الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث التفسیر

47/05/04

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الدرس (الثاني والثمانون): بحث روائي في تفسير الآية (30) من سورة البقرة

الروايات الواردة في تفسير هذه الآية كثيرة، ويمكن تقسيم الروايات إلى ثلاثة أقسام وطوائف، ويُراجع في ذلك[1] .

[تقسيم الروايات إلى ثلاث طوائف]

والطوائف الثلاث كما يلي:

الطائفة الأولى: ما وردت في تفسير الخليفة بآدم والأنبياء والأوصياء والأئمة عليهم السلام والمؤمنين المتقين الكمّل المخلصين من ذرية آدم عليه السلام، ومن كان من الأوصياء من عباد الله الذين يعيشون في الأرض. في هذه الطائفة توجد نصوص معتبرة وهي بالغة فوق حد الاستفاضة، قرابة إحدى عشرة رواية.

الطائفة الثانية: النصوص الكثيرة في تفسير وجه سؤال الملائكة وكيفية استخلاف آدم عليه السلام في الأرض وما حدث وجرى على الملائكة باعتراضهم.

الطائفة الثالثة: الروايات الواردة في بيان علة وجوب طواف البيت في الحج وعلة كونه سبعة أشواط، وما جرى على الملائكة بعد اعتراضهم على جعل الخليفة في الأرض.

ولنشرع في قراءة الطائفة الأولى من الروايات، وأحببنا أن نقرأ الروايات أولاً لأن لدينا بحوث طويلة في معنى جعل الخليفة ومعنى الخليفة ومعنى الملائكة، هذه بحوث طويلة، قبل أن نسهب فيها لا بد أن نأنس بالروايات الشريفة المفسرة لهذه الآية الكريمة.

الطائفة الأولى

نصوص دلت على تفسير الخليفة بالأنبياء والأئمة، بل الكُمَّل المخلصين من شيعتهم، وهذه الطائفة تشتمل على نصوص معتبرة وغيرها، والروايات كما يلي:

الرواية الأولى: المروية في تفسير الإمام الحسن العسكري، ويمكن القول باعتبارها بناءً على قبول التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري سلام الله عليه.

قال عليه السلام: لما قيل لهم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾[2] ، الآية، قالوا: متى كان هذا؟ فقال الله عز وجل: حين قال ربك للملائكة الذين في الأرض مع إبليس، وقد طردوا عنها الجن بني الجان، وخفت العبادة: إني جاعل في الأرض خليفة بدلاً منكم ورافعكم منها، فاشتد ذلك عليهم لأن العبادة عند رجوعهم إلى السماء تكون أثقل عليهم. قالوا ربنا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾[3] كما فعلته الجن بنو الجان الذين قد طردناهم عن هذه الأرض، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾[4] ننزهك عما لا يليق بك من الصفات، ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾[5] ، ونطهر أرضك ممن يعصيك. قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[6] ، إني أعلم من الصلاح الكائن فيمن اجعله بدلاً منكم ما لا تعلمون، وأعلم أيضاً أن فيكم من هو كافر في باطنه لا تعلمونه وهو إبليس لعنه الله.

ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾[7] ، أسماء أنبياء الله وأسماء محمد صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهما، وأسماء رجال من شيعتهم وعتاة أعدائهم. ثم عرضهم، عرض محمداً وعلياً والأئمة على الملائكة، أي عرض أشباحهم وهم أنوار في الأظلة، فقال: ﴿أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن جميعكم تسبحون وتقدسون، وأن تَرْكُكم ها هنا أصلح من إيرادي من بعدكم، أي فكما لم تعرفوا غيب من في خلالكم وهو إبليس، فالحري أن لا تعرفوا الغيب إذا لم يكن كما لا تعرفون أسماء الأشخاص ترونها.

قالت الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ﴾[8] بكل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾[9] المصيب في كل فعل.

قال الله عز وجل: يَا آدَمُ أنبئ ـ هؤلاء الملائكة ـ بِأَسْمَائِهِمْ، أسماء الأنبياء والأئمة، فلما أنبأهم فعرفوها، أخذ عليهم العهد والميثاق بالإيمان بهم والتفضيل لهم.

قال الله تعالى عند ذلك: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾[10] ، وما كان يعتقده إبليس من الإباء على آدم إن أُمِر بطاعته وإهلاكه إن سُلِّط عليه، ومن اعتقادكم أنه لا أحد يأتي بعدكم إلا وأنتم أفضل منه، بل محمد وآله الطيبون أفضل منكم الذين أنبأكم آدم بأسمائهم[11] .

[تحليل السند والدلالة في الرواية الأولى]

هذه الرواية مروية في تفسير الإمام الحسن العسكري، وسماحة الشيخ السيفي المازندراني يرى اعتبار الكتاب فتكون الرواية معتبرة، ونحن قد نتأمل في اعتبار الكتاب، وبالتالي قد يُناقش في سند هذه الرواية.

هذا من ناحية السند.

أما من ناحية الدلالة، فهذه الرواية دلت على: ربط هذه الآية بما قبلها من الآيات، وثانياً دلت على وجه سؤال الملائكة، وثالثاً دلت على جهل الملائكة بالأشباح النورانية للنبي والأئمة عليهم السلام، واعتراف الملائكة بجهلهم، وأخذ الله إقرارهم بجهلهم.

الرواية الثانية: موثقة إسحاق بن عمار. قال: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ ع أَ لَا تَدُلُّنِي إِلَى مَنْ آخُذُ عَنْهُ دِينِي فَقَالَ هَذَا ابْنِي عَلِيٌّ إِنَّ أَبِي أَخَذَ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ يَا بُنَيَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ- إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا قَالَ قَوْلًا وَفَى بِهِ [12] .

[تحليل السند والدلالة في الرواية الثانية]

هذه الرواية من ناحية السند موثقة، إذ رواها الكليني عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن إسحاق بن عمار. ورجال هذا السند كلهم من ثقات الإمامية عدا الحسن فإنه غير إمامي، إذ هو يدور بين الحسن بن علي بن فضال وهو من الفطحية، أو الحسن بن محمد بن سماعة وهو من الواقفة، يُراجع[13] . وكلاهما ثقتان لكن مذهبهما غير إمامي، فتكون الرواية موثقة من ناحية السند، ومروية في الكافي معتبرة.

أما الدلالة: فمضمونها موافق للنصوص المتواترة الدالة على أن الأئمة خلفاء الله في أرضه، ودلت على أن المراد من الخليفة في الآية المبحوث عنها هو النبي والأئمة عليهم السلام.

الرواية الثالثة: ما في بصائر الدرجات، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الحسين بن موسى، أي الخشاب، والأصح: هو الحسن بن موسى الخشاب، عن زرارة، قال: « دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فَسَأَلَنِي مَا عِنْدَكَ مِنْ أَحَادِيثِ الشِّيعَةِ قُلْتُ إِنَّ عِنْدِي مِنْهَا شَيْئاً كَثِيراً قَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوقِدَ لَهَا نَاراً ثُمَّ أُحْرِقَهَا قَالَ وَ لِمَ هَاتِ مَا أَنْكَرْتَ مِنْهَا فَخَطَرَ عَلَى بَالِيَ الأدمون [الْأُمُورُ فَقَالَ لِي مَا كَانَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ حَيْثُ قَالَتْ‌ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾[14] »[15] .

[تحليل السند والدلالة في الرواية الثالثة]

هذه الرواية صحيحة السند. وأحمد بن محمد الواقع في ابتداء السند يدور بين رجلين كلاهما ثقة، وهما: أحمد بن محمد بن أبي عبد الله، يعني ابن خالد البرقي، وهو البرقي الابن ثقة، وبين أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي وهو ثقة جليل شيخ قم، ويدور الأمر بين هذين الأحمدين لأنهما رويا الرواية عن البزنطي، وكلاهما ثقتان. هذا تمام الكلام من ناحية السند.

من ناحية الدلالة: قوله عليه السلام: "ما كان على الملائكة"، يعني: لا يوجد لوم على الملائكة في سؤالهم بالقياس إلى يأسك يا زرارة وتشكيكك في هذه الروايات التي أردت أن تحرقها. يعني: إذا عرض التشكيك واليأس على مثلك يا زرارة بعد اكتساب المعرفة عندنا، فما كان لوم على الملائكة حينما اعترضوا على خلق من يفسد ويسفك الدماء في الأرض.

ودلت هذه الرواية على علم الإمام بالغيب، إذ بهذا السؤال أخبر عما في ذهن زرارة، وبذلك أتم الحجة عليه. والظاهر أن زرارة قد عرضت له شبهة بسبب كثرة ظلم الظالمين والمعاندين لأهل البيت وأصحابهم، وإفساد هؤلاء المنافقين والطواغيت في الأرض من دون وجود رادع ومانع، فأين وعد الله من نصرة أوليائه؟ وأن الله لِمَ خلق الله هؤلاء الفسقة والطواغيت؟

من هنا نبه الإمام عليه السلام زرارة بجهله بحكمة الله في غرضه من خلق الإنسان. وهذا معنى دقيق لطيف يُعلم بالتأمل في سبب تشكيك زرارة. طبعاً الرواية ليس فيها هذا الذي أفاد الشيخ السيفي المازندراني[16] . الرواية يُستفاد منها أن زرارة أنكرها، أما سبب إنكاره هو ظلم الظالمين، هذا لم يرد في الرواية.

نعم، الإمام عليه السلام... طبعاً زرارة أعظم رواة الشيعة الإمامية، والأئمة عليهم السلام يربون أصحابهم، هم يستنطقون أصحابهم ويربوهم. الإمام أراد أن يقول: ليس مجرد أنك لم تتعقل وتشككت تقول نحرق هذه الأحاديث، إذا أنت هكذا فلا نتعجب من تعجب الملائكة.

الرواية الرابعة: ما رُوِيَ في تفسير الإمام الحسن العسكري، قال، قال الحسين بن علي عليه السلام: إن الله تعالى لما خلق آدم وسواه وعلمه أسماء كل شيء وعرضهم على الملائكة، جعل محمداً وعلياً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام أشباحاً خمساً في ظهر آدم، وكانت أنوارهم تضيء في الآفاق من السماوات والحجب والجنان والكرسي والعرش. فأمر الله الملائكة بالسجدة لآدم تعظيماً له إنه قد فضّله بأن جعله وعاءً لتلك الأشباح التي قد عمّ أنوارها الآفاق، فسجدوا إلا إبليس أبى.

قال علي بن الحسين صلوات الله عليهما: حدثني أبي عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال: يا عباد الله، إن آدم لما رأى النور ساطعاً من صلبه، إذ كان الله نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره، رأى النور ولم يتبين الأشباح، فقال: يا رب، ما هذه الأنوار؟ قال الله عز وجل: أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك، ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت وعاءً لتلك الأشباح. فقال آدم: يا ربي، لو بيّنتها لي. فقال الله تعالى: انظر يا آدم إلى ذروة العرش. فنظر آدم عليه السلام ووقع نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش فانطبع فيه صور أشباحنا كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية، فرأى أشباحنا.

فقال: ما هذه الأشباح يا رب؟ فقال: يا آدم، هذه الأشباح أفضل خلائقي وبرياتي. هذا محمد، وأنا الحميد المحمود في أفعالي، شققت له اسماً من اسمي. وهذا علي، وأنا العلي العظيم، شققت له اسماً من اسمي. وهذه فاطمة، وأنا فاطر السماوات والأرضين، فاطم أعدائي عن رحمتي يوم فصل قضائي، وفاطم أوليائي عما يعتريهم ويشينهم، فشققت لها اسماً من اسمي. وهذا الحسن، وهذا الحسين، وأنا المحسن المجمل، شققت لهما اسماً من اسمي. هؤلاء خيار خليقتي وكرام بريتي، بهم آخذ، وبهم أعطي، وبهم أعاقب، وبهم أثيب. فتوسل إليّ بهم يا آدم، وإذا دهتك داهية فاجعلهم إليّ شفعاءك، فإني آليت على نفسي قسماً حقاً لا أخيب بهم آملاً، ولا أرد بهم سائلاً.

فلذلك حين زلت منه الخطيئة، دعا الله عز وجل بهم، فتاب عليه وغفر له[17] .

[تحليل السند والدلالة في الرواية الرابعة]

هذه الرواية قد يُقال باعتبارها إن اعتبرنا التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري سلام الله عليه. هذا من ناحية السند.

وأما من ناحية الدلالة، فقد دلت على خلقة أشباح محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين قبل خلقة آدم وحواء، وإنما نُقل نورها إلى ظهر آدم، هذا أولاً. وثانياً على عرض هؤلاء الأشباح على الملائكة. وثالثاً دلت على أن وجه أمر الملائكة بالسجود لآدم لأجل حلول أنوار تلك الأشباح الخمسة في ظهر آدم عليه السلام. ولا يخفى أن هذه الأشباح النورانية كانت تمثل وجوه هؤلاء الكرام وسيماء وجودهم المقدس قبل خلقتهم في عالم الدنيا.

الرواية الخامسة: يأتي عليها الكلام.

 


[1] . تفسير منهاج التبيان، الشيخ علي أكبر السيفي المازندراني، ج1، من ص420 إلى ص478.
[2] سورة البقره، الآية 29.
[3] . سورة البقرة: 30.
[4] . سورة البقرة: 30.
[5] . سورة البقرة: 30.
[6] . سورة البقرة: 30.
[7] . سورة البقرة: 31.
[8] . سورة البقرة: 32.
[9] . سورة البقرة: 32.
[10] . سورة البقرة: 33.
[11] تفسير الإمام العسكري، المنسوب الى الإمام العسكري، ج1، ص216.
[12] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج1، ص312.
[13] معجم رجال الحديث، الخوئي، السيد أبوالقاسم، ج15، ص300.
[14] . سورة البقرة: 30.
[15] بصائر الدرجات، الصفار القمي، محمد بن الحسن، ج1، ص236.
[16] . منهاج التبيان في تفسير القرآن، الشيخ السيفي المازندراني، ص450 و 451.
[17] تفسير الإمام العسكري، المنسوب الى الإمام العسكري، ج1، ص219.