الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

48/04/03

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/ الاستصحاب/ أدلة الاستصحاب / الأخبار/ صحيحة زرارة الثانية

تقدم الوجه الأول في الجواب عن إشكال تعليل صحة الصلاة بالاستصحاب مع العلم بوقوعها في الثوب النجس، وحاصله هو دعوى أنَّ الشرط في صحة الصلاة هو الأعم من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية، وفي المقام الطهارة الواقعية غير موجودة، ولكن الطهارة الظاهرية موجودة لأنَّ المفروض جريان الاستصحاب حال الصلاة أو قبلها، لأنَّ المكلف على يقين من طهارة الثوب سابقاً ويشك فيها لاحقاً فيجري الاستصحاب، وتثبت له الطهارة الظاهرية فيتحقق شرط صحة الصلاة واقعاً، ولا يتصور حينئذٍ انكشاف الخلاف، لأنَّ العلم بسبق النجاسة لا يعني انكشاف الخلاف وعدم تحقق الشرط الواقعي، وعليه لا مشكلة في تعليل عدم الإعادة بالاستصحاب في الرواية وإن حصل العلم بعد الصلاة بوقوع الصلاة مع النجاسة.

الوجه الثاني: أن يقال إنَّ التعليل في جواب الإمام (ع) كان مبنياً على إجزاء الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي حتى مع انكشاف الخلاف، لأنَّ ذلك لا يوجب الإعادة بعد فرض الإجزاء، وعليه فلا مشكلة في التعليل بالاستصحاب وإن انكشف الخلاف بعد ذلك لأنَّ ذلك لا يضر في الحكم بعدم الإعادة بعد فرض الإجزاء.

وهذا الوجه لا يتوقف على افتراض أنَّ الشرط هو الأعم من الطهارة الواقعية والظاهرية كما هو الحال في الوجه السابق.

واختار المحقق الخراساني الوجه الأول[1] ، وناقش في الوجه الثاني.

الوجه الثالث: هو ما اختاره المحقق النائيني، وتوضيحه يتوقف على بيان أمور[2] :

الأول: إنَّ النصوص دلت على فساد الصلاة مع نجاسة الثوب إذا علم بالنجاسة قبل الصلاة، بخلاف ما إذا لم يعلم بالنجاسة قبل الصلاة، فإنه لا تجب عليه الإعادة إذا انكشف وقوع الصلاة مع النجاسة.

ويظهر من هذه المقدمة أنَّ الطهارة الواقعية ليست شرطاً في صحة الصلاة، وأنَّ النجاسة الواقعية ليست مانعاً من صحتها، وإنما الشرط هو الطهارة المعلومة، والمانع هو النجاسة كذلك.

الثاني: إنَّ أخذ العلم في موضوع الحكم الشرعي يتصور على أنحاء:

النحو الأول: أن يؤخذ بما هو صفة قائمة في نفس العالم.

النحو الثاني: أن يؤخذ بما هو طريق كاشف عن الواقع.

النحو الثالث: أن يؤخذ بما هو منجِّز للحكم الذي يتعلق به.

ويترتب على هذا التقسيم أنَّ الطرق والأصول لا تقوم مقام العلم على النحو الأول، لأنَّ ذلك لا يتحقق لا في الطرق ولا في الأصول العملية.

وأما على النحو الثاني فكل طريق كاشف عن الواقع يمكن أن يقوم مقام العلم، بل يمكن ذلك في الأصول المحرزة لما فيها من كشف عن الواقع.

وأما على النحو الثالث فجميع الطرق والأصول تقوم مقام العلم حتى الأصل البحت كالاحتياط لمنجزيته.

الثالث: إنَّ أخذ العلم في باب الطهارة والنجاسة الخبثية، يُتصور - على ضوء ما تقدم - على أنحاء:

النحو الأول: أن يؤخذ العلم بالطهارة شرطاً في صحة الصلاة.

النحو الثاني: أن يؤخذ العلم بالنجاسة مانعاً من صحة الصلاة، وهذا يمكن تصوره على نحوين:

فتارة يكون العلم بالنجاسة معتبراً مانعاً من حيث كونه طريقاً للنجاسة الواقعية، وأخرى يكون معتبراً بما هو منجِّز لأحكام النجاسة.

فالمحتملات في المسألة ثلاثة:

    1. أن يؤخذ العلم بالطهارة شرطاً في صحة الصلاة بما هو طريق موصل للواقع.

    2. أن يؤخذ العلم بالنجاسة مانعاً من صحة الصلاة بما هو طريق موصل للواقع.

    3. أن يؤخذ العلم بالنجاسة مانعاً من صحة الصلاة باعتباره منجزاً لأحكام النجاسة.


[1] كفاية الأصول، ج3 ص190.
[2] فوائد الأصول، ج4 ص342.