48/04/04
الموضوع: الأصول العملية/ الاستصحاب/ أدلة الاستصحاب / الأخبار/ صحيحة زرارة الثانية
كان الكلام في الوجه الثالث، وهو مختار المحقق النائيني، وانتهينا الى أنَّه يُتصور على أنحاء ثلاثة تقدم ذكرها.
ثم ذكر بأنَّ العلم بالنجاسة من حيث التنجيز إذا أُخذ موضوعاً لوجوب الإعادة - أي أُخذ مانعاً من صحة الصلاة - فلا يرد الإشكال ويصح التعليل، وذلك باعتبار أنَّ النجاسة لا منجِّز لها لعدم العلم بها لا تفصيلاً ولا إجمالاً، والشك ملغى بحكم الاستصحاب، فلا موجب لإعادة الصلاة لعدم تحقق ما أُخذ في موضوع وجوب الإعادة، وهو العلم بالنجاسة، فلم يحصل ما يوجب تنجُّز وجوب الإعادة، فيصح تعليل عدم وجوب الإعادة بالاستصحاب.
وقد يقال: بأنَّ المانع من الصحة الصلاة هو العلم بالنجاسة ومع الشك يُحرز عدم المانع من صحة الصلاة فلا حاجة حينئذٍ للاستصحاب وتعليل عدم وجوب الإعادة به! فيعود الإشكال.
وأجاب عنه[1] : بأنَّ العلم بالنجاسة يؤخذ مانعاً من حيث كونه منجِّزاً لأحكام النجاسة، ويمكن أن تقوم الطرق والأصول العملية مطلقاً - التنزيلية وغير التنزيلية - مقام العلم، فالنجاسة المشكوكة لا يمكن نفي كونها مانعة من صحة الصلاة إلا بتوسط قيام دليل أو أصل ينفي التنجيز، لأنه بدون قيام مؤمِّن يكون مجرد الاحتمال منجِّزاً للواقع، ويقوم حينئذٍ مقام العلم في كونه مانعاً من صحة الصلاة، وإنما يُنفى تنجُّز الاحتمال بواسطة الأصول المؤمنّة، وفي المقام يكون الاستصحاب هو المؤمِّن.
هذه هي الوجوه التي ذُكرت لدفع الاشكال، والوجه الثاني ذكره الشيخ الأعظم، والأول ذكره صاحب الكفاية، وكأنه لم يرتضِ جواب الشيخ فذكر وجهاً آخر.
مختار المحقق النائيني:
وعلق المحقق النائيني على هذين الوجهين[2] ، بأنَّ التعليل يصح كِلا الوجهين وذلك بفرض كبرى محذوفة، وهي إما كبرى كفاية الطهارة الظاهرية واقعاً، وإما كبرى إجزاء الطهارة الظاهرية من باب إجزاء الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي، فإن كان وجود كبرى محذوفة مقبولاً صح كِلا الوجهين، وإن لم يصح فلا يصح كِلا الوجهين أيضاً، والأول هو الصحيح، وهو متعارف في الكلام.
مختار السيد الخوئي:
وعلق السيد الخوئي على الوجهين السابقين بنحو آخر[3] ، فذكر أنَّ الوجهين بحسب الحقيقة جواب واحد، لأنَّ معنى دلالة الأمر الظاهري على الإجزاء هو كون الشرط أعم من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية فيكون الاختلاف بينها في التعبير فقط، وتوضيحه:
إنَّ الاتيان بالمأمور به الظاهري يقتضي الإجزاء عن المأمور به الواقعي ما دام الشك موجوداً، وأما بعد زوال الشك وانكشاف الخلاف فلا معنى للإجزاء لأنَّ الأمر الظاهري حينئذٍ يكون منتفياً بانتفاء موضوعه وهو الشك، فلا يوجد أمر ظاهري حتى يقال بالإجزاء أو بعدمه، فإذا قلنا بالإجزاء عن الأمر الواقعي فمعناه كون الشرط الواقعي في الحقيقة هو الأعم من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية، وإلا فلا يُعقل الإجزاء عن الشرط الواقعي بشيء آخر، فإذا صلى الى جهةٍ لقيام البينة على أنها هي القبلة ثم انكشف أنها في جهة أُخرى فإنَّ معنى إجزاء هذه الصلاة التي صلاها الى غير القبلة عن الصلاة الى القبلة هو كون الشرط الواقعي هو الأعم من القبلة الواقعية والقبلة الظاهرية الثابتة بالبينة، إذ لا معنى للقول بأنَّ الشرط هو القبلة الواقعية ومع ذلك تجزي عنها الصلاة الى غير القبلة!