الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

48/05/20

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /الإستدلال بالأخبار / مكاتبة القاساني

 

القرنية الثانية: ما تقدم ارتكازية الاستصحاب وعدم ارتكازية قاعدة اليقين، وحيث أنَّ قوله: (فَإِنَّ الشَّكَّ لَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ) سيق مساق التعليل، والتعليل يكون بأمر ارتكازي فهذا يناسب أن تكون الرواية ناظرة الى الاستصحاب لا الى قاعدة اليقين.

القرينة الثالثة: ما تقدم أيضاً من أنَّ هذه التعابير (فَإِنَّ الشَّكَّ لَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ) وأمثالها مستخدمة في كثير من روايات الاستصحاب.

فإذا تمت هذه القرائن كانت الرواية دالة على الاستصحاب، وإلا فلا.

الرواية السادسة: مكاتبة القاساني:

وهي ما رواه الشيخ في التهذيب[1] بإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحَسَنِ اَلصَّفَّارِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْقَاسَانِيِّ قَالَ: ( كَتَبْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا بِالْمَدِينَةِ، أَسْأَلُهُ عَنِ اَلْيَوْمِ اَلَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ، هَلْ يُصَامُ أَمْ لاَ؟ فَكَتَبَ: اَلْيَقِينُ لاَ يَدْخُلُ فِيهِ اَلشَّكُّ، صُمْ لِلرُّؤْيَةِ وَأَفْطِرْ لِلرُّؤْيَةِ.)

وأخرجها في الوسائل في كتاب الصوم الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 13[2] .

وتقريب الاستدلال بها كما ذكره الشيخ في الرسائل[3] مبني على أن يكون المراد باليقين في الرواية هو اليقين بعدم دخول شهر رمضان، وكأنّ الأمام (ع) يريد أن يقول إنَّ هذا الزمان لا يدخل فيه الشك، أي لا يكون ناقضاً له، فلا يزاحم اليقين، وهذا ينتج لزوم البناء على اليقين، وهو معنى الاستصحاب، وبعبارة أخرى لا ترفع يدك عن اليقين بمجرد الشك.

ويدل على ما تقدم تفريع وجوب الصوم والأفطار على رؤية الهلال بقوله: (صُمْ لِلرُّؤْيَةِ وَأَفْطِرْ لِلرُّؤْيَةِ) فإنه ينسجم تماماً مع استصجاب عدم دخول الشهر، أي أنَّ صوم شهر رمضان لا يكون إلا مع رؤية هلاله، وإلا كان مقتضى الاستصحاب عدم دخول شهر رمضان وعدم مشروعية الصوم في شهر رمصان، وهكذا بالنسبة الى الإفطار فإنه لا يكون إلا عند رؤية هلال شهر شوال، وإلا كان متقضى الاستصحاب عدم دخوله وعدم جواز الافطار.

ومن الواضح إنَّ عدم جواز الصوم في أول الشهر وعدم جواز الافطار في آخره لا يكون إلا من جهة استصحاب عدم دخول الشهر، وهذا قرينة على أنَّ المراد من اليقين في قوله (اَلْيَقِينُ لاَ يَدْخُلُ فِيهِ اَلشَّكُّ) هو اليقين بعدم دخول الشهر والبناء عليه، وعدم رفع اليد عنه بالشك، وعدم جعله مزاحَماً بالشك، وهو معنى الاستصحاب.

وقد اعتبر الشيخ هذه الرواية أظهر الروايات في الاستصحاب، ولعل ذلك بنكتة أنَّ اليقين فيها غير مسبوق بالذكر فلا يحتمل فيه العهدية، ولا يحتمل فيه الاختصاص بباب دون باب، فيستفاد منها قاعدة عامة.

ولكن مع ذلك نوقش في هذه الرواية بعدة مناقشات:

المناقشة الأولى: ما ذكره المحقق الخراساني في الكفاية[4] ، وحاصله هو: إنَّ عدم وجوب الصوم يوم الشك في أول الشهر وعدم جواز الافطار في آخره ليس من جهة الاستصحاب، بل من جهة عدم إحراز موضوع وجوب الصوم وهو دخول شهر رمضان، وهكذا بالنسبة الى الإفطار وهو عدم احراز موضوعه وهو دخول شهر شوال في آخر الشهر، وبذلك تكون الرواية أجنبية عن الاستصحاب.

وما ذكره لا يخلو من أجمال، وتوضيحه: كأنه يريد أن يقول إنَّ الاستدلال بالرواية يبتني على أمرين لا بد من إحرازهما:

الأول: أن يكون المراد باليقين في قوله (اَلْيَقِينُ لاَ يَدْخُلُ فِيهِ اَلشَّكُّ) هو اليقين بعدم دخول الشهر باعتباره يقيناً سابقاً ويشك في بقائه.

الثاني: أن يكون المراد من قوله (اَلْيَقِينُ لاَ يَدْخُلُ فِيهِ اَلشَّكُّ) لزوم البناء على هذا اليقين المعلوم حدوثه سابقاً، ولزوم عدم نقضه بالشك.

لكنه يقول إنَّ الظاهر من مراجعة الأخبار الواردة في يوم الشك أنَّ المراد من اليقين هو اليقين بدخول شهر رمضان المعتبر في وجوب الصوم، كما أنه لا بد في جواز الافطار من اليقين بدخول شهر شوال المعتبر في جواز الافطار، ويكون المراد من عدم دخول الشك في اليقين هو عدم إلحاق الشك باليقين في حكمه، أي في وجوب الصوم، فإنَّ الحكم بوجوب الصوم أو الإفطار يترتب على على اليقين بدخول الشهر لا على الشك في دخوله، ومن الواضح أنَّ الرواية حينئذٍ تكون أجنبية عن الاستصحاب لأنَّ اليقين بدخول شهر رمضان ليس متحقق الحدوث ومشكوك البقاء حتى يُستصحب، بل هو من يوم الشك لا تحقق له.

والحاصل إنَّ المراد هو أنَّ وجوب الصوم منوط باليقين بدخول شهر رمضان، وأنَّ جواز الإفطار منوط بدخول شهر شوال، وأنهما لا يثبتان مع الظن والشك.

ويؤيد ذلك الأخبار الناهية عن الصوم والإفطار بالشك والتظني، من قبيل الحديث الثاني من الباب نفسه، وهي صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: (إِذَا رَأَيْتُمُ اَلْهِلاَلَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، وَلَيْسَ بِالرَّأْيِ وَلاَ بِالتَّظَنِّي، وَلَكِنْ بِالرُّؤْيَةِ.)[5]

وكذا موثقة أسحاق بن عمار، الحديث 11 من الباب نفسه، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ أَنَّهُ قَالَ: (فِي كِتَابِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: صُمْ لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ، وَإِيَّاكَ وَاَلشَّكَّ وَاَلظَّنَّ، فَإِنْ خَفِيَ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا اَلشَّهْرَ اَلْأَوَّلَ ثَلاَثِينَ.)[6]

وأجيب عن هذه المناقشة بأجوبة:

الجواب الأول: إنَّ حمل اليقين والشك على خصوص اليقين بدخول شهر رمضان والشك فيه من دون أي ذكر سابق لدخول شهر رمضان خلاف الظاهر، بل الظاهر من الرواية أنَّ المقصود هو جنس اليقين وجنس الشك، وتكون حينئذٍ إشارة الى قاعدة عامة يراد تطبيقها على محل الكلام.

أو يقال بحمل اليقين على اليقين بعدم دخول شهر رمضان باعتبار سبق ذكره في كلام السائل (أَسْأَلُهُ عَنِ اَلْيَوْمِ اَلَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ) فإنه فرض الشك في دخول شهر رمضان، وهو يستلزم افتراض عدم اليقين بدخول شهر رمضان سابقاً فيكون له ذكر سابق، بخلاف حمله على اليقين بدخول الشهر.


[1] تهذيب الأحكام، ج4، 159.
[2] وسائل الشيعة، ج1، 255.
[3] فرائد الأصول، ج3 ص71.
[4] كفاية الأصول، ج3 ص198.
[5] الوسائل، ج10، 252.
[6] المصدر السابق، ص255.