الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

47/08/07

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

تتمة الكلام في الفرض الأول من الصورة الثانية:

قد يقال: إنَّ القاعدة لا تجري حتى بالنسبة الى حرمة التصرف في مال الغير لأنَّها إمتنانية، وجريانها في المقام وإن كان فيه إمتنان بالنسبة الى مالك الدابة، ولكن ليس فيه إمتنان بالنسبة الى مالك القدر لأنه يعني رد العين بإتلاف ماله.

وأُجيب عنه: بأنَّ المعتبر في القاعدة الامتنانية أن لا يكون في جريانها خلاف الامتنان بالنسبة الى الغير، ولا يعتبر أن يكون امتناناً بالنسبة الى الجميع، وفي المقام يمكن القول بأنَّ جريان القاعدة وإن لم يكن إمتنانياً بالنسبة الى مالك القدر إلا أنه ليس على خلاف الامتنان، لأنه لا يوجب إتلاف ماله وإنما تبديله بالمثل أو القيمة.

لكن الصحيح: أنَّ جريان القاعدة لنفي حرمة التصرف وإتلاف مال الغير خلاف الامتنان بالنسبة الى مالك القدر فلا تجري القاعدة.

قول آخر:

وقد يقال بالتفصيل بين صورة إذن مالك القدر بإتلاف ماله ولو بشرط الضمان، وبين صورة عدم الإذن، فإن فُرض الإذن فحينئذٍ إن فُرض بأنَّ إتلاف كلٌ من المالين مباح فيثبت التخيير بينهما، فيجوز لمالك الدابة إتلاف ماله وتسليم العين الى الغير، كما يجوز له إتلاف مال الغير مع ضمانه.

وإن فُرض بأنَّ أحد الإتلافين حرام والآخر مباح فلابد من اختيار المباح، فإن كان هو إتلاف ماله تعيَّن عليه ذلك وإرجاع العين الى مالكها، وأما إذا كان المباح هو إتلاف مال الغير فيتعين عليه ذلك مع الضمان.

وأما إذا فرضنا أنَّ كلاً منهما حرام ففي حالة التساوي في الأهمية وفي درجة احتمالها فيجوز ارتكاب أحدهما، وأما إذا اختلفا في ذلك فلابد من ارتكاب ما كان أضعف محتملاً أو احتمالاً، هذا كله مع فرض إذن المالك بالإتلاف.

وأما إذا فرضنا عدم الإذن فإن كان ايقاع الضرر على ماله مباحاً فلابد من إيقاع الضرر عليه مقدمة لدفع العيب الطارئ على مال الغير، لأنَّ المفروض أنه هو الذي أحدث العيب.

قد يقال: يمكن اجراء قاعدة (لا ضرر) لنفي حرمة التصرف في مال الغير وإيقاع الضرر به باعتباره ضررياً بالنسبة الى مالك الدابة، فترتفع الحرمة فيجوز له اتلاف القدر وتخليص دابته، ويتعين عليه الضمان بالمثل أو القيمة.

وأُجيب عنه: بأنَّ الضرر الحاصل لمالك الدابة ليس ناشئاً من حرمة التصرف في ملك الغير، بل هو حاصل بقطع النظر عنها، فلا تجري القاعدة.

ويلاحظ عليه: بأنَّ المراد من الضرر هنا هو الضرر الحاصل من اتلاف الدابة لا من إدخال رأس الدابة في القدر، وهذا الضرر ينشأ من حرمة التصرف في مال الغير لأنه لو كان جائزاً لم يقع في الضرر إذ يمكنه حينئذٍ كسر القدر وتخليص دابته والتخلص من الضرر، نعم الضرر الحاصل من ادخال رأس الدابة في القدر ثابت بقطع النظر عن حرمة التصرف.

والصحيح في الجواب هو: أنَّ القاعدة لا تجري لنفي الضرر عن شخص إذا كان يلزم من إجرائها إلحاق الضرر بالغير لكونها إمتنانية، ومن الواضح أنَّ ضمان المثل أو القيمة لا يرفع مثل هذا الضرر.

هذا كله إذا كان إيقاع الضرر على ماله مباحاً، وأما إذا كان حراماً أيضاً فحينئذٍ يحصل التزاحم بين الحرمتين فتُطبق عليه قواعد باب التزاحم.

هذا كله في الفرض الأول، وهو دوران الضرر بين شخصين مع كون السبب هو فعل أحد المالكين.

وأما الفرض الثاني وهو دوران الضرر بين شخصين بسبب شخص ثالث، فذكر السيد الخوئي أنَّ المُسبِّب يتخير بينهما ويضمن مثله أو قيمته لصاحبه إلا إذا كان التصرف في أحدهما بخصوصه أكثر عدواناً في نظر العرف فيجب عليه اتلاف الآخر مع الضمان، إذ بعد تعذر إيصال كِلا المالين الى مالكه عليه إيصال أحدهما بعينه والآخر بماليته من المثل أو القيمة.

ويمكن أن يقال بأنَّ ما ذكره إنما يتم في صورة إذن كل منهما في اتلاف ماله فإنه حينئذٍ يتخير بينهما، وأما إذا فُرض أنَّ أحدهما أذن في إتلاف ماله دون الآخر فحينئذٍ لا وجه للتخيير، بل يتعين ارتكاب التصرف المأذون فيه دون الآخر، وأما إذا فرضنا عدم الإذن منهما معاً فلا محالة يقع النزاع بينهما وبين الشخص الثالث، فيُرجع الى الحاكم لفض هذا النزاع، والظاهر أنَّه يرجع الى القرعة لعدم المُعيِّن لأحد الاتلافين، والقرعة لكل أمرٍ مشكل.