47/08/05
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
كان الكلام في الوجه الثالث الذي استُدل به على عدم جريان القاعدة في مورد عدم الحكم الشرعي، وهو أنه يلزم من القول بالشمول تأسيس فقه جديد، ومثلوا له بلزوم إعطاء ولاية الطلاق للزوجة حيث يكون عدمه ضررياً لها.
وأجيب عنه: بأنَّ الضرري هو عدم الإنفاق على الزوجة - لا أصل الزوجية ولا عدم إعطاء الزوجة ولاية الطلاق - فيرتفع بالحديث ويثبت وجوب الإنفاق، ولا يلزم إعطاء ولاية الطلاق بيد الزوجة حتى يقال بلزوم تأسيس فقه جديد!
وقد يلاحظ على هذا الجواب: بأنَّ حديث (لا ضرر) لا يختص بالنقص في المال أو البدن، بل يشمل حتى الأضرار المعنوية كما تقدم، وفي المقام قد يقال بأن كون الزوجة في عصمة مثل هذا الزوج الممتنع من الانفاق يوجب لها ضرراً معنوياً، ودفع هذا الضرر عنها - مع عدم وجود منفق آخر بحسب الفرض - يكون بتخليصها من عصمته.
والصحيح في الجواب أن يقال:
لا يلزم من القول بالشمول لعدم الحكم تأسيس فقه جديد، وذلك لأنَّ جماعة من الفقهاء إلتزموا بذلك استناداً الى بعض النصوص، كما يمكن تصوير الفرض بصورة أخرى لا ترجع الى عدم الحكم، وذلك بأن نقول إنَّ حصر الطلاق بيد الزوج يكون ضررياً على الزوجة، وعليه لا يكون منوطاً بشمول القاعدة لعدم الحكم.
الوجه الرابع: هو أنَّ الضرر المنفي في الحديث هو الضرر المستند الى الشارع، وهذا يستوجب اختصاص النفي بما إذا كان الضرر مترتباً على ثبوت الحكم، وأما الضرر المترتب على عدم الحكم - كالضمان - فلا يستند الى الشارع فلا يكون منفياً بالحديث، وذلك باعتبار أنَّ الاستناد إنما يتحقق إذا كان الشارع سبباً في حصوله، وأما مجرد عدم الحكم فلا يوجب استناد الضرر إليه.
أو قل إنَّ الشارع لم يوجد ما يمنع من تحقق الضرر، وهذا لا يكفي في اسناد الضرر إليه، وهذا نظير عدم صحة اسناد الضرر الى من كان قادراً على منع السيل من الإضرار بمنزل شخص ولم يتصدَ لمنعه.
وفيه: إنَّ عدم الحكم من قبل الشارع مع كون الموقف يتطلب موقفاً وتدخلاً من قبله وبيان رأيه يكون مستنداً الى الشارع، وهو ضرري بحسب الفرض، فيكون مشمولاً للحديث، ومنه يظهر عدم صحة قياس الشارع بغيره، فإنَّ امتناع الشارع من الحكم بالضمان مثلاً مع تمكنه من رفع الضرر بالحكم به يكفي في استناد الضرر الناشئ من هذا العدم إليه لكونه مسؤولاً عن بيان وظيفة المكلف، وهذا الكلام جارٍ في كل مشرع، وبهذا يختلف المشرع عن غيره فإنَّ امتناع الغير عن دفع الضرر المتوجه الى زيد مثلاً مع قدرته على ذلك لا يوجب استناد الضرر إليه، ويشهد لذلك ما تقدم في مسألة الشفعة ومنع فضل الماء فإنه بناءً على صحة رواياتهما يكون الإمام (ع) قد طبَّق حديث (لا ضرر) على الشفعة لكونه ضررياً وأثبت حق الشفعة، وكذا طبَّقه على عدم منع فضل الماء فرفع هذا الجواز وأثبت عدم جواز منع فضل الماء.
ومنه يظهر أنه لا يبعد القول بشمول الحديث لعدم الحكم عندما يكون استناد الضرر الناشئ من عدم الحكم الى الشارع أمراً واضحاً.
التنبيه التاسع في تعارض الضررين، وفيه صور:
الأولى: ما إذا دار الأمر بين ضررين بالنسبة الى الشخص نفسه، كما إذا اضطر الى اتلاف أحد شيئين من مِلكه، ومثلوا له بما إذا دخل رأس دابته في قدره، فيدور الأمر بين ضررين بالنسبة إليه.
الثانية: ما إذا دار الأمر بين ضررين لشخصين ولم يمكن إلا بتحمل أحدهما الضرر، كالمثال السابق مع فرض تعدد المالك.
الثالثة: ما إذا دار الأمر بين تضرر شخص وبين الإضرار بالغير، كمن حفر بالوعة في ملكه فتضرر جاره، وهنا يبحث عن تعارض قاعدة السلطنة مع قاعدة (لا ضرر).
هذه هي الصور الأساسية في تعارض الضررين.
أما الصورة الأولى ففيها فروض:
فتارة يُفترض كون الضررين مباحين، وأخرى يُفترض أنَّ أحدهما مباح والآخر حرام كما إذا فرض في المثال السابق حرمة قتل الدابة، وثالثة يُفترض كونهما محرمين.
والكلام في جميع هذه الفروض تارة يقع بلحاظ الحكم التكليفي، وأخرى بلحاظ الحكم الوضعي فيما إذا كان السبب في الدوران أو الاضطرار شخص آخر.