الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

48/03/25

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /أدلة الاستصحاب - الأخبار - صحيحة زرارة الأولى

 

المناقشة الثانية:

وهي ما حكاه الشيخ الأنصاري في الرسائل[1] ، وحاصلها: إنَّ مفاد الصحيحة هو سلب العموم لا عموم السلب، فلا يُستفاد منها عدم جواز نقض كل فرد من أفراد اليقين بالشك، وإنما مفادها هو عدم جواز نقض مجموع أفراد اليقين بالشك، وهذا لا ينافي جواز نقض بعض الأفراد، والمفيد لكبرى الاستصحاب هو الثاني كما هو واضح، وهذا نظير (لا رجل الدار) و (ليس جميع الرجال في الدار)، فإنَّ الثاني لا ينافي وجود بعض الرجال في الدار.

وهذه المناقشة كأنها تبتني على دعوى أنَّ اللام في (اليقين) للاستغراق والعموم، وهو واقع في سياق النفي بــ (لا) فتدل على سلب العموم، أي أنَّ جميع أفراد اليقين لا تُنقض بالشك، وهذا لا ينافي أن يكون بعض أفراد اليقين يمكن نقضه بالشك، لأنَّ سلب العموم بمثابة السالبة الجزئية أي أنَّ بعض اليقين لا يمكن نقضه بالشك، وهذا لا ينفع في إثبات كبرى الاستصحاب.

ثم أجاب عنها أولاً: بأنَّ اللام ليست دالة على الاستغراق، حتى يقال إنها وقعت في سياق النفي فتدل على سلب العموم، بل هي للجنس ولتعريف الماهية ولا يكون نفيها إلا بنفي تمام أفرادها، وهو معنى عموم السلب.

وثانياً: لو سلَّمنا ما ذُكر فإنَّ الظاهر بقرينة المقام وسياق التعليل وكلمة (أبداً) هو عموم السلب لا سلب العموم، ومرجعه الى أنَّ سلب العموم في قوة السالبة الجزئية، ومن الواضح أنَّ المقام لا يناسب السلب الجزئي لأنَّ ذلك لا يصلح أن يكون تعليلاً ودليلاً على عدم جواز نقض اليقين بالوضوء بالشك فيه.

وبعبارة أخرى: إنَّ السلب الجزئي لا يصلح أن يكون كبرى للشكل الأول، فلابد أن تكون القضية الواقعة في كبرى القياس كلية، أي: (لا شيء من اليقين يجوز نقضه بالشك) وهو معنى عموم السلب.

هذا تمام الكلام في صحيحة زرارة الأولى وتبيَّن إمكان استفادة كبرى الاستصحاب منها.

الصحيحة الثانية لزرارة، وهي كما في التهذيب:

(عَنْهُ - أي عن الحسين بن سعيد - عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ: أَصَابَ ثَوْبِي دَمُ رُعَافٍ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَنِيٍّ فَعَلَّمْتُ أَثَرَهُ إِلَى أَنْ أُصِيبَ لَهُ مِنَ اَلْمَاءِ فَأَصَبْتُ وَحَضَرَتِ اَلصَّلاَةُ وَنَسِيتُ أَنَّ بِثَوْبِي شَيْئاً وَصَلَّيْتُ، ثُمَّ إِنِّي ذَكَرْتُ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ: «تُعِيدُ اَلصَّلاَةَ وَتَغْسِلُهُ»،

قُلْتُ: فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُ مَوْضِعَهُ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ فَطَلَبْتُهُ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّيْتُ وَجَدْتُهُ، قَالَ: «تَغْسِلُهُ وَتُعِيدُ»،

قُلْتُ: فَإِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَلَمْ أَتَيَقَّنْ ذَلِكَ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، ثُمَّ صَلَّيْتُ فَرَأَيْتُ فِيهِ، قَالَ: «تَغْسِلُهُ وَلاَ تُعِيدُ اَلصَّلاَةَ»، قُلْتُ: لِمَ ذَلِكَ قَالَ: «لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ اَلْيَقِينَ بِالشَّكِّ أَبَداً»،

قُلْتُ: فَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ هُوَ فَأَغْسِلَهُ؟ قَالَ: «تَغْسِلُ مِنْ ثَوْبِكَ اَلنَّاحِيَةَ اَلَّتِي تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهَا حَتَّى تَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ»،

قُلْتُ: فَهَلْ عَلَيَّ إِنْ شَكَكْتُ فِي أَنَّهُ أَصَابَهُ شَيْءٌ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ؟ قَالَ: «لاَ وَلَكِنَّكَ إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تُذْهِبَ اَلشَّكَّ اَلَّذِي وَقَعَ فِي نَفْسِكَ»،

قُلْتُ: إِنْ رَأَيْتُهُ فِي ثَوْبِي وَأَنَا فِي اَلصَّلاَةِ؟ قَالَ: «تَنْقُضُ اَلصَّلاَةَ وَتُعِيدُ إِذَا شَكَكْتَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ ثُمَّ رَأَيْتَهُ، وَإِنْ لَمْ تَشُكَّ ثُمَّ رَأَيْتَهُ رَطْباً قَطَعْتَ اَلصَّلاَةَ وَغَسَلْتَهُ ثُمَّ بَنَيْتَ عَلَى اَلصَّلاَةِ، لِأَنَّكَ لاَ تَدْرِي لَعَلَّهُ شَيْءٌ أُوقِعَ عَلَيْكَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَنْقُضَ اَلْيَقِينَ بِالشَّكِّ). [2]

واستدل بهذه الصحيحة على الاستصحاب بفقرتين: الأولى: (لِأَنَّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ ثُمَّ شَكَكْتَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ اَلْيَقِينَ بِالشَّكِّ أَبَداً) والثانية: (فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَنْقُضَ اَلْيَقِينَ بِالشَّكِّ).

سند الرواية:

هذه الرواية في التهذيب غير مسندة الى الإمام عليه السلام، لكن الشيخ الصدوق رواها في العلل مسندة الى الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام[3] ، وسنده الى زرارة صحيح، مضافاً الى أنَّ الإضمار غير ضائر خصوصاً في مثل زرارة، فالرواية تامة سنداً.

 

فقه الرواية:

اشتملت الرواية على ستة أسئلة:

السؤال الأول: أنه صلى في ثوب نجس ناسياً لنجاسته بعد علمه بها، فأجاب الإمام (ع) بوجوب إعادة الصلاة وغسل الثوب، وهذا خارج عن محل الكلام.

السؤال الثاني: أنه علم إجمالاً بوقوع النجاسة في الثوب ولم يقدر على تعيين موضعه بالفحص، فهل يكفي مجرد الفحص وعدم رؤيته للنجاسة مع علمه الإجمالي بوجودها، فأجابه أنه لا يكفي.

السؤال الثالث: ما إذا ظن الإصابة ففحص فلم يرَ شيئاً فصلى، فرأى فيه، فأجاب (ع) تغسله ولا تعيد، وعلله بأنه كان على يقين من الطهارة فشك فيها ولا ينبغي نقض اليقين بالشك، وهذه هي الفقرة الأولى للاستدلال.

وفي هذا السؤال احتمالات ثلاثة:

الاحتمال الأول: أن نفترض بأنَّه عَلِمَ بالعدم عند الفحص وعدم العثور على شيء، ثم وجدَ نجاسة بعد الصلاة واحتمل أنها هي النجاسة التي فحص عنها سابقاً، وهنا ينطبق الاستصحاب بلحاظ حال السؤال - أي بعد الصلاة - فإنه قبل احتمال إصابة النجاسة للثوب كان متيقناً بطهارته، ثم يشك بعد الصلاة في ارتفاعها، لأنها إذا كانت هي نفس النجاسة السابقة فهي لم ترتفع، وإن كانت غيرها فيحتمل ارتفاعها ويحتمل عدم ارتفاعها، فتتم أركان الاستصحاب فيستصحب بقاء الطهارة، فلا يثبت ارتفاع الحالة السابقة لاحتمال أن تكون حادثة بعد الصلاة، وعلى هذا الأساس حكم الإمام (ع) بصحة الصلاة.

كما يمكن تطبيق قاعدة اليقين - الشك الساري - على هذا الاحتمال باعتبار اليقين بالطهارة حال الصلاة بعد الفحص، الذي يزول بالشك الساري بعد وجدان النجاسة واحتمال أنها هي النجاسة السابقة، فيوجب ذلك تزلزل اليقين السابق.

 


[1] فرائد الأصول، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج3، ص57.
[2] تهذيب الأحكام، شيخ الطائفة، ج1، ص421، الحدیث8.
[3] علل الشرائع، الشيخ الصدوق، ج2، ص361.