الأستاذ الشیخ عبدالله الدقاق
بحث التفسیر

47/04/22

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الدرس (الخامس والسبعون): تفسير الآية (٢٨) من سورة البقرة

تفسير الآية ثمانية وعشرين من سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[1] ، آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.

[موقف الكفار من الحياة والموت]

الكفار يُسلِّمون بأمرين: الأول: حياة ابن آدم، الثاني: موت ابن آدم. لكنهم يختلفون مع المسلمين في أمرين: الأول: حصر الحياة والموت بالحياة الدنيا ولا توجد عندهم آخرة. الثاني: يُسندون الموت والحياة لغير الله كالطبيعة أو الصدفة، بخلاف المسلمين فإنهم يُسندون الموت والحياة إلى الله، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[2] .

الآية الكريمة بدأت بحرف الاستفهام ﴿كيف﴾وهو استفهام إنكاري غرضه التوبيخ. قد يُقال: إن المراد هنا التعجب، وقد يُقال: إن المراد هنا التوبيخ، ولعل الثاني أظهر؛ فهذا استفهام إنكاري غرضه التوبيخ.

وذكرت الآية الكريمة ثلاثة مراحل:

1. المرحلة الأولى (الولادة الدنيوية): إذ قالت ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾.

2. المرحلة الثانية (الولادة البرزخية): وعبرت عنها ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.

3. والمرحلة الثالثة (الولادة عند القيامة): وعبَّرت عنها الآية ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.

الإنسان، كل إنسان وفق اعتقاداتنا، يمر بست مراحل:

أولاً. عالم الأرواح.

ثانياً. عالم الأبدان.

ثالثاً. عالم الأرحام.

رابعاً. عالم الدنيا.

خامساً. عالم البرزخ والقبر.

سادساً. عالم القيامة.

والبرزخ بمعنى الفاصل، فالقبر فاصل بين الحياة الدنيا وبين الحياة الأخرى.

إذًا الإنسان يعيش كم حياة؟ ثلاث حيوات: يحيى في الدنيا ثم يحيى في القبر ثم يحيى في الآخرة.

لاحظ الآية الكريمة: قالت ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾، ثم بيَّنت المرحلة الأولى، أول مرحلة ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾، أي فأحياكم؟ الحياة الدنيا. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ المرحلة الثانية: الموت، الانقطاع عن الحياة الدنيا، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يحييكم في البرزخ، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في يوم القيامة وفي الآخرة. وسيقع الكلام في معنى الموت.

وهذه الآية الكريمة من آيات الأنفس، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[3] ، يعني من أهم طرق الوصول إلى الله التأمل في النفس والتأمل في آفاق الكون مما عدا النفس. هذه الآية ناظرة إلى الإنسان والناس فهي تأمر بالتأمل في المراحل التي يمر بها الإنسان من موت وحياة، فالتأمل في الموت والحياة والحياة الدنيا والبرزخ والآخرة من أهم وأبرز مصاديق الوصول إلى الله تبارك وتعالى.

وبعبارة فلسفية: الإنسان موجود ممكن، يعني يتساوى في ذاته طرف الوجود والعدم، فلتغليب كفة الوجود يحتاج إلى فاعل يُخرِجه من العدم إلى حيز الوجود، فالإنسان ممكن قائم بالواجب، فحقيقة الإنسان حضور تعلقي، ولا قيمة للممكن بدون المبدأ الفاعلي وهو الله عز وجل، إذًا الإنسان موجود فقير، هو عين الفقر، هو فقير بذاته وغني بغيره وهو الله عز وجل، فهذا الإنسان لم يخلق نفسه ولم يُخلَق من غيره من بني البشر، وهذا الإنسان ينتقل من نشأة إلى نشأة أخرى ببركة الوجود الفاعلي.

إلى هنا أشرنا إلى المراحل التي ذُكرت في الآية الکریمة، ففي هذه الآية ذُكر حال الإنسان من مبدأ خلقه إلى ما يؤول إليه أمره.

ثم الآية التي بعدها، آية تسعة وعشرين: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾[4] ، أشارت إلى أن الله عز وجل خلق جميع المخلوقات من أجل الإنسان فهو سيد المخلوقات، لكن الملاحظ أن الآية ابتدأت بالتوبيخ ثم المنّ وذكر النعم، أولًا: وبَّخت الإنسان ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾؟ ثم ذكرت منَّ الله على الإنسان ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾[5] .

[سر تقديم التوبيخ على الامتنان]

[سؤال:] فما هو السر في تقديم التوبيخ والملامة على التفضل والعناية والتكرّم؟

والجواب: هذا فيه إشارة إلى أن جميع ما عند الإنسان إنما هو تفضل وتكرّم من الله عز وجل، لا أن ذات الإنسان تقتضي هذه الأمور، فالإنسان كائن ممكن لا يقتضي أن تُسخَّر له جميع هذه الخيرات، وقد سخَّر الله عز وجل الكون للإنسان تفضلًا منه على البشر، وأراد رب العالمين أن يذكرنا بقدرته وحكمته، هذا هو سر الربط بين هاتين الآيتين: آية ثمانية وعشرين، وآية تسعة وعشرين.

ولنشرع في بيان المفردات: مفردات كل كلمة كلمة.

المفردة الأولى ﴿كيف﴾، والظاهر أنها جاءت في مقام التوبيخ، وقد تكرر ذلك في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾[6] ، هذه الآية ظاهرها التوبيخ وليس ظاهرها التعجب.

[الطالب:] سورة الفيل أيضًا فيها نوع تأويل.

نعم. آية أخرى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾[7] ، فقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ هذا فيه تشجيع وتشويق. وهذا الاستفهام ﴿كيف﴾ توبيخ وتقريع للمتوقفين. أحيانًا ترد بمعنى إفادة التعجب كقوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[8] ، يعني نحن نتعجب منكم كيف تشكون في الله عز وجل؟! والتعجب من صفات فعل الله وليست من صفات ذات الله، ليست من الصفات الذاتية. وسر الاستنكار والاستفهام والتقريع والتوبيخ أن الخالقية والربوبية لله عز وجل من الأمور الوجدانية والبديهية والواضحة.

إلى هنا ذكرنا ما يمكن ذكره في لفظ ﴿كيف﴾، ففيها تعيير وتوبيخ بمعنى أنه لا ينبغي لكم أن تكفروا بالله والحال أن موتكم وحياتكم تحت قدرته وسلطته.

قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾، سؤال: ما المراد بالموت هنا؟ [الجواب:] ذكر المفسرون أقوالاً في الموت والحياة، نقتصر على ذكر ثلاثة منها:

[ثلاثة أقوال في معنى الموت:]

[القول الأول: الموت بمعنى العدم]

1. القول الأول: المراد بالموت العدم السابق على الوجود، أي كنتم معدومين فأوجدكم، وهذا ما يُستفاد مما ورد في دعاء الجوشن الكبير: "يا خالق الأشياء من العدم"، فالمراد بالموت هو العدم.

[القول الثاني: عدم الحياة فيما من شأنه الحياة]

2. القول الثاني: المراد بالموت عدم الحياة فيما من شأنه الحياة، كالنطفة والعلقة والمضغة وغيرها من الأطوار التي يمرّ بها الإنسان في بدء خلقه حتى يصير خلقًا جديدًا. وهذا واضح عند الأطباء، خصوصًا المتخصّصين في التلقيح الصناعي؛ فإن الطبيب يقول للزوجين: أنا آخذ منك الحيوان المنوي وأضعه في البويضة وأهيئ الظروف، ولكن التلقيح بيد ربّ العالمين؛ خمسين في المئة تنجح العملية وخمسين في المئة ما تنجح العملية، فهذا الطبيب واضح عنده أن الخالق هو الله، مع أنّ النطفة فيها قابلية الحياة، فالمراد بالموت عدم الحياة فيما من شأنه الحياة.

[القول الثالث: الموت الحكمي]

3. الاحتمال الثالث القول الثالث: المراد الموت الحُكمي لا الحقيقي، إذ الإنسان حين ولادته لا اسم له ولا شهرة عند الناس، ثم يصير مشهورًا عندهم.

[سؤال:] فما هو الصحيح من هذه الأقوال الثلاثة: العدم، أو عدم الحياة فيما من شأنه الحياة، أو الموت الحُكمي؟

الجواب: لا يوجد دليل يدل على أحد هذه الأقوال الثلاثة، ولم يأتوا بدليلٍ على أي قول منها.

[ترجيح السيد السبزواري]

وقال السيد السبزواري رحمه الله في تفسيره[9] :

"والأولى الحمل على الجميع؛ فإن للحياة بمراتبها المختلفة من النباتية والحيوانية والإنسانية جامعًا قريبًا وهو الحركة والحس، وللموت أيضًا بمراتبه الكثيرة جامعاً قريب وهو الوقف والسكون، والله تعالى هو القادر على إيجاد أصلهما وسائر جهاتهما وخصوصياتهما، فإن الإنسان من بدء خلقه إلى نشوره ووقوفه بين يدي ربّ العالمين وفي جميع أطواره وحالاته. "

أقول: القرآن الكريم يخاطب العرف العام ولا يخاطب خصوص أهل الاختصاص، فمفردة الوجود والعدم ندرسها في المنطق والفلسفة عند أهل الاختصاص، وهكذا مفردة الموت الحكمي لا الموت الحقيقي، أيضًا يتأمل فيهما أهل الاختصاص، وهكذا مفردة عدم الحياة فيما من شأنه الحياة فهذا تأمل أهل العلم والاختصاص.

والقرآن الكريم يخاطب عموم الناس، فلو عرضنا هذه الآية على عموم الناس، ومنهم الكفار، والله عز وجل يقول لهم: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾، هنا الموت في مقابل الحياة الدنيا، يعني لم تكونوا شيئًا ثم صرتم شيئاً، هذه مثل الآن الأب إذا ولده عصاه، فإنه يقول له: "يا ولدي، أنت لم تكن شيئًا ثم جئت قطعةً مني" فيقول له: "أنت كنت ميتاً ثم أحياك الله ببركة نطفتي".

فإذا قرأنا هذه الآية بمنظار عرفي، فإنه ليس المراد بالموت خصوص هذه المعاني الثلاثة التي يفهمها أهل الاختصاص، وليس المراد بالموت الجامع لها كما أفاد المرجع الكبير السيد عبد الأعلى السبزواري، بل المراد بالموت ما يقابل الحياة الدنيا، يعني لم تكونوا موجودين فأوجدكم الله وأحياكم.

قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي يميتكم بقبض الأرواح عند انقضاء الآجال، ثم يحييكم حياة ثانية في البرزخ، ثم بعد ذلك يحييكم حياة ثالثة يوم القيامة لأخذ جزاء الأعمال.

[تمييز الدنيا عن الآخرة وكمال الحياة الأخروية]

ويوجد فارق بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى، وهي أن الحياة الدنيا والأولى مؤقتة، والحياة الثانية والأخرى أبدية ودائمة، كما أن الحياة الدنيا عَرض قائم بالغير، بينما الحياة الأخرى جوهر قائم بالذات.

إذًا العامل والعمل في الأولى والأخرى واحد، لكنّ الاختلاف في صورة العمل، ولا شك ولا ريب أن الحياة الأخرى أكمل من الحياة الدنيا.

هذا تمام الكلام في بيان مفردات هذه الآية الكريمة ثمانية وعشرين من سورة البقرة.

[جهة الخطاب في الآية وتمييز أصناف الكفر]

يبقى الكلام في المخاطبين بهذه الآية، من المخاطب؟ هل الخطاب لخصوص الكفار؟ وإذا كان المخاطبون هم الكفار هل الخطاب يختص خصوص من كفر بالخالقية والربوبية؟ أو يشمل المشرك الذي يؤمن بخالقية الله وربوبيته لكن يشرك معه غيره.

وهل يشمل الكفر العملي؟

[أصناف الكفار الثلاثة]

إذاً عندنا ثلاثة أصناف من الكفار:

الصنف الأول الملحد، وهو الذي يكفر بالخالق ويكفر بالربّ الذي يدبر العالم.

الصنف الثاني المشرك هو يؤمن بخالقية الله وبربوبيته لكن يشرك معه آله أخرى.

الصنف الثالث المسلم المؤمن بالخالقية وبالربوبية وما عنده شرك، لكن عنده كفر عملي، أي أنه يعصي الله عملاً، يكفر بنعمة الله عملاً.

قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[10] ، هؤلاء وثنيوا الحجاز ما عندهم إلحاد ليسوا من الصنف الأول، بل من الصنف الثاني، لكن الإنسان إذا طغى وتجبر وإن اسلم، فإنه من الصنف الثالث.

قد يقال: إن الآية تخاطب جميع أصناف الكفار الثلاثة، فهي تخاطب الملحد، وتخاطب المشرك، وتخاطب المسلم الذي عنده كفر وطغيان عملي.

لكن يظهر من الآية ومن سياق الآيات أنها في مقام خطاب الكفار من الصنف الأول والثاني، يعني من ينكر أصل الخالقية والربوبية، أو من يشرك من الله تبارك وتعالى آلهة أخرى.

هذا تمام الكلام في بيان هذه المفردات تتمة الحديث تأتي.


[1] سورة البقره، الآية 28.
[2] سورة الملک، الآية 1. و 2
[3] سورة فصلت، الآية 53.
[4] سورة البقره، الآية 29.
[5] سورة البقره، الآية 29.
[6] سورة آل عمران، الآية 101.
[7] سورة العنکبوت، الآية 19.
[8] سورة ابراهیم، الآية 10.
[9] . مواهب الرحمن، السيد عبد الأعلى السبزواري، ج1، ص162.
[10] سورة لقمان، الآية 25.