47/05/03
الموضوع: الدرس (الواحد والثمانون): تفسير قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)
[تمهيد في معنى الجعل والخلافة]
تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[1]
الجعل هو الفعل والإحداث، والمراد هنا: الخلق. ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[2] ، أي: إني أنا الله سأخلق في الأرض خليفة الله.
الخلافة هي النيابة عن الغير، إما لقصوره أو زواله أو للتشريف والتشريع والإبلاغ، وخلافة الأنبياء والمرسلين إنما هي من القسم الأخير، أي الخلافة للتشريف والإبلاغ.
[أقوال المفسرين في معنى الخلافة]
ويمكن أن تُذكر عدة أقوال في جعل الخلافة في الأرض:
[القول الأول: خلافة آدم لمن كان قبله من الجن والنسناس]
القول الأول: إن خلافة آدم هي لنوع آخر كان على الأرض كالجن والنسناس، وقد أهلكهم الله وأبادهم بعد أن أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء، وقد خلقهم الله قبل أن يخلق آدم بأربعة آلاف سنة ثم أهلكهم. واستدلوا على أن المراد بالخليفة ليس هو خليفة الله بل هو خليفة الأرض، أي خليفة من كان في الأرض قبله من الجن والنسناس الذين أُبيدوا.
استدلوا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ﴾[3] .
ويمكن أن يُستدل على خلافة آدم في الأرض بسؤال الملائكة وتعجبهم إذ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[4] .
فتعجُّب الملائكة لمعرفتهم بحال الجن والنسناس السابقين، إذ عاثوا في الأرض فساداً وسفكوا الدماء، ولمعرفتهم بتركيب الإنسان من عقل وشهوة قد تقتضي سفك الدماء.
[القول الثاني: خلافة آدم لله تعالى]
القول الثاني: إن الله جعل آدم خليفته في الأرض، فالمراد ليس خليفة الأرض ومن كان فيها، بل المراد خليفة الله، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾[5] .
[القول الثالث: رأي السيد عبد الأعلى السبزواري في الخلافة التكوينية والتشريعية]
القول الثالث: للمرجع الكبير السيد عبد الأعلى السبزواري[6] ، إذ قال: والحق أن يُقال: إن المستخلَف عنه في المقام الأعم مما ذكروه، فإن الإنسان فيه جهتان: جهة البدن والجسم، وجهة الروح، وهو مزيج منهما، فقد تعلق جعله تعالى بآدم من جهتين:
- الجسمانية: حيث باشر تعالى بنفسه في خلقه ونفخ فيه من روحه، فيكون من هذه الجهة خليفة عن غيره تكويناً.
- وأما الجهة المعنوية: فقد تعلقت الإرادة الإلهية بجعله خليفة كما تعلقت بجعل داوود خليفة في الأرض.
ويشهد لذلك ما استفاض عن الأئمة الهداة عليهم السلام إن أول مخلوق على وجه الأرض هو الحجة، وآخر من يموت هو الحجة. فتكون الخلافة لآدم عليه السلام من حيث نبوته وكونه حجة الله خلافة شخصية، ومن حيث كونه آدم أبا البشر نوعية، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾[7] ، إذ لكل طبقة لاحقة خلافة تكوينية بالنسبة إلى الطبقة السابقة في دار الكون والفساد، فتكون الخلافتان متلازمتان. انتهى كلامه، زيد في علو مقامه.
[ترجيح الأقوال الثلاثة بالاستناد إلى سياق الآيات]
أقول لترجيح معنى الخلافة وأن المراد بها: هل هي خلافة الله في الأرض بالخصوص كما عليه القول الثاني؟ أو هي خلافة الأرض ومن كان عليها بالخصوص كما عليه القول الأول؟ أو هي الخلافة الأعم من التشريع والتكوين كما عليه رأي السيد الأعلى السبزواري رحمه الله؟
فلترجيح هذه الأقوال الثلاثة وغيرها إن وُفِّقنا لتفصيل ذلك، لا بد من ملاحظة سياق آيات القرآن الكريم، إذ أن القرآن يفسر بعضه بعضاً.
[وجه الارتباط بين تعليم الأسماء والخلافة]
وهنا نسأل: ما هو الوجه في عطف قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾[8] .
فهذه الآيات 31، و32، و33 عطف على قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[9] في الآية 30، وهي رد على الملائكة حينما اعترضوا وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾[10] ، وهذا اعتراض على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[11] .
[دلالة تعليم الأسماء على طبيعة الخلافة]
إذاً ملاك خلافة الخليفة هو معرفته بالأسماء، ومعرفة الأسماء ليس أمراً تكوينياً كما ذهب إليه المحقق السبزواري رحمه الله، إذ قال في معرض ترجيح القول الثالث: أن الخلافة من جهتين: جسمانية ومعنوية. فليس النظر هنا إلى الخلافة الجسمانية، بل النظر إلى الخلافة المعنوية، إذ أن معرفة الأسماء ليس أمراً جسمانياً بل أمر معنوي.
ومنه ينتضح بطلان القول الأول الذي يرى أن الخلافة خلافة من كان في الأرض، ومن كان في الأرض من الجن والنسناس على ما قيل لم يكونوا في وادي معرفة الأسماء التي خصّ بها الله آدم عليه السلام.
إذاً من هنا يتضح أن الخلافة خلافة معنوية وليست خلافة مادية، فلا يُراد بها خلافة من كان في الأرض، ولا يُراد بها الخلافة الجسمانية، بل يُراد بها الخلافة المعنوية.
[موافقة رأي العلامة الطباطبائي لرأي الخلافة النوعية]
ومن هنا يتضح أن المراد بالخلافة ليس هو خصوص شخصية آدم عليه السلام، بل هي خلافة نوعية، فهو خليفة من حيث كونه نبي من أنبياء الله عز وجل علَّمه الأسماء كلها.
وهذا الرأي موافق لما ذهب له صاحب الميزان السيد محمد حسين الطباطبائي أعلى الله في الخلد مقامه، إذ كتب ولنِعْمَ ما كتب[12] ، إذ قال ما نصه:
وهذا السياق يُشعر أولاً بأن الخلافة المذكورة إنما كانت خلافة الله تعالى لا خلافة نوع من الموجود الأرضي كانوا في الأرض قبل الإنسان وانقرضوا، ثم أراد الله تعالى أن يخلفهم بالإنسان كما احتمله بعض المفسرين، وذلك لأن الجواب الذي أجاب سبحانه به عنهم وهو تعليم آدم الأسماء لا يناسب ذلك.
وعلى هذا فالخلافة غير مقصورة على شخص آدم عليه السلام، بل بنوه يشاركونه فيها من غير اختصاص، ويكون معنى تعليم الأسماء إبداع هذا العلم في الإنسان بحيث يظهر منه آثاره تدريجاً دائماً، ولو اهتدى إلى السبيل أمكنه أن يخرجه من القوة إلى الفعل.
ويؤيد عموم الخلافة وأنها ليست خاصة بآدم قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾[13] ، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾[14] ، وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾[15] .
انتهى كلامه، زيد في علو مقامه.
[تفسير قوله تعالى: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها)]
تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾[16] .
المراد من الفساد: المعنى الأعم الشامل للفساد الشخصي والنوعي، يعني فساد الشخص أو فساد النوع الإنساني.
- من الفساد الشخصي: ارتكاب المناهي الإلهية واقتحام المحرمات، فاقتحام الفرد هذا فساد شخصي.
- ومن المفاسد النوعية: النفاق، وجود ظاهرة النفاق في المجتمع.
سفك الدماء: إراقتها بغير حق، أي قتل الإنسان بغير حق.
التسبيح: هو التنزيه عن صفات الممكنات، فمعنى قوله تعالى: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، أي: ننزهك عن النقائص مقروناً بالثناء عليك. فاجتمع في هذا التعبير صفات الجلال والجمال: التنزيه يشير إلى صفات الجلال، يعني نجلّ الله عن الجسمية وعن النقائص، وأما المدح فهنا لصفات الجمال والكمال. إذاً التسبيح: التنزيه عن صفات الممكنة.
وأما التقديس: فقد ذكر له جمع من اللغويين والمفسرين معناً، ويمكن أن يُذكر له معنيان:
- المعنى الأول: التقديس بمعنى التنزيه، كما عن جمع من اللغويين والمفسرين.
- المعنى الثاني: التنزيه بمعنى التطهير المعنوي عن النقائص.
وقد استُعمل في القرآن الكريم كل من المعنيين بالنسبة إلى الله تبارك وتعالى، قال تعالى: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾[17] .
ويمكن التفريق بين المعنيين بجعل المعنى الأول وهو التنزيه - التقديس بمعنى التنزيه - هذا بلحاظ الذات الأقدس، فهو منزَّه عن كل نقص، وبجعل المعنى الثاني - التقديس بمعنى التطهير المعنوي عن النقائص - بالنسبة إلى الفعل، ففعله منزَّه عن كل نقص لكونه صادراً عن الحكمة البالغة.
إذاً التقديس إما بمعنى التنزيه وإما بمعنى التطهير. التقديس بمعنى التنزيه ناظر إلى الذات الإلهية، التقديس بمعنى التطهير ناظر إلى الفعل الإلهي.
ومن هنا يمكن أن يُقال إن معنى ﴿نُقَدِّسُ لَكَ﴾: أي نطهّر أرضك من الفساد والمعاصي.
المعنى بشكل عام ومجمل: أتستخلف في الأرض من هو على هذه الصفات من الإفساد وسفك الدماء، ونحن الملائكة معصومون نسبح بحمدك ونقدس لك؟ فالغاية المتوخاة من جعل الخليفة موجودة فينا دون غيرنا، فزعموا أن الغرض الأصلي من خلق الخليفة هو خصوص التقديس والتسبيح، وهذا متوفر في الملائكة بخلاف الإنسان المركب من عقل وشهوة، ففيه قوى متخالفة: قوة العقل تخالف قوة الشهوة وتخالف قوة الغضب.
سؤال: ما هو منشأ سؤال الملائكة؟
يمكن أن تُذكر عدة أمور، ذكر منها السيد السبزواري أربعة أمور أو احتمالات:
الأول: علم الملائكة بأن دار الدنيا دار الكون والفساد، والإنسان مركب من قوى متضادة متخالفة من الشهوة والغضب والوهم والقوة والضعف، ومن كان هذا حاله فيُتوقع منه أن يقع في الفساد وسفك الدماء، فيكون قول الملائكة من باب كشف الملزوم - وهو الإنسان وقواه - عن اللازم - وهو سفك الدماء والفساد - وكشف الملزوم عن اللازم تام وصحيح.
الثاني: قياس المستقبل على الماضي، فكما حصل في الماضي سفك للدماء والفساد من قبل الجن والنسناس، فهذا يُتوقع أيضاً أن يحصل بالنسبة إلى الإنسان بحسب التجربة السابقة.
الثالث: إن حب النفس فطري في كل ذي حياة، فحب الملائكة لأنفسهم أوقعهم في ذلك، لكن هذا الوجه يتنافى مع عصمة الملائكة.
الوجه الثالث ليس بتام.
الرابع: أن الملائكة تعجبوا من أن المصنوع من التراب كيف يكون خليفة رب الأرباب، مع أن الله عز وجل أخبرهم بأن ذرية آدم سيقع فيها الفساد وسفك الدماء، وهذا دلّ عليه بعض الأخبار، فغفلوا عن الحكمة من خلق آدم، إذ كيف يكون هو خليفة الله ومن ذريته يحصل الفساد وسفك الدماء؟
من هذه الوجوه الأربعة وغيرها يتضح أن سؤال الملائكة ليس اعتراضاً، ويتضح هذا من جواب الله لهم إذ قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ويتضح هذا من جوابهم: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾[18] .
فالملائكة عندهم كامل التسليم لإرادة الله تبارك وتعالى. إذاً سؤال الملائكة ليس اعتراضاً وتمرداً، بل سؤال الملائكة استفهام وتعجب، ولذلك سكتوا حينما أعلمهم بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وأعلمهم أنه لا نسبة بين العلم الحاصل من ظواهر الأشياء وبين العلم الحاصل من معرفة حقائق الأشياء، وأن هناك أسرارٌ لا تعلمونها.
[الختام: مناسبة ذكر الخلافة بعد قوله (خلق لكم ما في الأرض جميعاً)]
في ختام تفسير هذه الآية نقول:
هذه الآية ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[19] [وهي الآية 30] عطف على الآية 29: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾[20] .
فقدَّم تعالى قوله: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ على قصة آدم، أي أن الله تفضل على آدم وذريته بأن أعدّ لهم جميع ما في الأرض ثم خلقهم، كما أعدّ الجنة للمتقين قبل ورودهم لها.
فتقديم خلق الأرض على خلق آدم، وبيان أن جميع ما في الأرض هو لهذا الخليفة ولآدم، بيان أن الله عز وجل تفضل علينا وتكرّم علينا من دون استحقاق، قبل أن نستحق الثواب والنعمة نراه قد أنعم علينا بسبق خلق الأرض وجعل ما في الأرض جميعاً لآدم وبني آدم.
تتمة الحديث تأتي.