47/08/06
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
الصورة الأولى من صور تعارض الضررين وهي ما إذا كان التعارض بين ضررين لشخص واحد، وفيها تارة يفترض بأنَّ كلا الضررين مباح، وأخرى يفترض أنَّ أحدهما مباح والآخر حرام، وثالثة يفترض أن كلاهما حرام، والكلام في جميع هذه الفروض تارة يقع بلحاظ الحكم التكليفي وأخرى يقع بلحاظ الحكم الوضعي، أي الضمان.
أما الحكم التكليفي بلحاظ الفرض الأول فينبغي أن يكون واضحاً لجواز ارتكاب كلاً منهما، فيتخير بين الضررين سواءً تساويا في الضرر أم تفاوتا.
وأما في الفرض الثاني فالأمر كذلك بلحاظ الحكم التكليفي، بمعنى أنَّ الحكم المفروض قبل الاضطرار يبقى بعد الاضطرار، ولا موجب لإرتفاع الحرمة لعدم الاضطرار إلى الحرام، وإنما هو مضطر الى ارتكاب أحدهما، والمفروض أنَّ أحدهما مباح، فعليه أن يختاره.
وأما في الفرض الثالث فيجوز له ارتكاب أحدهما بشرط ترك الآخر، لأنه مضطر الى ارتكاب أحدهما، هذا مع افتراض التساوي في أهمية المحتمل أو في درجة الاحتمال، وأما مع فرض اختلافهما في أهمية المحتمل أو في درجة الاحتمال فيتعين ارتكاب ما هو أقل أهمية وأضعف احتمالاً.
وأما بلحاظ الحكم الوضعي ففي الفرض الأول مع فرض كون سبب الاضطرار هو نفس المالك أو أمر آخر غير اختياري - كآفة سماوية - فلا ضمان، وأما مع فرض أنَّ السبب شخص آخر فمع تساوي الضررين فلا اشكال في ضمان ما يرتكبه المالك لرفع الاضطرار.
وكذا الحكم في فرض اختلاف الضررين بأن كان أحدهما أشد ضرراً على المالك من الآخر وفرض أنَّ المالك ارتكب الضرر الأخف، فإنَّ الغير يضمن ما ارتكبه المالك لرفع الضرر، وأما إذا ارتكب المالك الضرر الأشد فهل يضمنه الغير لأنه هو الحاصل خارجاً الذي كان الغير سبباً له لا الضرر الأخف لعدم وقوعه، أو يضمن الجامع بين الأخف والأشد، لأنَّ الغير إنما سبَّبَّ الى وقوع المضطر في أحد الضررين، وكان وقوعه في الأشد باختيار منه لا بتسبيب من الغير، أو يُفصَّل بين ما إذا كان المضطر عالماً بأشدية أحد الضررين أو احتمل ذلك احتمالاً معتداً به، فلا ضمان على الغير للضرر الأشد لأنه وقع باختيار المضطر، وبين ما إذا كان جاهلاً بأشدية أحدهما فإنه حكمه حكم صورة التساوي فيكون الغير ضامناً لما يرتكبه المالك، وجوه واحتمالات.
وأما في الفرض الثاني - أي حرمة أحدهما واباحة الآخر - من حيث الحكم الوضعي، فإذا فرضنا أنَّ المضطر ارتكب المباح كان الغير ضامناً له، وأما إذا ارتكب الضرر الحرام فلا يكون الغير ضامناً له لأنَّه لم يكن السبب في ارتكابه.
وأما في الفرض الثالث - أي حرمة كلا الضررين - فحكمه يكون بملاحظة الأهمية، فإذا تساوياً أو اختلفا فيها مع افتراض أنَّ المالك ارتكب الأخف فيكون الغير ضامناً لما ارتكبه المالك، وأما إذا اختار المالك الأشد ضرراً فلا يكون الغير ضامناً له لأنه ليس السبب في ارتكابه وإنما هو السبب في الوقوع في أحد الضررين.
ومقتضى القاعدة في هذه المسألة هو أن يكون الضمان للجامع لأنَّ التسبيب كان بلحاظ الجامع، فيُدعى في المقام بأنه ينطبق على ما يرتكبه المضطر أياً كان مع التساوي في الأهمية، وأما في حالة الاختلاف فإنَّ الجامع ينطبق على الأخف ضرراً والأضعف احتمالاً أو محتملاً فيكون الغير ضامناً له، وأما إذا ارتكب الأشد فلا يكون الغير ضامناً له لأنَّ ارتكاب الأشد لا يستند الى تسبيب الغير، وإنما يضمن بقدار الجامع لا غير.
وأما الصورة الثانية - أي دوران الأمر بين ضررين لشخصين - فهنا تارة يكون الحدث بفعل أحد المالكين، وأخرى يكون بفعل شخص آخر، وثالثة يكون بسبب عامل طبيعي خارج عن اختيارهما.
فقد يقال: بأنَّ الحكم الشرعي هو أن من يكون السبب يجب عليه إتلاف ماله وتخليص مال الآخر مقدمة لرده إليه، لأنه متى أمكن رد العين وجب ردها، وحينئذٍ لا تصل النوبة الى المثل والقيمة.
وأُجيب عنه: بأنَّ وجوب رد العين الى مالكها ضرري بالنسبة الى الآخر لتوقفه على اتلاف ماله، فيمكن التمسك بحديث (لا ضرر) لنفي وجوب رد العين، ولازمه ضمان المثل أو القيمة.
وقد يستشكل عليه: بأنَّ وجوب الرد ليس حكماً شرعياً حتى تشمله القاعدة وإنما هو حكم عقلي فلا تشمله القاعدة.
وجوابه: بأنَّ المنفي بالقاعدة ليس هو وجوب الرد وإنما هو حرمة التصرف في مال الغير، وهو حكم شرعي ضرري فتشمله القاعدة، ويتعين حينئذٍ الرجوع الى المثل أو القيمة.