47/04/26
الموضوع: الدرس (السابع والسبعون): تفسير الآية (29) من سورة البقرة
تفسير الآية تسعة وعشرين من سورة البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[1] ، آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.
الآيات آيات أنفس وآيات آفاق، الآية الأولى رقم ثمانية وعشرين هي من آيات الأنفس، وهي قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[2] ، فهذه الآية ذكرت أن الله عز وجل تفضل على الإنسان بنعمة الإيجاد، ثم بنعمة الموت، ثم الحياة، ثم الرجوع، ثم النشر.
وأما الآية الأخرى تسعة وعشرين: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[3] ، هذه من آيات الآفاق، التأمل في السماوات والأرض وخلق الله تبارك وتعالى.
شرح قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، هذه الآية تنص على أن الدنيا خُلقت من أجل الإنسان، وهي بيان لما مرَّ من قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾[4] ، لأن من لوازم جعل الأرض فراشًا للإنسان أن يكون جميع ما في الأرض مُهيَّأً للانتفاع به، وهكذا قوله تعالى: ﴿سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ﴾[5] ، فجميع ما في الأرض مُسخَّر للإنسان.
[معنى الخلق واستعمالاته]
هنا الآية عبَّرت: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾، الخَلق بمعنى التقدير المستقيم، أصل الخَلق أي التقدير المستقيم، ويُستعمل الخلق بمعنى الإبداع كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾[6] ، أي أبدع السماوات والأرض، بقرينة قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[7] ، كما يُستعمل الخَلق بمعنى إيجاد شيء من شيء كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾[8] ، وجميع هذه الاستعمالات من المشترك المعنوي نظرًا لتوفر الجامع القريب فيها، وهو التقدير المستقيم.
[الخلق بمعنى التقدير]
سؤال: ما المراد بالخَلق هنا في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
الجواب: المراد قدَّر الله أن يكون ما في الأرض لأجل انتفاع الإنسان، والتقدير غير الإيجاد، التقدير مُقدَّم رتبة على الإيجاد، فكل موجود مُقدَّر وليس كل مُقدَّر موجود، لأنه قد يحصل البداء في مرتبة التقدير والقضاء، فليس كل مُقدَّر سيوجد، ولكن كل موجود مُقدَّر مُسبقًا، وخَلق ما في الأرض إما للانتفاع المادي أو للانتفاع المعنوي والعقلي، الانتفاع المادي من أكل وشرب ونوم ونكاح وغير ذلك من ملذات الدنيا، الانتفاع العقلي كالنظر والاعتبار والتأمل، لذلك ورد عن أمير المؤمنين في تفسير هذه الآية قوله عليه السلام: "﴿خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ لتعتبروا به وتتواصلوا به إلى رضوانه وتتوقَّوا به من عذاب نيرانه"[9] ، وهذه فوائد علمية ومعنوية وعقلية وليست فوائد مادية.
[عناية الله بالإنسان]
ويُستفاد من هذه الآية الكريمة كثرة عناية الله بالإنسان، وقد افتخر الباري تبارك وتعالى بالإنسان على سائر المخلوقات كما في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾[10] ، بل جعل الله الإنسان غاية خلق الموجودات، وجعل الطبيعة مُسخَّرة بين يدي الإنسان، وأفاض الله على الإنسان من علوم وأسرار الطبيعة لكي ينتفع بها، فالإنسان هو سيد المخلوقات.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، مادة "سوى" تدل على المساواة والمعادلة، وتختلف الخصوصيات باختلاف الاستعمالات، فمادة "سوى" قد تتعدى بـ"على" وقد تتعدى بـ"إلى" وقد تتعدى بنفسها، فإذا عُدِّيت مادة "سوى" بـ"على" أفادت معنى الاستيلاء عن عدل وحكمة، كما في قوله تعالى: ﴿الرحمن عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾[11] ، أي استيلاء علم وحكمة وتدبير وإتقان، وإذا عُدِّيت مادة "سوى" بـ"إلى" دلَّ ذلك على الشروع والأخذ المشتمل على أتم أنحاء التدبير، كما في قول الإمام علي عليه السلام: "أخذ في خلقها وإتقانها"، وقد استُعملت مادة "سوى" بهيئاتها المختلفة في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾[12] ، قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾[13] ، هنا التسوية تعدَّت بنفسها من دون "على" ومن "إلى".
[الفرق بين الخلق والتسوية]
والخَلق أعم من التسوية، لأن الخَلق بمعنى التقدير، أما التسوية الإيجاد خارجًا بانتظام واعتدال، والمعنى أن الله عز وجل قدَّر خلق السماوات وأراد ذلك بأتم أنحاء التدبير وأحسن جهات التنظيم فجعلهن سبع سماوات متقنات. جيد.
[سؤال: أيهما خُلق أولاً؟ السماوات أم الأرض؟]
سؤال يُطرح: قد يُقال يوجد تعارض في الآيات والروايات بين تقدم خلق السماوات والأرض، فأيهما المقدم؟ بعض الآيات تشير إلى تقدم خلق السماوات على الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا﴾[14] ، فصريح هذه الآية أن الله بنى السماء ورفع سمكها، والأرض بعد ذلك دحاها، فخلق السماء كان قبل خلق الأرض بمقتضى هذه الآية من سورة النازعات، وهكذا ما ورد في الخطبة الأولى من نهج البلاغة لأمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين، فقد ذكر خلق السماء من دخان ثم خلق الأرض.
[أهمية الجمع بين القرآن ونهج البلاغة]
وأكاد أدَّعي دعوى أن المفسر إذا لم يُلمَّ بنهج البلاغة فقد يصعب عليه تفسير القرآن بشكل متقن، كما أن شارح نهج البلاغة إذا لم يتقن التفسير قد يصعب عليه فهم كلمات أمير المؤمنين في نهج البلاغة، فكما أن القرآن يُفسِّر بعضه بعضًا، كذلك القرآن ونهج البلاغة كل منهما يُفسِّر الآخر، فهذا مصدر الوحي "الكتاب والعترة".
إلى هنا ذكرنا القسم الأول وهو الآيات والروايات التي تدل على أن خلق السماء أولًا والأرض ثانيًا.
القسم الثاني بالعكس، يُستفاد منها أن خلق الأرض أولًا والسماء ثانيًا، كما في الآية مورد البحث، قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، فقد يُفهم من هذه الآية الكريمة أن خلق الأرض وإيجادها أسبق من إيجاد السماء، فكيف نجمع بين القسمين؟
الجواب: الصحيح أن خلق السماوات السبع أسبق من خلق الأرض، فماذا نعمل بآيات وروايات القسم الثاني؟ عندنا رواية عن أبي جعفر عليه السلام: "خُلق الأرض قبل السماء"، فكيف نجمع بين القسمين ونرفع التنافي في البين؟ أذكر محاولتين:
[المحاولة الأولى للجمع: التقدم الذكري والوجودي]
المحاولة الأولى: يوجد تقدم ذكري ويوجد تقدم وجودي، فنحمل الآيات والروايات الدالة على تقدم خلق السماوات على خلق الأرض على التقدم الوجودي، يعني خلق وجود السماء ثم أوجد الأرض، كما نحمل آيات وروايات تقدم الأرض على السماء على التقدم الذكري، فنقول في الآية موطن البحث: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أي أن الله عز وجل في البداية ذكر نِعَمه على الإنسان بأنه كان ميتًا ثم أحياه ثم أماته ثم يُحييه ثم إليه يرجع الناس، هذا ذكره أولًا، وواضح أنه خلق وإماتت الإنسان جاء بعد خلق السماوات والأرض، لكن في البداية ذكر هذه الآية من الآيات الأنفس، ثم ذكر: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ثم ذكر أن الله عز وجل استوى إلى السماء فسوَّاهن سبع سماوات، فهنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾، هذه لفظة "ثم" التي هي للتعقيب والتراخي ليست للترتيب الوجودي بل للترتيب الذكري، يعني الله عز وجل أولًا ذكرنا بنعمة خلق الموت والحياة والمعاد، ثانيًا ذكرنا بخلق الأرض وأن ما فيها مُسخَّر لنا، وثالثًا ذكرنا بأنه استوى إلى السماء فسوَّاها سبع سماوات.
[المحاولة الثانية للجمع: الفرق بين الخلق والاستواء]
المحاولة الثانية: الفرق بين الخَلق والاستواء، فالخَلق عبارة عن التقدير شأنًا، والاستواء عبارة عن الإيجاد فعلاً، ومن الواضح أن مرتبة التقدير أسبق رتبة من مرتبة الإيجاد، فتُحمل آيات وروايات تقدم خلق الأرض على السماء على الخَلق والتقدير، يعني الله عز وجل أولًا قدَّر وفرض خلق الأرض، وثانيًا قدَّر وفرض إيجاد السماء، لكن روايات وآيات تقدم تسوية السماء على الأرض تُحمل على الإيجاد فعلًا، أي أن الله عز وجل فعلًا وفي مقام العمل أول ما أوجد أوجد السماء ثم أوجد الأرض.
كيفية الجمع: خلق الأرض قبل السماء، أي قدَّر خلق الأرض قبل أن يُقدِّر خلق السماء، خلق السماء قبل خلق الأرض، يعني أوجد السماء فعلاً وسوَّاها قبل خلق الأرض، ونلاحظ أن مفردات تقدم خلق السماوات على الأرض استُعمل فيها مفردة التسوية الظاهرة في الفعلية، بينما مفردات تقدم خلق الأرض على السماء استُعمل فيها مفردة الخَلق، والخَلق بمعنى التقدير المستقيم.
إذًا لاحظ، هذا من إبداعات السيد عبد الأعلى السبزواري[15] رضوان الله عليه، وأما المحاولة الأولى (التقدم الترتيب الذكري والترتيب الوجودي) موجودة في تفسير "تسنيم" للشيخ جوادي آملي[16] .
[تطبيق الجمع على آيات النازعات]
إذًا لاحظ معي الآية: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا﴾[17] ، هنا البناء ظاهر في الفعلية، ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾[18] ، التسوية ظاهرة في الفعلية، ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾[19] ، هذا كله ظاهر في الفعلية، ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا﴾[20] ، دحو الأرض يعني جعل الأرض مُسطَّحة بحيث يمكن أن يمشي عليها الإنسان، هذا ظاهر في الإيجاد الفعلي، هذه سورة النازعات.
[تطبيق الجمع على آية البقرة]
بخلاف الآية موضع بحثنا، تسعة وعشرين من سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾، يعني قدَّر لكم، الخَلق بمعنى التقدير المستقيم، التقدير المعتدل، قدَّر لكم ما في الأرض جميعًا، ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾، استوى هنا ظاهر في الفعلية، استوى إلى السماء فسوَّاهن سبع سماوات، يعني الله عز وجل أولًا قدَّر إيجاد الأرض، لكن لكي يوجد الأرض أولًا أوجد السماء السبع.
والسر في ذلك في استنطاق كنه الكلمتين: "خلق" و"استوى"، خلق بمعنى قدَّر وافترض تقديرًا مستقيمًا ومعتدلًا، فالخَلق ليس ظاهرًا في الفعلية، بخلاف "استوى إلى السماء" ظاهر في الفعلية، وبالتالي ينتفي التنافي، إذًا خلق السماء في هذه الآية مُقدَّم من حيث الاستواء والإتمام، وخلق الأرض مؤخَّر من حيث فعلية نظمها.
[قوله تعالى: وهو بكل شيء عليم]
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، الشيء من ألفاظ العموم ولا يوجد أعم منه، وعن بعض اللغويين إن لفظ "عليم" للمبالغة، عليم على وزن فعيل مثل حكيم، صفة مشبهة يُستفاد منها المبالغة، وليس لمجرد الوصف الثابت، يعني حكيم ليس لثبات الحكمة فقط، عليم ليس لثبات العلم فقط، يعني كثرة العلم وكثرة الحكمة.
ولفظ العلم قد يتعدى بنفسه، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾[21] ، وقد يتعدى بالباء، كما في قوله تعالى هنا: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، والتعدي بالباء لإظهار الزيادة في العلم والمعلوم.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، هذا إشارة إلى أن الله مُحيط بما سواه علمًا وقدرة من سائر الجهات، وهذا التعبير عُبِّر في القرآن الكريم إشارة إلى إحاطة الله وقيوميته بتعابير مختلفة، من أهمها وأبلغها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾[22] ، إذ الشهود والعيان أخص عندهم من العلم، وإن كان لا فرق بين العلم والشهود بالنسبة إلى الله تبارك وتعالى، لكن المشاهدة والمعاينة بالنسبة إلى الإنسان أقوى من ماذا؟ أقوى، يعني هي أخص من العلم، لأن العلم قد يحصل بالمعاينة وقد يحصل بغير المعاينة.
هذا تمام الكلام في تفسير الآية التاسعة والعشرين من سورة البقرة، تتمة الكلام تأتي.