47/07/20
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: المکاسب المحرّمة/التکسّب بالواجبات /الأقوال في الواجبات النظاميّة
خلاصة الجلسة السابقة: كان النقاش الفقهي حول هذ السؤال من أنّه هل يجوز أخذ الأجرة مقابل القيام بالأمور التي تُعدّ من «الواجبات الكفائية» الملقاة على عاتق المجتمع و التي يؤدّي تركها إلى اختلال نظام الحياة العامّة، أم لا؟ و المقصود من «النظام» هو البنية الضرورية للحياة الاجتماعية التي يؤدّي فقدانها إلى وقوع الناس في مشقّة و اضطراب في معيشتهم المعتادة. و من مصاديق هذه الواجبات، المهنُ کالطبابة و الخِبازة، و الجزارة و الخياطة و تعليم الأحكام الشرعيّة.
وجهة نظر المحقّق السبزواري (رحمه الله):
يرى السيد عبد الأعلى السبزواري (رحمه الله) و كثيرٌ من الفقهاء جوازَ أخذ الأجرة على القيام بالواجبات الكفائية النظامية.
«يجوز أخذ الأجرة على… كل واجب كفائي نظامي لم يعلم إنه من الحقوق المجانية الدائرة بين البشر».[1]
و ذكر أدلّةً مفصّلةً لهذا الرأي:
الدليل الأوّل: وجود المقتضي و عدم المانع
وجود المقتضي و فقد المانع فيشملها العموم و الإطلاق
العمل المنجَز (كالطبابة أو خبز الخبز) عملٌ مشروع ذو نفعٍ محقَّقٍ للناس، و متى تحقّق عملٌ نافعٌ مشروع كان أخذ العوض عنه معقولاً و مشروعاً. و من جهةٍ أخرى لا يوجد دليلٌ شرعيٌّ قطعيّ (مانع) يمنع من أخذ الأجرة في هذه الموارد.
الدليل الثاني: الإجماع واتّفاق الفقهاء
ادُّعي وجودُ اتّفاقٍ (إجماع) بين الفقهاء على جواز أخذ الأجرة على مثل هذه الأعمال. [2]
الدليل الثالث: السيرة المستمرّة للعقلاء:
«السيرة العقلائية في كل الأعصار و الازمان و جميع الملل و الأديان و لم يردع عنها نبي و لا وصي نبي، بل قررت بعمومات الكتاب و السنة و سيرة الأمة حتى في عصر النبي (صلیاللهعلیهوآله) و الأئمّة (علیهمالسلام)».[3]
في جميع المجتمعات و الأديان و العصور التاريخية، جرت سيرة العقلاء على أخذ الأجرة مقابل الخدمات الضرورية، كالعلاج و توفير الغذاء و اللباس. و هذه طريقة عالميّة مقبولة، و لم ينهَ الشارع المقدّس في الإسلام عنها، بل أمضاها بسكوته التأييدي.
الدليل الرابع: لزوم منع اختلال النظام:
«لولاه لاختلّ النظام و بطل سوق الأنام و لا يرضى به عاقل فضلاً عن الحكيم العلّام.[4]
لو لم يتمكّن مقدّموا هذه الخدمات الضروريّة من تأمين معاشهم من خلال مهنتهم، لأدّى ذلك تدريجيّاً إلى تعطيل هذه الأعمال، و اختلال نظام المعيشة في المجتمع، و وقوع الفوضى و الانهيار؛ و عليه فإنّ جواز أخذ الأجرة يضمن استمرار هذه الخدمات و حفظ النظام الاجتماعي.
وجهة نظر التفريق بين الواجب الكفائي و الواجب العيني في الواجبات النظاميّة:
في سياق البحث يُطرح هذا السؤال: هل يشمل حكم الجواز، المواردَ التي يتعيّن فيها التكليف على شخصٍ معيّن (الواجب العيني) أيضاً، أم لا؟
مثالٌ افتراضيّ: الطبيب الوحيد الموجود في مدينةٍ نائية.
جواز أخذ الأجرة على كل ما كان وجوبه نظاميا و عدم جوازه في كلّما كان واجبا عينيا غير نظامى أو كفائيا لم يثبت قابليته للاستنابة و جوازه فيما ثبت قبوله للاستنابة.[5]
يرى بعضُ الفقهاء أنّ أخذ الأجرة في الواجبات العينيّة غيرُ جائز. و استدلالهم أنّ المكلَّف في الواجب العيني مكلَّفٌ بالفعل على أيّ حال و من دون قيدٍ أو شرط، و لا يجوز له أن يجعل أداء تكليفه الشرعي مشروطاً بالحصول على المال. و في هذه الحالة ينبغي أن يكون تأمين معيشة مثل هذا الشخص من بيت المال أو من الحقوق الحكومية، لا من خلال أخذ الأجرة مباشرةً من الناس.
برأينا کما قلنا من قبل، نرى جواز إعطاء الأجرة حتّى في الواجبات العينيّة، سواء كانت عباديّةً كالصلاة و الصوم، أم نظاميّةً كالطبابة إذا انحصر في شخصٍ واحد فيجوز جعل الأجرة لغرضٍ عقلائي، كتشجيع الشخص على الإتيان بالتكليف على وجهٍ أفضل (كترغيب الولد على الصلاة)، أو لتأمين معيشته على نحوٍ معقول. و على هذا الأساس، يجوز للشخص أن يشترط أخذ مبلغٍ معيّنٍ في مقابل القيام بالعمل. نعم، يُؤكَّد أنّه إذا كان أخذ مبلغٍ خاصٍّ مخالفاً للقوانين النافعة (كقوانين الدولة الإسلاميّة)، فلا يجوز الإلزام بدفعه، غير أنّ أصل اشتراط الأجرة، حتّى في الواجب العيني، لا إشكال فيه في نفسه.
دفع الإشكال عن جواز أخذ الأجرة على الواجبات النظاميّة:
صرّح الشيخ الأنصاري (رحمه الله) بجواز أخذ الأجرة على الواجبات النظاميّة، و بوجوب أدائها من قِبَل صاحب العمل (المستأجِر).
إنّ هنا إشكالاً مشهوراً و هو أنّ الصناعات التي يتوقّف النظام عليها تجب كفايةً لوجوب إقامة النظام بل قد يتعيّن بعضها على بعض المكلّفين عند انحصار المكلّف القادر فيه مع أنّ جواز أخذ الأجرة عليها ممّا لا كلام لهم فيه و كذا يلزم أن يحرم على الطبيب أخذ الأجرة على الطبابة لوجوبها عليه كفايةً أو عيناً كالفقاهة.[6]
كما أكّد الإمام الخميني (قدّس سرّه) على وجوب «حفظ النظام» بوصفه من أهمّ الواجبات.
نقد المرحوم الإيرواني:
يرى المرحوم الإيرواني أنّ المسألة، بطرح أسئلةٍ أساسيّة، تصبح أكثر تعقيداً و تحتاج إلى مزيدٍ من التدقيق. یقول: «هذا الإشكال مبنيّ على مقدّمتين إحداهما حرمة أخذ الأجرة على الواجبات و هذا لم ينهض عليه دليل عندنا الثانية وجوب الصّناعات إقامة للنظام و هو عندنا مشتبه الحكم و الموضوع أمّا اشتباه الحكم فلعدم الدليل على وجوب إقامة النظام إلّا ما يرجع إلى حفظ النفس عن المهالك و المضار و ما عدا ذلك لا يساعده دليل، نعم يظهر من قوله (علیه السلام) لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق إنّ الشّارع لم يترك رعاية حفظ النّظام في تكاليفه لكن ذلك أجنبيّ عن المدّعى و أمّا اشتباه الموضوع فلا يعلم أيّ نظام أعني من اختلال النّظام نظام الأروبيّين و من يحذو حذوهم من المترفين أم نظام سكّان قطر آسيا أم نظام أهل القرى أم نظام سكّان البوادي و القاطنتين في الكهوف فإنّ للنّظام عرضاً عريضاً و مراتب متدرّجةً، هذا مع ما عليه الأعصار من الاختلاف الفاحش في ذلك اللّهم إلّا أن يقال إنّ الواجب في كلّ عصر نظام ذلك العصر».[7]
يمكن تلخيص کلام المحقّق الإيرواني في عدّة محاور
التشكيك في مفهوم «اختلال النظام»:
يسأل المحقّق الإيرواني (رحمه الله): ما المقصود بالدقّة من «اختلال النظام»؟ هل يكفي مجرّد إنقاذ الناس من الهلاك و الضرر، أم لا بدّ من توفير «أفضل كيفيّة للحياة» لهم؟ كما أنّ عبارة «حفظ النظام من أوجب الواجبات» لا تَرِد بهذه الصراحة في الأدلّة الشرعيّة الأوّليّة (الكتاب و السنّة)، و المتيقَّن إنّما هو وجوب «حفظ النفوس من الهلاك».
تقسيم «النظام» إلى مراتب متعدّدة:
إنّ للحياة الاجتماعيّة درجاتٍ مختلفةً، من العيش المرفّه و المتقدّم إلى العيش البسيط و البدائي، فأيّ مستوى من هذه المستويات إذا اختلّ يكون محرَّماً و يوجب التكليف؟ و هل يُعدّ فقدان المسكن الشخصي أو السيارة أو اللحم اليومي اختلالاً في «النظام»؟ مع أنّ كثيراً من هذه الأمور لم تكن متوفّرةً في السابق، و مع ذلك كانت الحياة جاريةً.
الإشكال في تحديد حدّ الضرورة:
إنّ تعيين الحدّ الفاصل بين «ضروريّات الحياة» (التي يُعدّ فقدانها اختلالاً للنظام) و «المكمّلات و اللوازم الرفاهيّة» التي لا يُعدّ فقدانها كذلك، أمرٌ بالغ الصعوبة. فهل الخبز من الضروريّات؟ و ماذا عن اللحم؟ و ماذا عن المسكن الشخصي؟
اقتراح معيار «العُرف المتعارف»:
و في الختام، يُشير المحقّق الإيرواني (رحمه الله) إلى أنّ الحلّ قد يكون بالرجوع إلى عُرف كلّ زمانٍ و مكان؛ أي إنّ «النظام» الواجب حفظه هو المستوى المتعارف و المتوسّط من المعيشة الذي يُعدّ في مجتمعٍ معيّن و في حقبةٍ تاريخيّةٍ محدّدة حدّاً أدنى مقبولاً للحياة. و حفظ هذا الحدّ المتوسّط واجبٌ كفائيّ على عاتق المجتمع. و بناءً عليه، فالواجبات الكفائيّة النظاميّة هي المهن التي يؤدّي فقدانها إلى هبوط حياة الناس دون ذلك المستوى العرفيّ المتعارف.