الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

48/05/22

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالأخبار/ صحيحة عبد الله بن سنان

 

ذكرنا أنَّ المحقق الخراساني والمحقق النائيني استأنسا بالروايات الدالة على اعتبار اليقين بدخول شهر رمضان بأنَّ المراد من اليقين في محل الكلام هو اليقين بدخول شهر رمضان لا اليقين بعدم دخوله.

وأجاب عنه السيد الخوئي عن ذلك بأنَّ هذه الروايات لا تصلح للقرينية على المراد من اليقين في محل الكلام مع ظهورها في الاستصحاب.

وأجاب السيد الشهيد بأنَّ هذه الروايات ليس فيها ما يدل على موضوعية اليقين في محل الكلام، وإنما هي في مقام بيان أنَّ قصد امتثال شهر رمضان يجب أن يكون على نحو اليقين.

والتعليق عليه:

ولا يخفى أنَّ هذا لا يدفع المناقشة التي تدعي أنَّ الرواية أجنبية عن الاستصحاب، فإنَّ المناقشة تجري سواءً فسرنا الرواية بأخذ اليقين بدخول الشهر في موضوع وجوب الصوم والإفطار أم فسرناها بأخذه في موضوع صحة الصوم بقصد شهر رمضان، فإنه على كِلا التقديرين لا يراد باليقين اليقين بعدم دخول شهر رمضان كما قيل في الاستدلال، بل المراد هو اليقين بدخوله.

وعلى كل حال فالظاهر تمامية الاستدلال بهذه الرواية كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري، والسر فيه هو تفريع وجوب الصوم والإفطار على رؤية الهلال، فإنه ينسجم تماماً مع الاستصحاب، والمعنى هو أنَّ صوم شهر رمضان لا يكون إلا برؤية الهلال، وإلا فمقتضى الاستصحاب هو عدم مشروعية الصوم في شهر رمضان بعنوان أنه من شهر رمضان.

والحاصل: أنَّ المستفاد من جواب الإمام (ع) هو عدم وجوب الصوم في يوم الشك في آخر شعبان، ووجوب الصوم في يوم الشك في آخر شهر رمضان، وهذا لا ينسجم إلا مع الاستصحاب، هذا مضافاً الى ما عرفتَ من أنَّ حمل اليقين في الرواية على اليقين بدخول الشهر مع عدم ذكره سابقاً خلاف الظاهر.

هذا كله من حيث الدلالة، وأما من حيث السند فالرواية غير تامة سنداً لعدم ثبوت وثاقة القاساني.

الرواية السابعة: صحيحة عبد الله سنان الواردة في الباب 74 من أبواب النجاسات الحديث1:

محمد بن الحسن بإسناده عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، قال: (سَأَلَ أَبِي أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) وَأَنَا حَاضِرٌ: إِنِّي أُعِيرُ الذِّمِّيَّ، ثَوْبِي وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَيَأْكُلُ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ فَيَرُدُّهُ عَلَيَّ، فَأَغْسِلُهُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع): صَلِّ فِيهِ وَلَا تَغْسِلْهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ أَعَرْتَهُ إِيَّاهُ وَهُوَ طَاهِرٌ وَلَمْ تَسْتَيْقِنْ أَنَّهُ نَجَّسَهُ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ نَجَّسَهُ.)[1]

وهي ظاهرة في استصحاب الطهارة، لأنَّ الحكم بعدم وجوب غسل الثوب وإن أمكن أن يكون لقاعدة الطهارة إلا أنَّ تعليله بوجود الحالة السابقة قبل الشك اللاحق - لا بمجرد الشك وعدم العلم بالنجاسة - يجعلها ظاهرة في الاستصحاب.

ونوقش في هذه الاستدلال بمناقشات:

المناقشة الأولى: إنَّ الرواية لا يُستفاد منها قاعدة كلية عامة وإنما تختص باستصحاب الطهارة، وليس فيها ما يدل على التعليل بمطلق الحالة السابقة والشك اللاحق حتى يمكن التعدي الى غير موردها، بل التعليل فيها بسبق الطهارة والشك في بقائها، فلا يستفاد منها التعميم.

وأجيب عنها:

أولاً: بما ذكره الشيخ الأعظم من أنه لا يبعد عدم القول بالفصل بين الطهارة وبين غيرها مما يشك في ارتفاعه بالرافع.

وفيه: إنَّ عدم القول بالفصل غير كاف في المقام، وإنما النافع هو القول بعدم الفصل، أي الاجماع على عدم الفصل، هذا مضافاً الى أنَّ المسألة ذات أقوال كثيرة، فكيف يمكن إثبات عدم القول بالفصل! فمن جملة الأقوال التفصيل بين الاستصحاب الموضوعي والاستصحاب الحكمي، وأنه يجري في الأول دون الثاني، والاستصحاب في محل الكلام موضوعي فيثبت القول بالفصل! ومن جملتها التفصيل بين الشك في وجود الرافع وبين الشك في رافعية الموجود، وأنه يجري في الأول دون الثاني، والشك في محل الكلام - أي طهارة الثوب - داخل في الأول، فيثبت القول بالفصل أيضاً! فإثبات عدم القول بالفصل مشكل.

وثانياً: بإمكان التعدي عن المورد بارتكازية الاستصحاب، وأنه لا يختص بباب الطهارة دون غيرها، فإنَّه قرينة على كون التعليل بمطلق الحالة السابقة والشك اللاحق لا ما يختص بباب الطهارة.

وبعبارة أخرى: إنَّ الظاهر من الرواية كون التعليل فيها بأمر ارتكازي، وذلك بقرينة تصدي الإمام (ع) الى تعليل الحكم بعدم الغسل، وعدم اكتفائه ببيان الحكم، ومن الواضح أنَّ المرتكز في الأذهان أنَّ الاستصحاب كقاعدة عامة كلية لا الاستصحاب في خصوص باب الطهارة، بل يمكن أن يقال إنَّ التعليل في الرواية ظاهر في أنَّ الملاك في جريان الاستصحاب هو وجود الحالة السابقة والشك في بقائها، وكون الحالة السابقة متمثلة بالطهارة في الرواية ليس له أثر.

المناقشة الثانية: إنَّ هذه الرواية معارضة برواية أخرى صحيحة سنداً، ويرويها نفس الراوي، وواردة في نفس مورد الرواية الأولى، ودالة على وجوب غسل الثوب، وهي الحديث 2 من الباب نفسه:

وَبإسناده عن علي بن مهزيار، عن فضالة، عن عبد الله بن سنان، قال:

(سَأَلَ أَبِي أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) عَنِ الرَّجُلِ يُعِيرُ ثَوْبَهُ، لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْجِرِّيَّ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ، فَيَرُدُّهُ، أَ يُصَلِّي فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ؟ قَالَ: لَا يُصَلِّي فِيهِ حَتَّى يَغْسِلَه.)[2]

وأُجيب عن هذه المناقشة بحمل الرواية الثانية على الكراهة، لأنَّ النهي المعارَض بنص في الجواز يحمل على الكراهة، جمعاً عرفياً بين الدليلين.

واعترض على هذا الجواب بأنَّ الحمل على الكراهة مختص بالأحكام التكليفية، والنهي في محل الكلام إرشاد الى المانعية وليس نهياً تكليفياً، فلا معنى لحمله على الكراهة.


[1] الوسائل، ج3 ص521.
[2] المصدر السابق.