الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث التفسیر

47/04/29

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الدرس (الثمانون): تفسير الآية (30) من سورة البقرة

تفسير الآية الثلاثين من سورة البقرة، وهي قوله تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[1] .

آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.

[تمهيد: خصوصية ذكر الخلافة في قصة آدم]

هذه الآية شروع في بيان قصة آدم عليه السلام والغاية من خلقه وهبوطه إلى الأرض وإغواء الشيطان له، وقد تكررت هذه القصة في مواضع عديدة في القرآن الكريم، بل وردت في جميع الكتب السماوية، لكن خصوص استخلاف الرجل الأول والمخلوق الأول في الدنيا لم يرد إلا في هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. ورد ﴿خَلَائِفَ﴾ وأن الله جعل داود خليفة، ولكن بالنسبة إلى خصوص قصة آدم وأن الله خلق في الأرض خليفة، لم يرد في جميع القرآن إلا في هذه الآية وهي الآية الثلاثين من سورة البقرة.

وقصة آدم عليه السلام وإغواء إبليس له وخروجه من الجنة وهبوطه إلى الأرض فيها حكم وأسرار ينبغي دراستها بشكل جيد لأخذ العِبر منها.

[التفسير: معنى قول الله للملائكة]

التفسير: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾

المراد بقول الله هنا ليس هو الحروف وإخراج الكلمات من مخارج الحروف كما في الإنسان، بل المراد الإلقاء في النفس، أي ألقى الله في نفس الملائكة، فالمراد بالقول هنا هو الإلقاء في النفس، سواء كان بسبب من الأسباب الظاهرية أو الخفية، وليس المراد من القول المنسوب إلى الله في جميع القرآن هو المعنى المعروف للقول وهو الحركات المعتمدة على مخارج الحروف.

[معنى الرب وخطاب الكاف للنبي]

رَبُّكَ: الرب هو المدبر، والكاف خطاب للنبي صلى الله عليه وآله.

وهنا نكتة لا بد من التركيز عليها، وهي أن الله عز وجل لم يخاطب آدم عليه السلام ولم يخاطبنا نحن، بل خاطب خصوص النبي صلى الله عليه وآله: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ للملائكة، أي وإذ قال رب محمد للملائكة، هذا فيه تخصيص للنبي صلى الله عليه وآله، سيأتي إن شاء الله لبيان أن أساس خلق هذا العالم هو محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

[بحث لغوي: معنى الملائكة]

الملائكة: قيل من ألك وهي الرسالة، إما لأن جميع الملائكة رسل الله إلى ما يرسلهم إليه من تدبير الأمور، وهذا ليس بتام، إذ أنه ليس جميع الملائكة رسلاً، بل بعضهم متمحض للعبادة، وقد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الأولى من نهج البلاغة بعض أصناف الملائكة، بعضهم همهم وشغلهم التسبيح. قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾[2] . وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾[3] ، هؤلاء صافون أقدامهم.

إذاً ليس جميع الملائكة من الرسل. من هنا قد يقال: سُموا بالرسل تغليباً لعظماء الملائكة وساداتهم عليهم، والسادة هم جبرائيل أعظم ملائكة الله وميكائيل وإسرافيل الذي ينفخ في الصور وعزرائيل ملك الموت، ولا بأس بهذا المعنى، إذ أن بقية الملائكة تحت هؤلاء العظماء بأمر الله عز وجل.

[وجود الملائكة وكنه حقيقتهم]

يبقى الكلام في وجود الملائكة، إذ لا شك ولا ريب في وجود الملائكة، وقد تكرر ذكرهم في القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية، وذُكر بعض أعمالهم وشُرحت بعض خصائصهم وأحوالهم كما في الروايات الواردة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله والأئمة الهداة عليهم السلام.

وقد استدل الحكماء والفلاسفة بأدلة عقلية على وجود الملائكة، منها قاعدة إمكان الأشرف وهو مذكور في الكتب الفلسفية، ووجود الملائكة أشرف من وجود الكثير من الجمادات وغيرها. وكما يقولون: الوقوع أدل دليل على الإمكان، وقد وقع ذلك، إذ رأى النبي محمد صلى الله عليه وآله جبرائيل عليه السلام على صورة دحية الكلبي وهو من أجمل أهل مكة. وأحاديث رؤية النبي لدحية الكلبي ويقول له: أنا لست دحية بل أنا جبرائيل، هذه الأحاديث مروية في كتب الفريقين السنة والشيعة.

يبقى الخلاف في كُنه ماهية المَلَك، فقد ذهب بعض الفلاسفة إلى أن الملائكة ذوات مجردة عن المادة تظهر بأشكال مختلفة، وخالفهم بعضهم فقال: الملائكة أجسام لطيفة وليست كثيفة. إذاً الملَك إما روح مجردة عن المادة، وهذا أحياناً يُذكر في الفلسفة العقل المحض، يقولون في الفلسفة الجوهر: عقل، نفس... إلى آخره، الجواهر الخمسة، واحد منها العقل، ويقولون المراد بالعقل هنا الملَك. لكن إذا نراجع الروايات الشريفة لا يُطلق الملك على العقل المحض كما في الفلسفة، بل قد يُفهم من بعض الروايات أن الملك جسم لطيف وليس بجسم كثيف.

الآن الجن جسم، قد خُلقوا من مارج من نار، ما هو المارج؟ هذا الشرار، شرار النار جسم. والملائكة قد خُلقوا من نور، والنور جسم لكنه جسم لطيف وليس بجسم كثيف. هذا ما يُقال بالنسبة إلى عالم الذر، من أن الله عز وجل خلق ذرية آدم على هيئة ذرات في صلبه، هنا المراد بالذرات الجسم اللطيف لا الجسم الكثيف.

ولا ثمرة في بحث كنه الملَك وأنه روح مجردة أو أنه جسم خفيف ولطيف، والملائكة مختلفون في الأشكال والهيئات، وهم على طوائف متعددة مختلفة، وأعمالهم مختلفة، ودلت الروايات على ذلك، من أبرزها الخطبة الأولى من نهج البلاغة، يذكر يصف حملة العرش، وأين أقدامهم؟ ثابتة في الأرض وأكتافهم تحمل العرش في السماء.

[تنوع الملائكة وتكاثرهم]

والملائكة حسب الروايات الشريفة يتكاثرون بواسطة بعض الأعمال الصالحة التي تصدر من العباد، وأيضاً يتكاثرون من قطرات النهر المكنون تحت العرش.

ويُستفاد من قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أمران:

[الأمر الأول: توجيه الخطاب للنبي لا لآدم]

الأمر الأول: إنما وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله لا إلى النبي آدم ولا إلى الناس، لكي يعلم الناس أن الغرض الأصلي من خلق آدم إنما هو سيد الأنبياء أبو القاسم محمد صلى الله عليه وآله.

وهذا يمكن تخريجه روائياً وفلسفياً:

أما روائياً: موجود إن أول ما خلق الله نور نبيكم، ثم اشتق من نوره نور علي، ثم اشتق من نوره نور فاطمة، ثم الحسن ثم الحسين، وأودع هذا النور في صلب آدم، يعني الغرض من خلق آدم المجيء بنور النبي ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله، هذا من ناحية الروايات يمكن إثباته.

من ناحية عقلية وفلسفية: أيضاً يمكن إثباته، فيقولون: العلة الغائية مقدمة في العلم وإن كانت متأخرة في الخارج. الآن النجار إذا أراد أن يعمل الكرسي، فهنا علة فاعلية وهي النجار، وعلة مادية وهي الخشب، وعلة صورية وهي شكل الكرسي، وعلة غائية وهي الجلوس والراحة، فعُلو الأشياء بعُلو غايتها. الآن عمل السكين لنحر الإبل وذبح الأضاحي وإطعام الناس، هذا عمل السكين غاية شريفة، وعمل السكين لذبح الناس والقرصنة وقطع الطريق هذا ممقوت.

إذاً العلة الغائية كما دلت الأدلة العقلية لها أثر كبير، فالعلة الغائية من خلق آدم هو بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله، فإذاً أصل الدعوة هي دعوة النبي صلى الله عليه وآله، وإن تعدد الدعاة وتفرقوا في سلسلة الزمان.

وهناك شواهد قرآنية تدل على ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾[4] ، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[5] . وقد دلت بعض الآيات على إسلام الأنبياء السابقين: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾[6] كما يقول يوسف عليه السلام، وورد على لسان إبراهيم: ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾[7] .

فالدين واحد وهو الإسلام، الشرائع مختلفة: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾[8] ، ما قال الدين أبيكم إبراهيم، الدين موحد هو الدين الإسلامي، الشرائع متعددة: حنيفية إبراهيم وإنجيل عيسى وتوراة موسى وقرآن محمد صلى الله عليه وآله. هذه الشريعة الخاتمة التي ختمت الشرائع، وهذه الشريعة مهيمنة على الشرائع السابقة، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾[9] .

إذاً شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله مهيمنة، وكتاب النبي محمد وهو القرآن رسالة للعالمين، مهيمن على جميع الكتب السماوية السابقة.

وفي ذكر قصة آدم تسلية للنبي صلى الله عليه وآله بما جرى من الحوادث على جده وأبيه آدم عليه السلام، ليصبر النبي على ما يراه من كيد المشركين. هذا الأمر الأول.

[الأمر الثاني: حكمة إخبار الملائكة أولاً]

الأمر الثاني: إنما قال الله سبحانه وتعالى ذلك للملائكة ثم بيَّنه للناس لجهات يعني أولاً قال للملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ثم من قوله للملائكة أخبر الناس من خلال القرآن الكريم، وذلك لجهات:

الأولى: إظهار فضل آدم على الملائكة وتعريف آدم للملائكة وإعلامهم بمقامه بأن له الخلافة في الأرض.

الثانية: إظهار ما هو المكنون في نفوس الملائكة على أنفسهم ليعترفوا بالعجز والقصور.

الثالثة: الإعلام بأن صنع هذا المخلوق الجديد وهو خلق آدم كان بمباشرة الله عز وجل بلا دخل لأي أحد غيره في خلق آدم عليه السلام.

الرابعة: بيان أن ليس للإنسان معرفة حقائق الأشياء وأسرار الخليقة وحكمها، فإن هذا مختص بمن يعلم حقائق الأشياء وهو الله عز وجل، فإن الملائكة مع رفعة شأنهم قد عجزوا السر في خلق آدم عليه السلام.

الخامسة: هذه المحاورة كانت تلطفاً من الله عز وجل وجبراً لما انكسر من نفوس الملائكة، حيث صنع الله الخليفة من الطين الذي هو دون الملائكة بمراتب، لأن الملائكة خُلقوا من نور والإنسان خُلق من طين. وإبليس تكبر على آدم قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾[10] ، والملائكة درجتهم أرفع، خُلقوا من نور، والنور أرفع وأعلى من النار والطين.

السادسة: إرشاد الناس إلى المشاورة بينهم في أمورهم، وأن الاستشارة والمشاورة لا تنقص الفرد وإن عظم شأنه، من هنا خاطب الله عز وجل نبينا الكريم قائلاً: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾[11] . وفي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: "لا عقل كالمشاورة"، وفي رواية أخرى: "من شاور الناس شاركهم في عقولهم".

هذا تمام الكلام في المقطع الأول: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾.

[المقطع الثاني: معنى الجعل والخلافة]

المقطع الثاني: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، هنا نسب الجعل والإيجاد إليه نفسه تبارك وتعالى من دون واسطة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.

وهنا يقع الكلام في المراد بالجعل والمراد بالخليفة، وهذا الخليفة هل هو خليفة الله؟ أو هو خليفة الأرض إذ كانت مسكونة بالجن والنسناس قبل الإنسان، وقد عاثوا في الأرض فساداً، ومن هنا يُقال أن الملائكة اعترضت وقالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ لأن الجن والنسناس قد خُلقوا قبل الإنسان بأربعة آلاف عام وعاثوا في الأرض فساداً، وهذا سيأتي إن شاء الله.

فهل هذا الخليفة هو خليفة الله؟ أو هو خليفة الأرض؟ أو الأعم من ذلك؟ هذا فيه تفصيل، وفيه مباحث دقيقة، لذلك نرجئ تفسير هذه الآية ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى الدرس القادم.

 


[1] سورة البقره، الآية 30.
[2] سورة الانبیاء، الآية 20.
[3] سورة الصافات، الآية 165.
[4] سورة آل عمران، الآية 19.
[5] سورة آل عمران، الآية 85.
[6] سورة یوسف، الآية 101.
[7] سورة آل عمران، الآية 67.
[8] سورة الحج، الآية 78.
[9] سورة المائده، الآية 48.
[10] سورة الاعراف، الآية 12.
[11] سورة آل عمران، الآية 159.