47/04/21
الموضوع: الدرس (الرابع والسبعون): بحث روائي في تفسير الآية (٢٧) من سورة البقرة
وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾[1] .
ولا بد من ملاحظة الروايات الواردة في تفسير خصوص هذه الآية، ولا بد من ملاحظة الروايات الواردة في العهد والقطيعة والفساد بشكل عام، وتفصيل البحث الروائي كما يلي:
أولاً: أهمية العهد
عن أنس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: "ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"[2] .
ويمكن مراجعة هذه الروايات التي جمعها المفسر الكبير آية الله الشيخ عبد الله جوادي آملي[3] .
عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة، أو ألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، وارعَ ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جُنَّة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله شيء الناسُ أشدُّ عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود".
ثم يقول: "ولا تخيسن بعهدك، وقد جعل الله عهده وذمته أمناً أفصاه بين العباد برحمته، وحريماً يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته"[4] .
دخل عمرو بن عبيد على الصادق عليه السلام وقرأ: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾[5] ، وقال: أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله، فقال عليه السلام: "نعم يا عمرو"، ثم فصَّله بأن الكبائر: الشرك بالله... إلى أن قال: "ونقض العهد وقطيعة الرحم ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾"[6] .
والروايات في بيان أهمية العهد وأداء الأمانة والوفاء بالوعد كثيرة.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾[7] . يُقال: إن إسماعيل ليس المراد به إسماعيل ذبيح الله، بل نبي آخر واعده شخص فذهب وبقي في ذلك المكان سنة كاملة وفاءً بعهده ووعده.
ثانياً: مصاديق عهد الله وصلة الرحم
في تفسير الإمام العسكري قال: "ثم وصف هؤلاء الفاسقين الخارجين عن دين الله وطاعته منهم فقال عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ المأخوذ عليهم لله بالربوبية، ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، ولعلي بالإمامة، ولشيعتهما بالمحبة والكرامة، إذاً هذه الآية... هذه الرواية تفسّر بالدين والمذهب الشيعي ﴿مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إحكامه وتغليظه ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ من الأرحام والقرابات أن يتعاهدوهم ويقضوا حقوقهم، وأفضل رحم أوجبه حقاً: رحم محمد صلى الله عليه وآله، فإن حقهم بمحمد صلى الله عليه وآله كما أن حق قرابات الإنسان بأبيه وأمه، ومحمد صلى الله عليه وآله أعظم حقاً من أبويه، وكذلك حق رحمه أعظم، وقطيعته أقطع وأفظع وأفضح، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالبراءة ممن فرض الله إمامته، واعتقاد إمامة من قد فرض الله مخالفته، ﴿أُولَٰئِكَ﴾ أهل هذه الصفة ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ خسروا أنفسهم لما صاروا إلى النيران وحُرِموا الجنان، فيا لها من خسارة ألزمتهم عذاب الأبد وحرمتهم نعيم الأبد"[8] .
أقول: هذه الرواية المفسّرة للآية فسَّرت الآية بنحو الجري والتطبيق، فطبَّقت الصفات الثلاثة على مصاديق ثلاثة، فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ أي دين الله، وطبَّقت الدين على دين محمد صلى الله عليه وآله وعلي، أي المذهب الشيعي الاثني عشري، وهو الدين الحق.
[الدين والشريعة: الفرق بينهما]
وهنا لا بأس بالإشارة إلى هذه النكتة:
[سؤال:] ما الفرق بين الدين والشريعة؟ وهل تتعدد الأديان والشرائع؟
الجواب: الدين واحد لا يتعدد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾[9] ، لذلك نجد الأنبياء السابقين يدعون الله أن يكونوا مسلمين، قال يوسف عليه السلام: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾[10] ، وجاء في القرآن الكريم: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾[11] ، هذا دعاء سليمان حينما تبسم ضاحكاً من قولها، وهو قول النملة.
[التطبيق الأول]
إذاً الدين واحد لا يتعدد، لذلك تقول: الدين السماوي، ولا تقل: الأديان السماوية، الصحيح أن تقول: الشرائع السماوية، هناك شريعة موسى وشريعة عيسى وشريعة محمد صلى الله عليه وآله، فالدين واحد والشرائع متعددة.
التطبيق الثاني: طبَّقت الرواية قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾[12] على قطع الأرحام والقرابات، وذكرت أبرز مصداق لذلك: قطع رحم النبي صلى الله عليه وآله، وهذا مصداق من مصاديق قطع ما أمر الله به أن يوصل، وإلا الله عز وجل أمر بصلة الوالدين وبرهما، وما أكثر الصلات في الإسلام، لكن الرواية فسَّرت القطع بأبرز مصاديق القطع، وهذا من باب الجري والتطبيق، يعني يوجد مفهوم للقطع جرى تطبيقه على خصوص ذرية النبي وصلة الأرحام.
وهكذا بالنسبة إلى المورد الثالث: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾[13] ، إذ أن الفساد في الأرض كثير كنشر الفحشاء والمنكر والزنا والعياذ بالله وشرب الخمر والظلم، لكن الرواية فسَّرت الفساد بالأرض بأبرز مصداق وهو البراءة ممن فرض الله إمامته واعتقاد إمامة من قد فرض الله مخالفته، فهذه الرواية تجري مجرى الجري والتطبيق.
ثالثاً: عقاب قاطع الرحم
عن الباقر عليه السلام: "ويُقال للموفي بعهوده في الدنيا في نذوره وإيمانه ومواعيده: يا أيتها الملائكة، وفى هذا العبد في الدنيا بعهوده، فأَوْفوا له ها هنا بما وعدناه، وسامِحوه ولا تناقشوه، فحينئذ تصيِّره الملائكة إلى الجنان، وأما من قطع رحمه، فإن كان وصل رحم محمد صلى الله عليه وآله وقد قطع رحم نفسه، شفع أرحام محمد صلى الله عليه وآله له إلى رحمه وقالوا: لك من حسناتنا وطاعاتنا ما شئت فاعفُ عنه، فيعطونه منها ما يشاء فيعفو عنه، ويعطي الله المعطين ما ينفعهم ولا ينقصهم، وإن كان وصل أرحام نفسه وقطع أرحام محمد صلى الله عليه وآله بأن جحد حقوقهم ودفع عن واجبهم وسمَّى غيرهم بأسمائهم ولقَّب غيرهم بألقابهم، قيل له: يا عبد الله، اكتسبت عداوة آل محمد الطُّهر أئمتك لصداقة هؤلاء، فاستعن بهم الآن ليعينوك، فلا يجد معيناً ولا مغيثاً، ويصير إلى العذاب الأليم المهين"[14] .
أقول: هذه الرواية في بيان فضل السادة من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله، ففي الرواية عن النبي محمد صلى الله عليه وآله: "أكرموا ذريتي، الصالحين منهم لله والطالحين لي"، وفي رواية: "من أكرم سيداً فقد أكرمني"، فببركة صلة السادة تكون الصلة للنبي صلى الله عليه وآله، فصلة قرابة النبي أبرز وأعظم مصاديق الصلة بحيث أنه لو قطع رحمه لشفع من وصله من ذرية النبي، وأعطوا من قطعه من ثوابهم وحسناتهم بحيث يتجاوز عنه.
في الرواية عن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال: قال أبي علي بن الحسين عليهما السلام: "يا بني، انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق"، فقال: يا أبَه، من هم؟ عرِّفنيهم؟ قال: "وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه، فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله عز وجل في ثلاثة مواضع، قال الله عز وجل: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾[15] إلى آخر الآية، وقال عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ إلى أن قال: ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾[16] ، وقال في البقرة: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾[17] "[18] .
هذه الرواية تشير إلى قبح نقض أي عهد، وأن شناعة النقض بعِظَم شناعة الشيء المنقوض فيه، ففرق بين نقض العهد العادي وبين نقض العهد الرباني العظيم، كلاهما فيه إثم ولكن نقض عهد الله عز وجل أعظم وأكبر بحيث يستوجب اللعن، واللعن هو عبارة عن ماذا؟ الطرد من رحمة الله.
رابعاً: الحفاظ على العهد الإلهي
عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تغضبون، وأنتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون"[19] .
في هذه الرواية إشارة إلى رواسب الجاهلية بحيث أنهم يُستثارون لحميتهم الجاهلية والعائلية ولا يستثيرهم نقض عهود الله ونكث مواثيق رب العالمين، وهذا هو الذي أودى بالكثيرين، ومنهم الزبير بن العوام.
الزبير بن العوام بن صفية بنت عبد المطلب، فالزبير بن العوام ابن عمة النبي محمد والإمام علي، وسيفه طالما كشف الهم والغم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله، وظل ثابتاً في حياة النبي وحياة الإمام علي في زمن الأول والثاني، بل في بداية زمن الثالث، إذ أنه أحد أعضاء الشورى الستة، يعني كان مرشَّحاً للخلافة، وصوَّت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
وفي الرواية: " ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا "[20] ، ابنه عبد الله بن الزبير أغواه الزبير بن العوام هو زوج أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين.
[قصة الزبير بن العوام]
ويحدثنا التاريخ كما في كتاب "مروج الذهب" للمسعودي، يقول في واقعة الجمل: خرج أمير المؤمنين عليه السلام على بغلته فقال: "أين الزبير بن العوام؟" فقالت عائشة: "واترمل أختاه؟" لأن الزبير بن العوام زوج أختها أسماء بنت أبي بكر، فقالت عائشة بنت أبي بكر: "واترمل أختاه؟" فقيل لها: إنه قد خرج بدون لأمة حربه، فخرج الزبير بن العوام على بغلته، والتقيا حتى اصطكَّت أذنا البغلتين، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: "يا زبير، أتذكر وأنت كنت جالساً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وقد جئتُ من بعيد فقال لك: يا زبير، أتحبه؟ فقلت: أي والله، إني أحب علياً، فقال لك رسول الله: لتقاتلنَّه وأنت له ظالم"، فقال الزبير: الآن تذكَّرت، فقال: إذاً ارجع يا زبير، فقال الزبير بن العوام: الآن أرجع وقد اصتكت الأسنة والتقى الصفان؟ إنه العار! فقال علي عليه السلام: ارجع يا زبير قبل أن تجمع العار والنار.
يقولون: فرجع الزبير مُطأطِئاً برأسه إلى معسكره، فقال له ابنه عبد الله: أخشيت علي بن أبي طالب؟ فخرج الزبير على بغلته وبسيفه، فقال علي عليه السلام لجيشه: أزيحوا عنه، فحمل على الميمنة فأزاحوا عنه، حمل على الميسرة ابتعدوا عنه، حمل على القلب ابتعدوا عنه، فقال علي عليه السلام: إنهم أهاجوه، ابتعدوا عنه، فرجع إلى ولده، وقال: أمثل هذا يخاف لا أمَّ لك؟!
إذاً هنا أهاجه الحس القبلي والشخصي، ثم خرج من المعركة.
[الخاتمة]
وما أحوجنا إلى التمسك بحبل الله وعهد الله وميثاق الله، والتجرد عن الأهواء النفسية والأهواء القبلية.
هذا تمام الكلام في بيان بعض الروايات الواردة في تفسير الآية سبعة وعشرين.
الآية ثمانية وعشرين: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾[21] يأتي عليها الكلام.