48/05/23
الموضوع: الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالأخبار / روايات الطهارة
انتهينا الى المناقشة الثانية القائلة بأنَّ صحيحة عبد الله بن سنان معارضة بروايته الأخرى الواردة في نفس المورد، وذكرنا أنه أُجيب عن ذلك بحمل الرواية الثانية على الكراهة لصراحة الأولى في عدم وجوب غسل الثوب.
واعترض عليه بأنَّ مفاد الرواية الثانية ليس هو النهي التكليفي حتى يجري فيه الحمل المتقدم، بل مفاده الإرشاد الى وجود المانع من الصلاة في ذلك الثوب، كما أنَّ مفاد الأولى هو الإرشاد الى عدم المانع، فيتساويان ولا يكون أحدهما أظهر من الآخر حتى يحمل الظاهر على الكراهة والنص أو الأظهر على الجواز.
اللهم إلا أن يقال إنه مع ذلك تبقى الرواية الأولى نصاً في عدم المانعية، بخلاف الرواية الثانية فهي وإن كانت إرشاداً الى المانعية إلا أنها ليست نصاً في ذلك، بل هي ظاهرة فيه، فيمكن حملها على نوع من الحزازة التي لا تنافي صحة العبادة جمعاً بينهما.
ثم إنَّ السيد الشهيد ذكر[1] أنَّ هذه الرواية تتميز بخصوصية غير موجودة في غيرها مما استُدل به على الاستصحاب وهي عدم ورود كلمة (النقض) فيها، فلا يرد عليها ما اُورد على تلك الروايات من أنها لا تشمل موارد الشك في المقتضي، فيمكن التمسك بهذه الرواية لإثبات جريان الاستصحاب في كلا الموردين، موارد الشك في الرافع وموارد الشك في المقتضي.
ولكن قد يقال: إنَّ الصحيحة وإن لم يرد فيها كلمة (النقض) لكن موردها ظاهراً الشك في الرافع، وبذلك يكون حالها حال الروايات التي وردت فيها كلمة (النقض)، ويكون التعدي منها الى موارد الشك في المقتضي بحاجة الى دليل، غاية الأمر أنَّ المنع هناك من جهة كلمة (النقض) والمنع هنا من جهة أنَّ موردها هو الشك في الرافع.
اللهم إلا أن يقال إنَّ وجود كلمة (النقض) في تلك الروايات يمنع من استفادة الاطلاق باعتبار الارتكاز بخلاف هذه الصحيحة الخالية عن كلمة (النقض).
الرواية الثامنة: رواية عمار الساباطي المروية الوسائل، في الباب 73 من أبواب النجاسات الحديث 4:
وبإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدّق بن صدقة، عن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: (كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنه قذر، فإذا علمتَ فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك.)[2]
وهي عمدة الروايات التي يستدل بها على الطهارة، وقد نقلها صحاب الوسائل عن التهذيب، لكن السند في المصدر مختلف، فالسند في التهذيب هو: (محمد بن احمد بن يحيى، عن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام ...)[3]
فهناك واسطة بين (محمد بن أحمد بن يحيى) وبين (أحمد بن الحسن بن علي بن فضال) محذوفة في الوسائل وهي (أحمد بن يحيى)، ومن هنا نشأ الاشكال في صحة هذه الرواية سنداً.
وهذه الرواية التي نقلها الشيخ طويلة جداً، وتشتمل على جملة من الأحكام ترتبط بالنجاسات، وفي ذيلها وردت فقرة الاستدلال وهي (كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنه قَذُر، فإذا علمتَ فقد قَذُر، وما لم تعلم فليس عليك.) وهذه الفقرة موجودة في الرواية التي في سندها أحمد بن يحيى، وهو مردد بين الثقة وغيره، فكيف يمكن الاعتماد على هذه الرواية التي فيها فقرة الاستدلال!
ونقل الشيخ الطوسي بعض المقاطع من هذه الرواية الطويلة بسند ليس فيه أحمد بن يحيى، وإنما ينقلها عن محمد بن محمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن فضال، ففي الحديث 25 قال:
(ما أخبرني به الشيخ أيده الله تعالى [يعني المفيد] عن أبي القاسم جعفر ابن محمد، عن محمد بن يعقوب [أي الكليني]، عن أحمد بن ادريس ومحمد بن يحيى جميعاً، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن الحسن بن علي، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار ابن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سُئلَ عن ماء يشرب منه الحمام، فقال: كل ما يؤكل لحمه يتوضأ من سؤره ويشرب.)[4]
وفي الحديث 43 قال: (وبهذا الاسناد عن محمد بن يعقوب، عن أحمد بن ادريس ومحمد بن يحيى جميعاً، عن محمد بن أحمد [صاحب نوادر الحكمة] عن أحمد بن الحسن بن علي، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سُئل عما تشرب منه الحمامة، فقال: كلما أُكل لحمه يتوضأ من سؤره ويشرب، وعن ماء يشرب منه باز أو صقر أو عقاب؟ فقال: كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دماً...)[5]
وهذه العبارة الأخيرة موجودة في الرواية محل الكلام.
وفي الحديث 48 قال: (ما أخبرني به الشيخ أيده الله تعالى، عن أبي جعفر محمد ابن علي، عن محمد بن الحسن، عن أحمد بن ادريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد ابن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل، قال: سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه، قال: كل ما ليس له دم فلا بأس به.)[6]
وهذه الفقرة موجودة أيضاً في الرواية محل الكلام والسند هنا خال من الواسطة.
وفي الاستبصار ج1 الحديث66 نقل مقطعاً من هذه الرواية بسند ليس فيه أحمد بن يحيى[7] .
وفي الكافي ج3 ص9 الحديث 5 نقل بعض المقاطع من هذه الرواية بسند ليس فيه أحمد بن يحيى أيضاً[8] .
لكن جميع هذه الموارد ليس فيها فقرة الاستدلال، ومن هنا ينشأ الإشكال.