلة وجوب تجهيز الميت أن للميت حقا على الأحياء في التجهيز فكل من فعل شيئا منه في الخارج فقد أدى حق الميت فلا يجوز أخذ الأجرة عليه و كذا تعليم الجاهل أحكام عباداته الواجبة عليه و ما يحتاج إليه كصيغة النكاح و نحوها لكن تعيين هذا يحتاج إلى لطف قريحة.[4]
موضع آخر يرى الشيخ الأنصاري (رحمه الله) أنّ الإجارة عليه غير صحيحة، هو الواجب العينيّ التعيينيّ، و إن كان توصلياً.
و بناءً على هذا الرأي، لا يحقّ للطبيب أن يأخذ الأجرة على الطبابة إذا كانت واجباً عينيّاً تعيينيّاً، لكن يجوز له أخذ الأجرة على الحضور عند سرير المريض.
مثالٌ آخر يذكره الشيخ الأنصاري (رحمه الله): أنّ من كان وصيّاً على أموال الأيتام الصغار، فبمقتضى الروايات المستفيضة و الإجماع، يجوز له أن يعيّن أجرةً لتنفيذ الوصيّة.
هنا نقطة دقيقة قد طرحها الشيخ الأنصاري (رحمه الله) هو التفريق بين «البذل» و «المبذول». فمثلاً، في إرضاع الأمّ للطفل، الواجب هو «البذل»، أي فعل الإرضاع، أمّا الأجرة المدفوعة فهي في مقابل «المبذول»، أي نفس اللبن. و كذلك في مسألة القمح زمن المجاعة، فإنّ الوجوب الشرعيّ يتعلّق بـ«البذل»، أي تمكين القمح و وضعه في متناول المحتاجين، بينما تتعلّق الأجرة بـ«المبذول»، أي عين القمح. و بناءً على ذلك، قيل إنّ الأجرة لا تقع على نفس التكليف الشرعيّ (البذل)، بل على متعلَّقه (المبذول)، فلا منافاة بينها و بين وجوب العمل.
و في نقد هذا الرأي، استُدلّ بأنّ هذا التفريق غير مقبول عرفاً؛ لأنّ العرف لا يرى البذل و المبذول أمرين منفصلين، بل يدفع الأجرة في مقابل مجموع العمل.
و برأينا، فإنّ أخذ الأجرة في الواجبات - على اختلاف تقسيماتها من تعبّديّة أو توصّليّة، عينيّة أو كفائيّة، فوريّة أو غير فوريّة- جائزٌ على نحو الإطلاق، و لا توجد أيّ منافاة بين الوجوب الشرعيّ و تلقّي الأجرة.