47/10/18
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: المرجعية و القضاء/مرجعية النساء و قضاءهن /مرجعيّة النساء
ملخص الجلسة السابقة: ذكرنا في الجلسة السابقة أنّ المعارضين استدلوا بأربع روايات تصف النساء بأنهن من مصاديق «السفهاء» و تنهى عن تسليمهن الأموال و الوصية.
الدراسة السندية: الرواية الأولى و الثانية و الرابعة ضعيفة السند، أما الرواية الثالثة (صحيحة السند) ففيها اختلاف بين النسخ في التصريح بلفظ «النساء».
النقد الدلالي:
1. السفاهة تعني عدم الرشد المالي، و ليست صفةً ذاتيةً و دائمةً.
2. في الرواية الرابعة، ذُكر الابن إلى جانب المرأة؛ و كما يخرج الابن عن الحكم بعد رشده، فكذلك حال المرأة الرشيدة.
3. معيار القرآن هو «الرشد» (لا الجنس)؛ و الرشد صفة مكتسبة و فردية.
4. السفاهة المالية لا علاقة لها بالأهلية العلمية للمرجعية (التي تعتمد النشاط الاستدلالي لا الإدارة المالية).
5. الوصية للمرأة ليست محرّمةً في وسائل الشيعة، بل هي مكروهة، و الكراهة تتعلق بالنساء اللواتي يفتقرن إلى الرشد المالي.
النتيجة: هذه الروايات ليست دليلاً قوياً على منع مرجعية النساء الواجدات للشرائط (الاجتهاد، والعدالة، والتقوى).
درسنا في المباحث السابقة رواياتٍ وردت فيها تعابير حول «نقصان العقل» و «نقصان الإيمان» لدى النساء. كذلك، هناك طائفة أخرى من الروايات تتعلق بشهادة النساء، حيث جُعلت شهادة امرأتين معادلةً لشهادة رجل واحد. و في مسألة الإرث أيضاً، ذُكر أنّ سهم النساء نصف سهم الرجال.
السؤال الأساسي هو: هل تدلّ هذه الروايات و الأحكام الفقهية على أنّ النساء يتّسمن بخصائص تسلب منهن أهلية المرجعية؟ و هل يمكن الاستدلال بهذه الروايات لإثبات عدم جواز مرجعية المرأة؟
في مقام الإجابة، ينبغي الالتفات إلى عدة نقاط:
أولاً: الدراسة السندية
من الناحية السندية، فإن الكثير من هذه الروايات لا تتمتع بالاعتبار الكافي. ومع أنه قد يُمكن الاطمئنان بصدور أصل هذا المضمون عن المعصوم (عليه السلام) بسبب كثرة الروايات، إلا أنّ ضعف السند في بعضها أمر لا يمكن إنكاره.
ثانياً: التحليل الدلالي (القضية الحقيقية أو الخارجية)
السؤال الأول في مقام الدلالة هو: هل هذه القضايا من نوع «القضية الحقيقية» أم «القضية الخارجية»؟
• القضية الحقيقية: هي الحكم الذي يتّسم بالكلية و يجري في كل زمان و مكان، كقولنا: :«إِنَّ حَلَالَ مُحَمَّدٍ (صلّی الله علیه و آله) حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ حَرَامَهُ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة»[1] . فهذه القضايا لا تختص بزمان أو مكان معين، بل تبين واقعاً ثابتاً و دائماً.
• القضية الخارجية: هي التي تكون ناظرةً إلى واقعة، أو ظروف، أو زمان، أو مكان خاص، و لا تقبل التعميم على كافّة الأعصار و الأمصار.
والسؤال الآن هو: هل مسألة «كون النساء ناقصات العقول» أو غيرها من الخصائص التي ذُكرت في بعض الروايات للنساء، مطروحة كظاهرة حقيقية و دائمة، أم أنّها ناظرة إلى الظروف التاريخية الخاصّة بصدر الإسلام؟
الاحتمال الأول (القضية الخارجية):
قد يُدّعى أنّ هذه التعابير مرتبطة بزمان و مكان خاصّين من صدر الإسلام؛ حيث كانت النساء في الغالب محروماتٍ من تحصيل العلم و المعرفة، ولا يقرأن و لا يدرسن، بينما كان الرجال يتمتعون بقدر أكبر من العلم و الوعي. و من هنا، فإنّ الجمل التي صدرت عن أمير المؤمنين (عليهالسلام) أو سائر الأئمة (عليهمالسلام) في هذا المجال، كانت ناظرةً لتلك الظروف الزمانية و المكانية الخاصة، و تُعد قضيةً خارجيةً، لا قضية حقيقية تكشف عن حكم ذاتي و دائم حول جميع النساء في كل الأعصار.
بناءً على ذلك، الاحتمال الأول في الإجابة هو أن نفرق بين الأمرين: هل هذه القضايا حقيقية أم خارجية؟ و ربما يمكن الادعاء بأنّها ليست قضايا حقيقيةً، بل هي قضايا خارجية؛ أي أن هذه الأوصاف ناظرة إلى الظروف التاريخية الخاصة (حرمان النساء من التعليم و التجربة الاجتماعية)، و مع تغير تلك الظروف، لا يمكن تعميمها على جميع النساء في كل الأزمان.
النتيجة الأولية:
إذا اعتبرنا هذه الروايات من نوع القضايا الخارجية، فإنّ دلالتها على نفي أهلية المرجعية للنساء في العصر الحاضر -حيث يمكن للنساء نيل الدرجات العلمية و العقلية العالية- تكون غير تامة، و لا يمكن الاستناد إليها للمنع المطلق لمرجعية النساء.
الاحتمال الثاني: تحليل الفرق بين العقل والعواطف لدى المرأة والرجل
(الأسس النظرية لآية الله مصباح يزدي و آية الله مكارم شيرازي)
قدّم بعض الأعلام، مثل آية الله مصباح يزدي (رحمه الله) و آية الله مكارم شيرازي (دام ظله)، تحليلاً آخر:
1. تساوي الاستعداد العقلي: المرأة والرجل متساويان من حيث الاستعداد العقلي و القوة العاقلة. لا يمكن القول بأن عقل النساء أقل من عقل الرجال.
2. الاختلاف في شدة العواطف و المشاعر: الاختلاف الرئيسي يكمن في غلبة العواطف و المشاعر في وجود المرأة. هذه السمة تعود إلى الدور الأمومي و الزوجي الذي أودعهما الله في فطرة النساء.
3. العاطفة هي قيمة و نقطة قوة: هذه العواطف القوية، في موقعها الطبيعي (مثل تربية الأبناء، والرعاية، والمحبة للعائلة)، تمثل نقطة قوة كبيرة و قيمة إنسانية رفيعة. [2]
تبيين مثال عيني (رعاية الأم لطفلها):
الأم التي تسهر الليل كله لإرضاع طفلها و رعايته و تحميه بحب و عاطفة لا توصف، فإنّ شدة العاطفة هذه هي التي تمكنها من ذلك. لا يتحمل الرجل طبيعياً مثل هذا التحمل. هذه ميزة و كمال للمرأة، و ليست نقصاً.
تأثير غلبة العاطفة في بعض المجالات الخاصة:
هذه العواطف القوية، في بعض الحالات الخاصة و المحدودة، قد تطغى على العقل و تمنع من تطبيق العدالة الكاملة و الدقة العقلية.
أ) في مسألة الشهادة:
السبب في اعتبار شهادة امرأتين معادلةً لشهادة رجل واحد في الفقه، ناظر إلى هذه النقطة. التوضيح هو:
قد تتأثر المرأة عاطفياً عند أداء الشهادة بسبب عواطفها الشديدة.
إذا علمت أنّ شهادتها ستؤدي إلى عقوبة شديدة (مثل الجلد، السجن، أو الإعدام) لشخص ما، فإن قلبها يرق، و قد تقصر في بيان الحقيقة كاملة أو تحرفها.
لذلك، وضع الشارع المقدس، للاحتياط و ضمان الواقع، شاهدتين امرأتين معادلتين لشاهد واحد، لتعويض الخطأ الناتج عن غلبة العاطفة.
يقول آية الله مكارم شيرازي (حفظه الله): «في حال وجود رجل واحد و امرأتين، يجب أن تشهد المرأتان معاً» حتى لو انحرفت إحداهما، تذكرها الأخرى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾ لأنهن، بسبب عواطفهن القوية، قد يتأثرن بالواقع، و عند أداء الشهادة، بسبب النسيان أو لأسباب أخرى، لا يسلكن المسار الصحيح، و بالتالي تذكّر إحداهما الأخرى. بالطبع، هذا الاحتمال وارد في شأن الرجال أيضاً، و لكن بدرجة أقل وأدنى».[3]
بعض العلماء في تحليل هذه المسألة عبّروا بهذا التعبير:
«وَ قَدْ يَكُونُ الْأَسَاسُ فِيهِ هُوَ قُوَّةَ الْجَانِبِ الْعَاطِفِيِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ طَبِيعَةُ النِّسَاءِ»؛ أي لعلّ الأساس في هذه المسألة هو قوّة الجانب العاطفي الذي تقتضيه طبيعة النساء. أي إنّ طبيعة المرأة ذات بُعدٍ عاطفي، و هو بُعد لا يَظهر فيه عند الرجال ذلك الغلبة و الحضور.
ثم يعبّرون بعد ذلك بقولهم:
«رُبَّمَا تَتَغَلَّبُ الْعَاطِفَةُ فَتَنْحَرِفُ بِالْمَرْأَةِ عَنْ خَطِّ الْعَدْلِ فِي الشَّهَادَةِ»
توضيح المعنى: قد تنحرف عدالتهنّ أحياناً في مقام الشهادة بسبب ما لدى النساء من عاطفة شديدة، فلا يؤدّين الشهادة الحقيقية. و السبب في ذلك أنّهنّ قد يَرققنَ بالإنسان المشهود عليه؛ فلا يستطعن قول الحقيقة كاملةً، لأنهنّ يعلمن أنّ شهادتهنّ قد تؤدي إلى جلده أو حبسه أو وقوعه في مشكلة. و من هنا قد لا يؤدّين الشهادة الصحيحة.
نقطة مهمّة و مؤكَّدة:
«لِأَنَّ الْعَاطِفَةَ لَيْسَتْ شَيْئًا ضِدَّ الْقِيمَةِ فِي شَخْصِيَّتِهَا» فكون النساء ذوات عاطفة كثيرة لا ينقص من شخصيتهنّ أبداً.
«بَلْ هِيَ قِيمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ كَبِيرَةٌ»
فهذا يُعدّ شخصيةً رفيعة للنساء اللواتي يملكن عاطفةً قويةً، و ليس أمراً مضادّاً للشخصية، بل هو من القيم العظيمة و الكبيرة.
لكن في مقام الشهادة، قد يؤثّر هذا الجانب العاطفي القوي، فيُبعدهنّ عن خطّ العدالة، فلا يؤدين الشهادة الواقعية؛ لأنهنّ يرين الآثار الثقيلة المترتبة على تلك الشهادة، كالعقوبات الشديدة و نحوها.
لذلك، قال بعض العلماء في الخلاصة النهائية:
«و لأنّ الْعاطِفَةَ لیست شَيئاً ضِدّ القِيمَة فِي شَخْصِيَّتها بل هی قیمة إنسانیةٌ کبیرة و لکن الله اراد لها أن تعیش الضوابط، عَلَى أَسَاسِ الَّتِي أَرَادَ اللهُ لِلْإِنْسانِ أن یبلغها فِي کُلِّ ما يَحْدُثُ مِنْ قَضَايا»[4]
الترجمة: لأنّ العاطفة ليست شيئًا مضاداً للقيمة في شخصيتها، بل هي قيمة إنسانية كبيرة، ولكن الله أراد لها أن تعيش في إطار الضوابط، على الأساس الذي أراده الله للإنسان أن يبلغه في كل ما يحدث من قضايا.
يقول العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في تفسير الميزان:
«فإن حياة النساء حياة إحساسية عاطفية مبنية على الرقة واللطافة.» [5] «وأن الاحساسات اللطيفة كالحب ورقة القلب و الميل إلى الجمال و الزينة أغلب عليها من الرجل كما أن التعقل أغلب عليه من المرأة ، فحياتها حياة إحساسية كما أنّ حياة الرجل حياة تعقلية.» [6]
الترجمة: فإن حياة النساء حياة إحساسية عاطفية مبنية على الرقة واللطافة. وأن الإحساسات اللطيفة كالْحب ورقة القلب والميل إلى الجمال والزينة أغلب عليها من الرجل، كما أن التعقل أغلب عليه من المرأة، فحياتها حياة إحساسية، كما أن حياة الرجل حياة تعقلية.
توضيح العبارة:
هذه الأقوال لا تعني نفي العقل عن النساء أو نفي الإحساس عن الرجال؛ بل هي تعبّر عن غلبة أو أولوية أحد هذين الجانبين في كل من الجنسين. فالنساء بطبيعتهن يتمتعن بنعومة و لطافة و محبة و رقة قلب أكبر، و هذه الصفات غالبة في حياتهن. و كذلك الرجال، بطبيعتهم، يتمتعون بقدر أكبر من التعقل و التفكير المنطقي، و هذه الصفة غالبة في حياتهم. هذه الاختلافات فطرية و تكوينية، و قد خلق الله سبحانه و تعالى كل جنس بالصورة التي تناسب دوره الخاص في نظام الخلق.
من هذا البيان يُستفاد أنّ النساء أكثر نجاحاً و قدرة في المجالات التي تتطلب الإحساس و العاطفة (مثل تربية الأبناء، و خلق السكينة في الأسرة، و ما إلى ذلك)، بينما الرجال أكثر نجاحاً و قدرة في المجالات التي تتطلب التعقل و التفكير العقلاني (مثل الإدارة، والقضاء، والاستنباط، وما إلى ذلك). بالطبع، هذا لا يعني أنّ النساء غير قادرات على التعقل، أو أن الرجال غير قادرين على الإحساس؛ بل الحديث هنا عن الغلبة والأولوية، وليس عن الحصر أو الانعدام.
رأي آية الله الجوادي الآملي (دام ظله) حول معنى العقل:
قام آية الله الجوادي الآملي بتحليل المسألة من خلال التفريق بين المعاني المختلفة للعقل. ويقول:
• المعنى الأول: العقل بمعنى الإدارة الاجتماعية والسياسية.
إذا كان المقصود من «العقل» هو القدرة على الإدارة في المسائل الاجتماعية و السياسية، یمکن أن نقبل بأنّ عقل الرجال في هذا المجال أكثر من النساء؛ لأنّ الرجال عادةًما، يكونون أقوى في هذه المجالات و يمتلكون إدارةً أفضل.
ب) المعنى الثاني: العقل بمعنى «ما عُبِدَ به الرَّحْمَنُ وَ اكْتُسِبَ به الْجِنَانُ».
إذا كان المقصود من العقل هو «ما عُبِدَ به الرَّحْمَنُ وَ اكْتُسِبَ به الْجِنَانُ»[7] (أي ما يُعبد به الله و يُكتسب به الجنة)، فلا يوجد فرق بين المرأة و الرجل في هذه الحالة. بل قد تكون النساء في هذا المعنى للعقل أسبق و أفضل من الرجال.
يقول آیةالله الجوادي الآملي ؟حفظ؟: «هل العقل الذي هو سبب التقرب إلى الله هو نفس العقل الموجود بين المرأة و الرجل؟ هل يمكن القول بأن من يفهم مسائل الفيزياء و الرياضيات و الطب و ما شابه ذلك بشكل أفضل هو الأقرب إلى الله؟ هل هذا العقل هو سبب التقرب، أم العقل الذي هو «ما عُبِدَ به الرَّحْمَنُ وَ اكْتُسِبَ به الْجِنَانُ» هو سبب التقرب؟ العقل الذي يوجب التقرب هو ما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تسميته بهذا الاسم؛ حيث قال: العقل هو ما يُعقَل به الإنسان - أي ما تُضبط به القوى و الغرائز و الأهواء – و العقال هو ما يُربط به البعير الجامح لمنعه من الشَّرود. و في تعبير آخر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لرجل لم يعقل بعيره و دخل المسجد فذهب البعير: :«اعْقِلْهَا وَ تَوَكَّلْ»[8] هذه الجملة لا تعني: فكّر ثم توكل، بل تعني: اعقل (اربط بعيرك) ثم توكل. أي استخدم الأسباب العادية، و فيما هو خارج عن اختيارك، فوكّل اللهَ. فالعقل سُمي عقلاً لأنه يمنع الأهواء و الغرائز، و يعقل بعير الجهل و الشهوة الجامح. و كلما كان الإنسان أفضل و أكثر قدرةً على كبح الغرائز، كان أكثر كمالاً. بالطبع، معنى كبح الغرائز هو تعديلها و ليس تعطيلها. إذن، ما يوجب التقرب إلى الله هو العقل الذي «يُعبد به الرحمن ويُكتسب به الجنان». أما العقل الذي قد يكون عند الرجل أكثر من المرأة، فهو عقل العلوم، و عقل السياسة، و عقل الأعمال التنفيذية.
و إذا كان شخصٌما أكثر عقلاً و حكمةً في المسائل السياسية أو التنفيذية، فهذه ليست علامةً على أنه أقرب إلى الله. بل ربما يقوده هذا الذكاء السياسي أو العلمي إلى جهنم. و ربما يفهم الرجل في العلوم التنفيذية أفضل من المرأة، و لكنه يفتقر إلى القدرة على كبح غرائزه. إنّ جميع المذاهب الباطلة التي وقفت في وجه الأنبياء قد وُضعت على يد الرجال. و معظم المتنبئين الذين واجهوا الأنبياء في معركة دينية كانوا رجالاً.
يقول القرآن الكريم عن الذين جاءوا بمذاهب جعلية، مثل فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فهم الذين تقدموا قومهم إلى جهنم و سيتقدمونهم. هل كانوا رجالاً أم نساءً؟ لذلك، إذا كان لشخص ما تفوق في المسائل العلمية أو السياسية أو التنفيذية، فهذه ليست علامةً على التقرب إلى الله، بل هي فضيلة زائدة؛ «ذاك علم لایضرّ من جهله» علمٌ لا يضرّ جهله.
كلّ من يستطيع كبح غرائزه و قمع أهواء نفسه و تعديلها وا كتساب الجنة بشكل أفضل من الآخر، فهو أعقل. إذن، إذا كان هناك فرق، فهو في المسائل التي لا منفعة و لا ضرر فيها؛ لأنّ الإنسان له رحلة أبدية، لها مدخل يسمى سبعين أو ثمانين سنة، أو بحد أقصى مئة سنة، و هي عالم الدنيا. و عندما يدخل العالم الآخر، لا تكون لهذه القضايا الاعتبارية و الذكاءات السياسية أو التنفيذية قيمة. الإنسان ما دام حياً في الدنيا يستعين بالأدوات الفكرية، و عندما يدخل عالم البرزخ، لا يعود لهذه العلوم خبر، و تتحول العلوم الحصولية إلى علوم شهودية.
النتيجة: إذا ادعى أحد أنّ عقل الرجل أقوى من المرأة في جانب «ما يُعبد به الرحمن و يُكتسب به الجنان»، فلا يمكن إثبات ذلك أبداً؛ لأنه لا التجربة تدلّ على ذلك و لا البرهان يؤيده.[9]
التحليل الجذري (المعنى اللغوي للعقل) بناءً على رأي آيةالله الجوادي الآملي:
یعتقد آیةالله الجوادي الآملي ؟حفظ؟ أنّ أصل كلمة «عقل» مشتق من «العقال» (الحبل الذي يُربط على ركبة الجمل لمنعه من الهرب) فالعقل هو القوّة التي تُعدّل غرائز الإنسان و أهواءه، و تمنعه من الإفراط و التفريط. و في القصة المعروفة، عندما لم يربط شخصٌ جمله و قال: «تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ»، قال له النبي (صلى الله عليه وآله): «اعْقِلْهَا وَ تَوَكَّلْ»[10] (اربطها أولاً، ثم توكل). فالعقل يمنع الغريزة، لا أن يعطلها، بل هو معدِّل للغرائز.
ج ) نقد ادعاء التفوّق العقلي للرجال في المعنى الثاني:
يصرّح آيةالله الجوادي ؟حفظ؟ أنّ معظم المفاسد و الجرائم في العالم (مثل المجازر و الظلم و الخيانة و الجرائم) قد ارتكبت على يد الرجال. ولو كان عقل الرجال أكثر حقاً، لما صدرت عنهم مثل هذه الفساد و الجرائم. هذه الأعمال هي علامة على المكر و الدهاء (الشيطنة)، لا على العقل. و من الأمثلة الواضحة على ذلك، المجرمون مثل «ترامب»، الذين يرتكبون جرائم واسعة النطاق؛ هذه الأفعال لا علاقة لها بالعقل، بل هي علامة على الشيطنة.
د) النتيجة من وجهة نظر آيةالله الجوادي ؟حفظ؟:
من حيث التقرب إلى الله و عقل العبودية، لا يوجد فرق بين المرأة و الرجل. بل ربما تكون النساء أسمى في هذا المجال. أما ما يُنسب إلى الرجال (الإدارة السياسية، و المكائد السياسية، و حتى الظلم و الخيانة) فلا يمكن تسميته «عقلاً»؛ بل هو «الشیطنة».
من وجهة نظرنا، هذا التحليل لآيةالله الجوادي الآملي ؟حفظ؟ يؤيد و يكمّل وجهة نظر آية الله المصباح ؟رح؟: العقل الفطري للمرأة و الرجل متساوٍ، و التفاوت يكمن في غلبة العواطف و المشاعر لدى النساء، و هو أمر قيّم في حد ذاته. و لكن في معنى «الإدارة الاجتماعية و السياسية»، إذا كان هناك فرق، فهو لا ينفي التفوق المعنوي و العقلي للنساء في مجال العبادة و التقرب إلى الله.
دور «العزيمة و السعي» في التفوق العلمي (بغضّ النظر عن الجنس):
نقطة مهمة أخرى يجب الالتفات إليها هي دور العزيمة و السعي و الدراسة المستمرة في الوصول إلى المرتبة العلمية. قد لا يصل شخص ذو موهبة فطرية و ذاكرة قوية إلى درجة علمية عالية بسبب الكسل أو مشاغل الحياة. في المقابل، قد يتفوق عليه شخص آخر ذو موهبة متوسطة، بالجهد، و الدراسة الکثيرة (على سبيل المثال، عشر ساعات يومياً).
شاهد عيني: في الوقت الحاضر، نلاحظ في العديد من الجامعات أنّ المراتب الأولى غالباًما تحصل عليها الطالبات و النساء. هذا يدلّ على أنّ سعينهنّ و صمودهنّ قد فاقا الموهبة الكامنة لدى بعض الرجال.
تطبيق على مسألة المرجعية:
لنفترض أنّه في المستقبل، وصلت امرأة إلى درجة من العلم و الاجتهاد بحیث تفوقت بها الجميعَ (بما في ذلك جميع الرجال). تكون أقوى في الاستدلالات الفقهية و الأصولية، و أكثر قوّةً في استنباط الأحكام الشرعية، و أعلى درجةً في العدالة و التقوى من الآخرين. في هذه الحالة، هل يجب أخذ الأحكام الشرعية منها، أم يجب اللرجوع إلى الشخص المفضول (الأقل علماً) الذي يعتبر نفسه أهلاً للتقليد لمجرّد كونه رجلاً؟
الإجابة من الناحية العقلية والأصولية:
في رأينا، ليس من الصواب عقلاً أن يقلد الإنسانُ المفضولَ بدلاً من الأفضل. بالطبع، نعم یمکن أن تقول في الواقع: «هذا المصداق غير موجود حالياً»؛ لكن هذا القول لا ينفي إمكانية وقوعه في المستقبل.
إمكانية الوقوع في المستقبل:
ربما سيحدث في المستقبل أن تصل النساء، بالجهد و السعي، إلى درجات عالية من العلم و الاجتهاد، و يبلغن مرحلة من الكمال و التقدم العلمي بحيث يثبت أعلميتّهن للجمي في هذه الحالة، إذا اعترف الجميع بأن «هذه السيدة هي الأعلم، و عدالتها أفضل أيضاً»، فعندئذ: لا يوجد سبب مقنع لعدم تقليدها.
لذلك، فإنّ المعيار النهائي في المرجعية هو العلم و التخصص و العدالة و ليس الجن