48/05/19
الموضوع: الأصول العملية/أصالة الاستصحاب / الاستدلال بالأخبار / رواية الخصال
كان الكلام في الرواية الخامسة وذكرنا أنَّ هناك ظهورات لا بد من استعراضها لنرى أنها هل هي في صالح الاستصحاب أم في صالح قاعدة اليقين، وتكلمنا عن ظهورين وانتهينا الى الثالث.
الظهور الثالث هو ظهور قوله (ع) (فَإِنَّ الشَّكَّ لَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ) في إرادة اليقين الفعلي الثابت، وأنَّ النقض المنفي يراد به نقض ما هو ثابت بالفعل، وهذا لا يكون إلا في الاستصحاب، لزوال اليقين بالشك الساري في قاعدة اليقين.
وهذا الظهور ذكره الشيخ الأنصاري، بل جعله قرينة على رفع اليد عن ظهور قوله (مَنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ فَشَكَّ) في تقدم اليقين على الشك الموجب لحمل الرواية على قاعدة اليقين.
إلا أنك عرفتَ في مناقشة الظهور الثاني أنَّ طبيعة العلاقة بين الحكم والموضوع لا تقتضي فعلية الموضوع، بل افتراض الموضوع والفراغ عن تحققه، وهذا متحقق في قاعدة اليقين كما هو متحقق في الاستصحاب.
هذا هو الظهور الثالث، وتبيّن أنه ليس في صالح الاستصحاب.
الظهور الرابع: هو ظهور الرواية في وحدة متعلق اليقين والشك، ومقتضى الاطلاق أنَّ الوحدة هي من تمام الجهات، أي حتى جهة الزمان، وهذا في صالح قاعدة اليقين لتغاير متعلق اليقين ومتعلق الشك زماناً في الاستصحاب.
ولوحظ عليه بمنع صحة التمسك بالإطلاق في محل الكلام لعدم التصريح بالوحدة في الرواية حتى يُتمسك بإطلاقها، وإنما المدعى استفادة الوحدة إما من حذف المتعلق، وإما من كلمة (النقض)، أما الأول فمن الواضح أنَّ حذف المتعلق لا يُعين الوحدة من جميع الجهات، لأنَّ حذف المتعلق قرينة على أنَّ ما يتعلق به الشك هو نفس ما تعلق به اليقين، في مقابل أن يتعلق بغيره، وهذا المقدار يكفي فيه الاتحاد الذاتي بينهما فإنه يكفي لتبرير حذف المتعلق ولا يتوقف على فرض الاتحاد من جميع الجهات.
وأما الثاني فلأنَّ مفهوم (النقض) لا يتوقف أيضاً على الوحدة من جميع الجهات، وإنما يتوقف على أن يكون متعلقهما شيئاً واحداً ولو مع قطع النظر عن تغايرهما في الزمان.
وعليه يمكن أن يقال أنَّ الوحدة المستفادة من حذف المتعلق هي الوحدة الذاتية بين متعلق اليقين والشك، وأما الوحدة بلحاظ الزمان فلا دليل عليها لا من الرواية ولا من خارجها، فهذا الظهور مسلَّم لكن لا تثبت به الوحدة من جميع الجهات.
ويتلخص مما تقدم:
أولاً: أنَّ الظهور الثاني والثالث ليسا في صالح الاستصحاب كما ادعي، بل هما حياديان.
ثانياً: وأنَّ الظهور الرابع ليس في صالح قاعدة اليقين كما ادعي، بل هو حيادي أيضاً.
ثالثاً: وأنَّ الظهور الأول ليس في صالح الاستصحاب إن لم يكن في صالح قاعدة اليقين.
وهذا يعني أنه لا يوجد ظهور في صالح الاستصحاب.
لكن قد يقال بتعين حمل الرواية على الاستصحاب لعدة قرائن:
القرينة الأولى: ظهور كلمة (اليقين) و (الشك) في اتحادهما مع متعلقهما زماناً، فمثلاً إذا قيل: (أنا على يقين من عدالة زيد) فُهم منه أنَّ زمان اليقين والمتيقن واحد وهو الزمان الحاضر، أو قيل: (كنتُ يوم الجمعة على يقين من عدالة زيد) فُهم منه أن زمان اليقين والمتيقن واحد هو يوم الجمعة، ونفس الكلام يقال في الشك، وعليه يقال حيثُ أنَّ الرواية يُفهم منها تقدم اليقين على الشك كان ظاهر ذلك تقدم المتيقن على المشكوك، وهذا لا يتلاءم إلا مع الاستصحاب.