الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

47/08/08

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

الكلام في الفرض الثالث من تعارض الضررين، وهو ما إذا دار الأمر بين ضررين وكان بسبب عامل خارج عن الاختيار.

نُسب الى المشهور أنه يلزم ارتكاب الضرر الأقل، فإذا فرضنا أنَّ اتلاف القدر هو الأقل فيلزم اتلافه، ويكون ضمانه على الآخر.

والسؤال هنا: ما هو الدليل على أنَّ مالك الأقل يجب عليه أن يتحمل الضرر، وأنَّ الآخر يجب عليه الضمان؟

ذُكر وجه لذلك وهو أنَّ جميع الناس نسبتهم الى الله سبحانه واحدة، فالكل بمنزلة العبد الواحد، وكما يختار الشخص الواحد أخف الضررين إذا فُرض تعارضهما بالنسبة إليه كذلك الأمر إذا تعارضا بالنسبة الى شخصين، ولكن ذلك لا يبرر إلزام أحدهما بتحمل الضرر، وإلزام الآخر بالضمان، بل يبقى الإلزام بذلك بلا مرجح.

ذكر السيد الخوئي أنَّ المالكين إن تراضيا على إتلاف أحد المالين بخصوصه وتقسيم الضرر بينهما فهو، وإلا فعليهما الرجوع الى الحاكم الشرعي، وله إتلاف إيهما شاء مع فرض التساوي في المالية، وليس له ذلك مع فرض الاختلاف في المالية، بل يحكم بإتلاف ما يكون ضرره أقل، ثم يقسم الضرر بينهما، واستدل على تقسيم الضرر بقاعدة العدل والإنصاف، ويؤيد ذلك برواية الودعي - وهي تامة سنداً وإن تكلموا فيها من جهة النوفلي - فإنَّ الإمام (ع) حكم بإعطاء درهم ونصف لصاحب الدرهمين، ونصف درهم لصاحب الدرهم، وهو يعني أنَّ الدرهم التالف قُسِّم بينهما بالسوية، وقالوا إنَّ هذا التقسيم لا ينطبق إلا على قاعدة العدل والإنصاف.

والتعليق عليه:

أما في صورة التخاصم وعدم التراضي على إيقاع الضرر على أحد المالين مع الضمان، فيقع الكلام في أمرين:

الأول في ما يعمله الحاكم لرفع النزاع.

الثاني في من يتحمل الخسارة الحاصلة من إيقاع الضرر بأحد المالين عملاً بحكم الحاكم.

أما الأول فلا إشكال في أنَّ الحاكم - بما له من الولاية ولأجل حل النزاع - لابد من أن يوقع الضرر على أحد المالين، فهل يتخير في إيقاعه على أيهما شاء أم لذلك محددات؟

أما في صورة التساوي في الضررين فتخيُّر الحاكم بينهما على اطلاقه محل تأمل، وذلك باعتبار أنَّه موقوف على عدم جريان أدلة القرعة، وإلا فهي المرجع للترجيح، والإشكال في أدلة القرعة هو أنَّ موردها هو ما له تعيُّن في الواقع، وأما ما لا تعيُّن له في الواقع فلا تشمله هذه الأدلة، وفي المقام لا تعيُّن في الواقع للضرر.

وبعبارة أخرى إدخال رأس الدابة في القدر يُلحق الضرر بكل منهما، ولا يتعين إلحاق الضرر بأحدهما، فلا تجري فيه أدلة القرعة، وهنا يتم كلام السيد الخوئي، وأما بناء على الرأي الآخر القائل بجريان القرعة في جميع الموارد ما دام هناك تزاحم في الحقوق والرغبات فأدلة القرعة تجري وتمنع من تخيُّر الحاكم.

وأما في صورة اختلاف الضررين بأن كان الضرر في جانب إتلاف الدابة أكبر فالصحيح هو ما ذكره السيد الخوئي من أنه يتعين إتلاف ما يكون ضرره أقل، ومن الواضح أنه إذا كان الطرفان يتحملان الخسارة بإتلاف الحاكم أحد المالين فلابد من تقليلها مهما أمكن وإلا لزم الإضرار بهما.

وأما الثاني فالمنسوب الى المشهور هو أنَّ الخسارة يتحملها من رجع مالُه إليه سالماً من العيب، وذلك لأنَّ إتلاف القدر إنما هو لتخليص الدابة من الضرر فتكون الخسارة على مالك الدابة.

ويلاحظ عليه: إنَّ الذي أوجب هذا الدوران هو عامل طبيعي وقد أوجب نقصاً في كِلا المالين، والحاكم يريد علاج ذلك، فلماذا يجب على صاحب الدابة تحمل تمام الخسارة؟

وهناك رأي آخر يرى أنَّ الخسارة الحاصلة في أحد المالين يتحملها كلٌ منهما بالتساوي، وذلك استناداً الى قاعدة العدل والإنصاف، وتؤيد برواية الودعي.

وهذا الرأي إذا كان مستنداً الى قاعدة المذكورة ففيه أنَّ القاعدة إنما تقتضي الحكم بالتساوي في الخسارة في صورة التساوي في جميع الجهات من مقدار الضرر ودرجة الاحتمال وأهمية المحتمل، وأما في فرض عدم التساوي فلا، كما في مورد الرواية لأنَّ احتمال كون التالف من صاحب الدرهمين واحتمال أن يكون من صاحب الدرهم ليسا على حد سواء، بل درجة احتمال الأول ضعف درجة احتمال الثاني، وفي مثله القاعدة تقتضي توزيع الخسارة بهذه النسبة، أي أنَّ ثلثي الدرهم التالف يتحمله صاحب الدرهمين، والثلث يتحمله صاحب الدرهم، فإذا فرض التساوي في المقدار بين المالين فيمكن أن يحكم الحاكم بتحمل الخسارة بالتساوي استناداً الى قاعدة العدل والانصاف، وإما مع فرض الاختلاف بين المالين فلا يكون مقتضى القاعدة التقسيم بالتساوي.