48/04/02
الموضوع: الأصول العملية/ الاستصحاب/ أدلة الاستصحاب / الأخبار/ صحيحة زرارة الثانية
بعد استبعاد الاحتمال الأول استقربنا الاحتمال الثاني القائل بعدم حصول العلم بالنجاسة بعد الفحص، ثم حصول العلم بعد الصلاة بأنَّ ما وجده في ثوبه هو نفس ما فحص عنه، وعليه فلا تجري قاعدة اليقين لعدم احراز اليقين بالطهارة، كما لا يجري الاستصحاب بلحاظ حال السؤال لأنَّ المفروض حصول العلم بوقوعها مع النجاسة، ولا يجري أيضاً بلحاظ حال الصلاة لعدم احراز كونه شاكاً حال الصلاة، لاحتمال كونه عالماً بالطهارة لا شاكاً فيها، لأنَّ عدم العلم بالنجاسة المستفاد من قوله (فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً) أعم من العلم بالطهارة ومن الشك فيها.
ومنه يظهر أنَّ الأقرب في تفسير هذه الفقرة هو الاحتمال الثاني، والظاهر أنَّ المشهور بنى على ذلك.
الاشكال على جريان الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة:
ثم على تقدير جريان الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة فهو يعني تصحيح الصلاة به مع العلم بمخالفته للواقع، لأنَّ المفروض هو انكشاف الخلاف، فاُشكل عليه بما حاصله:
إنَّ الاستصحاب وعدم نقض اليقين بالشك لا يصلح لتعليل عدم وجوب الإعادة مع العلم بالخلاف، لأنَّ الإعادة حينئذٍ ليست نقضاً لليقين بالشك حتى يصح التعليل، بل هي نقض لليقين بطهارة الثوب باليقين بنجاسته حال الصلاة، نعم يصلح لتعليل جواز الدخول في الصلاة ظاهرياً لأنَّ المفروض حصول الشك قبل الصلاة في نجاسة الثوب.
والحاصل: إنَّ التعليل في الرواية لا يتلاءم مع الاحتمال الثاني لأنَّ المفروض فيه حصول العلم بعد الصلاة بنجاسة الثوب حال الصلاة، وإعادة الصلاة حينئذٍ ليست نقضاً لليقين بالشك، بل باليقين بنجاسة الثوب في حال الصلاة، ويترتب عليه وجوب الإعادة حتى إذا حصل هذا اليقين بعد الصلاة.
وهذا الاشكال يختص بالاحتمال الثاني دون الاحتمالين الآخرين لأنَّه لم يُفرض فيهما حصول العلم بعد الصلاة بوقوعها في الثوب النجس.
وقد ذُكرت عدة وجوه للجواب عن هذا الإشكال المبني على افتراض حصول اليقين بسبق النجاسة على الصلاة، فإنه مع هذا اليقين لا تكون الإعادة نقضاً لليقين بالشك وإنما تكون نقضاً لليقين باليقين، من دون فرق بين أن يكون الملحوظ في قوله (ع): (فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَنْقُضَ اَلْيَقِينَ بِالشَّكِّ) هو ما بعد الصلاة بحيث يُراد ثبوت الاستصحاب بلحاظ ما بعد الصلاة، أو يكون الملحوظ ما قبل الصلاة، أما على الأول فواضح لأنَّ المفروض حصول اليقين بعد الصلاة بوقوعها مع النجاسة، فكيف يمكن جريان الاستصحاب!
وأما على الثاني فلأنَّ حرمة نقض اليقين السابق على ظن الإصابة بالشك بعد الفحص لا يصح أن يُعلَّل به عدم الاعادة مع العلم بوقوع الصلاة مع النجاسة وإن كان يصح أن يعلَّل به جواز الدخول في الصلاة.
والحاصل: إنَّ الاستصحاب حكم ظاهري يثبت في حال الشك والجهل ويرتفع في حال العلم، فمع العلم بنجاسة الثوب حال الصلاة لا مجال لتعليل الصحة وعدم الاعادة بالاستصحاب.
وأُجيب عنه بوجوه:
الوجه الأول: أن يقال بأنَّ الشرط في الصلاة هو الأعم من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية، وفي المقام الطهارة الواقعية غير موجودة إلا أنَّ الطهارة الظاهرية موجودة، لأنَّ المكلف قبل الصلاة على يقين من طهارة الثوب سابقاً ويشك فيه لاحقاً، فيجري الاستصحاب وتثبت له الطهارة الظاهرية، فيتحقق شرط صحة الصلاة واقعاً ومعه لا يُتصور انكشاف الخلاف.