48/05/21
الموضوع: الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الاستدلال بالأخبار / مكاتبة القاساني
الجواب الثاني عن المناقشة الأولى:
إنَّ حمل قوله (اَلْيَقِينُ لاَ يَدْخُلُ فِيهِ اَلشَّكُّ) على المغايرة في الحكم وعدم لحوق حكم اليقين للشك خلاف الظاهر أيضاً، بخلاف حمله على الإفساد والنقض، باعتبار التضاد بين اليقين والشك ولو بحسب النظر العرفي، فيقال إنَّ إدخال الشك في اليقين إفساد لليقين، وهو نقض لليقين، فيحكم تعبداً بعدم دخول الشك في اليقين، ومرجعه الى النهي عن نقض اليقين بالشك وهو مفاد الاستصحاب.
الجواب الثالث: إنَّ ما ذكره يستلزم عدم كفاية البينة في ثبوت الهلال، لأنَّ المفروض في هذه المناقشة أخذُ اليقين بدخول شهر رمضان على نحو الموضوعية في الحكم بوجوب الصيام، فلا تكفي البينة لإثبات ذلك، اللهم إلا أن يقال بقيام البينة مقام القطع الموضوعي بنفس دليل اعتبارها، لكنه خلاف المشهور، أو يقال بوجود الدليل الخاص على قيام البينة مقام القطع الموضوعي ولا وجود لمثل هذا الدليل!
المناقشة الثانية: ما ورد في أجود التقريرات[1] من أنَّ المراد من اليقين والشك هو المتيقن والمشكوك، ويراد النهي عن إدخال اليوم المشكوك كونه من شهر رمضان في الأيام المتيقن كونها من شهر رمضان.
وهذه المناقشة تشترك مع المناقشة الأولى في أنَّ اليقين في الرواية لا يُراد به اليقين بعدم دخول شهر رمضان، بل المراد به هو اليقين بدخول شهر رمضان، ولكنها تفترق عنها في أنَّ الأولى لم تفترض إرادة المتيقن من اليقين والمشكوك من الشك، بل أبقت اليقين والشك على حالهما، وفسرت عدم دخول الشك في اليقين بعدم إسراء حكم اليقين الى الشك، في حين أنَّ المناقشة الثانية تفترض إرادة المتيقن من اليقين والمشكوك من الشك، وتُفسِّر عدم دخول الشك في اليقين بعدم دخول المشكوك في المتيقن، أي عدم دخول يوم الشك في شهر رمضان.
ولوحظ عليها: أولاً: بما تقدم في المناقشة السابقة من أنَّ حمل اليقين والشك على اليقين بدخول الشهر والشك في دخوله من دون ذكر سابق له خلاف الظاهر.
وثانياً: إنَّ حمل اليقين والشك على المتيقن والمشكوك خلاف الظاهر أيضاً.
وثالثاً: لو كان المراد هو عدم إدخال اليوم المشكوك في شهر رمضان لما كان قوله (ع) (وَأَفْطِرْ لِلرُّؤْيَةِ) تفريعاً على قوله (اَلْيَقِينُ لاَ يَدْخُلُ فِيهِ اَلشَّكُّ)، وذلك باعتبار أنَّ صوم يوم الشك في آخر شهر رمضان واجب لقوله (وَأَفْطِرْ لِلرُّؤْيَةِ) مع أنه يوم مشكوك في كونه من رمضان، فكيف يصح تفريع قوله (وَأَفْطِرْ لِلرُّؤْيَةِ) الدال على وجوب صوم يوم الشك في آخر شهر رمضان على قوله (اَلْيَقِينُ لاَ يَدْخُلُ فِيهِ اَلشَّكُّ) بناءً على أنَّ المراد منه عدم ادخال يوم الشك في شهر رمضان الذي يقتضي عدم وجوب صومه!
هذا واستشهد المحقق الخراساني - صاحب المناقشة - وكذا المحقق النائيني بالروايات الدالة على إعتبار اليقين بدخول شهر رمضان في صحة الصوم ووجوبه على أنَّ المراد باليقين فيها هو اليقين بدخول شهر رمضان.
وأجاب السيد الخوئي عنه بأنَّ هذه الروايات وإن كانت حجة ومعمول بها إلا أنها ليست قرينة على أنَّ هذه الرواية واردة لبيان هذا المعنى مع ظهورها في الاستصحاب[2] .
وأجاب السيد الشهيد عنه بشكل آخر[3] فقال لا يوجد لدينا ولا رواية واحدة تدل على موضوعية اليقين في المقام، وقوله (ع) فيها (وَإِيَّاكَ وَاَلشَّكَّ وَاَلظَّنَّ..) لا يدل على موضوعية اليقين، بل هو في مقام بيان أنَّ قصد إمتثال صوم شهر رمضان يجب أن يكون بنحو اليقين، فلا يصح الصوم بقصد صوم شهر رمضان مع الشك في دخوله.
ومراده أنَّ هذه الروايات وخصوصاً قوله في صحيحة أبي أيوب الخرّاز (إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ اَللَّهِ فَلاَ تُؤَدُّوا بِالتَّظَنِّي)[4] هو أنه لا يفهم منها إلا عدم صحة الصوم بقصد صوم شهر رمضان إلا مع اليقين بدخوله، وبدونه لا يصح ذلك، كما إذا قيل مثلاً: لا تؤدي صلاة الصبح بالظن والشك، أي أنَّ الظن والشك بدخول الفجر لا يبيح للانسان الاتيان بها بعنوان صلاة الفجر، بل لا بد من اليقين بدخوله حتى يصح ذلك، ومن الواضح أنَّ هذا المعنى لا يستلزم أخذ اليقين بدخول شهر رمضان في موضوع وجوب الصوم كما ذكر في المناقشة، كما لا يستلزم في المثال أخذ اليقين بدخول الفجر في موضوع وجوب صلاة الصبح، بل يبقى اليقين يقيناً طريقياً كما في سائر الموارد.