48/03/24
الموضوع: الأصول العملية/أصالة الاستصحاب /أدلة الاستصحاب - الأخبار- صحيحة زرارة الأولى
بعد أن ذكرنا ما يقتضيه الاحتمال الأول في جواب الشرط يقع الكلام في الاحتمال الثاني فيه، أي أنَّ جملة (فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ) هي الجواب، وهي وإن كانت خبرية إلا أنَّ المراد بها الإنشاء جداً، أي الحكم ببقاء اليقين تعبداً، وهذا يقتضي حجية الاستصحاب في خصوص مورد الشك في النوم، لأنه هو الموضوع في الشرطية دون مطلق الشك في انتقاض الوضوء، فضلاً عن مطلق الشك في ارتفاع الحالة السابقة، والوجه في ذلك هو أنَّ مفاد الجملة حينئذٍ هو: إذا شَك في النوم فيجب عليه العمل على وفق يقينه بالوضوء تعبداً، فيكون البناء على اليقين السابق عملاً مختصاً بالشك في النوم لا محالة.
وأما بناءً على الاحتمال الذي قربناه سابقاً وهو نفس الاحتمال الثاني على أن يكون مجموع الجملتين هو الجزاء - أي (فإنه على يقين من وضوئه) و (ولا ينقض اليقين بالشك) - لكن بلحاظ مرحلة الاثبات، وكأنه يُراد بيان أنه إن لم يستيقن أنه قد نام جرى في حقه هذا الدليل، وهو: أنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك، ومن الواضح أنّ هذا الدليل هو قياس من الشكل الأول - هذا على يقين من وضوئه، ومن كان على يقين فلا ينقضه بالشك، فهذا لا ينقض يقينه بالشك - ومقتضى ذلك عموم الكبرى، لأنه يجب أن يكون اليقين المحكوم عليه بعدم النقض في الكبرى أوسع من اليقين في الصغرى، فتكون الكبرى كلية مفادها (كل يقين لا يُنقض بالشك) فلا تختص باليقين بالوضوء.
مضافاً الى أنَّ مرجعه الى التعليل بهذا الدليل، والتعليل يكون بأمر ارتكازي، وهو عبارة عن كبرى الاستصحاب دون الاستصحاب المختص بباب الوضوء.
• مناقشتان في الاستدلال بالصحيحة
المناقشة الأولى:
ثم إنه قد يناقش في الاستدلال بالصحيحة على الاستصحاب بإبراز احتمال نظر الصحيحة الى قاعدة المقتضي والمانع، وذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأول: إنَّ اليقين أُسند في الصحيحة الى الوضوء، ومن الواضح أنَّ الوضوء ليس شيئاً يمكن أن يدوم حتى يُشك في بقائه لأنه فعل يحدث ويزول، نعم الوضوء كفعل يقتضي الحكم الشرعي بالطهارة التي يُعقل فيها الحدوث والبقاء، والمفروض الشك في تحقق النوم، وهذا يعني أنَّ اليقين يتعلق بمقتضي الحكم الشرعي - أي الأفعال - والشك يتعلق بالنوم، فمتعلق اليقين غير متعلق الشك، وهذا أنسب بقاعدة المقتضي والمانع، بخلاف الاستصحاب الذي يُعتبر فيه أن يكون متعلق اليقين والشك واحد ذاتاً ومختلف زماناً، وعليه يكون مفاد الصحيحة هو البناء على عدم المانع.
ويلاحظ عليه: إنَّ الوضوء كفعل من الأفعال لا يمكن استصحابه إلا أنَّ الوضوء شرعاً اعتُبر قابلاً للبقاء والاستمرار، بشهادة نفس الصحيحة في قوله: (فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ) وذلك بعد الشك في حدوث النوم، وهو يعني أنَّ الوضوء له بقاء واستمرار، وكذا في صدرها: (اَلرَّجُلُ يَنَامُ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ)، كما يشهد له أيضاً إسناد النقض إليه، ولو كان متصرماً لم يصح هذا الإسناد، وعليه يكون المتيقن - أي الوضوء - قابلاً للبقاء ويكون متحداً ذاتاَ مع المشكوك، فهو على يقين من وضوئه وشاك في بقائه من جهة احتمال النوم، وهذا يناسب النظر الى الاستصحاب.
التقريب الثاني: أن يقال إنَّ الصحيحة لو كانت ناظرة الى الاستصحاب لكان المناسب استصحاب عدم النوم الحاكم على استصحاب الطهارة والمانع من جريانه، وأركانه تامة فإنه كان على يقين من عدم النوم ثم شك في حدوثه فيستصحب عدمه، وهو وإن كان ينتج نفس نتيجة استصحاب الطهارة إلا أنه يكون حاكماً عليه، إما لأنه أصل موضوعي والآخر أصل حكمي، وإما لأنه أصل سببي والآخر أصل مسببي - فإنَّ الشك بقاء الطهارة وارتفاعها مُسبَّب عن الشك في النوم - فيكون مانعاً من جريان استصحاب الطهارة وإن كانا متوافقين في النتيجة، وهذا بخلاف ما إذا حملنا الصحيحة على قاعدة المقتضي والمانع فإنَّ مقتضاها - لو جرت - هو البناء على وجود المقتضي وعدم المانع، ولا يوجد أصل حاكم عليها بحيث يثبت وجود المانع ويمنع من جريان هذه القاعدة.
ويلاحظ عليه:
أولاً: أنَّ الحكومة فرع التعارض والتنافي، ولا تعارض بين الأصلين المتوافقين.
وثانياً: أنَّ الوجه في الحكومة هو دعوى أنَّ استصحاب عدم النوم إذا جرى تثبت به الطهارة تعبداً، ومع ثبوتها لا مجال لاستصحابها، وهذه الحكومة إنما تتم لو كان ترتب الطهارة على عدم النوم ترتباً شرعياً، بحيث تكون الطهارة أثراً شرعياً لعدم النوم، وأما إذا أنكرنا ذلك وقلنا إنَّ ترتب الطهارة على النوم ليس شرعياً، بل عقلي بمعنى أنَّ اللازم العقلي لعدم النوم في فرض الصحيحة هو الطهارة فلا يتم هذا التقريب، لأنه لا يمكن إجراء استصحاب عدم النوم لإثبات الطهارة لأنه أصل مثبت، فلا تثبت به الطهارة حتى يمنع من جريان استصحابها.
وعليه فالمناقشة غير تامة، والصحيحة ليست ناظرة الى قاعدة المتقضي والمانع.