47/08/04
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
كان الكلام في الوجه الأول الذي ذكره المحقق النائيني للاستدلال على عدم شمول القاعدة لعدم جعل الحكم إذا كان ضررياً، وحاصله هو أنَّ مفاد الحديث هو نفي الحكم الضرري، فهو ناظر الى الأحكام الثابتة بالأدلة العامة، وليس ناظراً الى عدم الحكم حتى يكون شاملاً له.
وأجيب عنه: بأنه غير صحيح لا على مبناه ولا على مبنى غيره في تفسير القاعدة، أما على رأي غيره - وهو نفي التسبيب الشرعي - فهو غير تام لصدقه في موارد عدم جعل الحكم الشرعي، ويمثل له بما لو منع الشارع الزوجة من الاكتساب إذا كان مزاحماً لحقوق الزوجية، ولم يجعل وجوب الانفاق على الزوج فيعتبر ذلك ضررياً وينتسب ذلك الى الشارع، فيتحقق التسبيب الى الضرر في مورد عدم الحكم الشرعي.
وأما على مبنى المحقق النائيني القائل بأنَّ مفاد الحديث هو نفي الحكم الضرري فلأنَّه لم يُذكر في الحديث لفظ (الحكم) أو (الجعل) حتى يختص بثبوت الحكم ولا يشمل عدم الحكم، غاية الأمر أنَّ الشارع بما هو شارع قد نفى الضرر فهو لا ينظر الى الأضرار التكوينية فلا يكون النفي نفياً تكوينياً وإنما يكون نفياً تشريعياً، وهو كما يناسب الضرر الناشئ من جعل حكم من الشارع كذلك يناسب الضرر الناشئ من عدم جعل الحكم من قبله.
الوجه الثاني: الذي ذكره المحقق النائيني هو دعوى أنه يلزم من الشمول للأحكام العدمية ثبوت الضمان في مثالي فرار الطائر وحبس الحر عن عمله، وهو يعني أنَّ الحديث يتكفل نفي الضرر غير المتدارك، وذلك باعتبار أنَّ الحكم بالضمان إنما هو لتدارك الضرر فتجري القاعدة لنفيه، وقد تقدم أنَّ الحديث لا يدل على وجوب تدارك الضرر الواقع في الخارج، بل يدل على نفي الضرر من قبل الشارع في عالم التشريع، نعم بناءً على مسلك الفاضل التوني في تفسير الحديث من أنَّ مفاده نفي الضرر غير المتدارك يمكن إثبات الضمان بالحديث في هذه الأمثلة، لكنك عرفت أنَّ هذا المسلك هو أردأ المسالك في تفسير الحديث.
والخلاصة: أنَّ الضمان في هذا الوجه هو تدارك للضرر وليس نفياً للضرر، والحديث ينفي الضرر ولا يثبت التدارك إلا على مسلك الفاضل التوني.
ويلاحظ عليه: أنَّ الضرر لا يختص بالمال أو البدن، بل يشمل الحقوق العقلائية الاعتبارية من قبيل حق الشفعة والحق في فضل الماء والمباحات العامة، فكما يعتبر نقص المال والعضو ضرراً كذلك يكون عدم اعطاء الحق الثابت للشريك في مثال الشفعة ضرراً فيكون منفياً، ويكون إعطاء الحق نفياً للضرر حقيقة، وعليه يكون الضمان في المثال من الحقوق العقلائية ويكون عدمه إضراراً بالمحبوس حقيقة ويكون منفياً بالقاعدة، ويكون الضمان نفياً للضرر حقيقة وليس تداركاً صرفاً.
ويضاف الى ذلك أنَّ ما ثبت بطلانه من مسلك الفاضل التوني هو تفسيره للحديث بنفي الضرر المتدارك، وأما تفسير الحديث بنفي الحكم الضرري مع تعميمه للأحكام العدمية فلا.
الوجه الثالث: أنه يلزم من القول بشمول الحديث لعدم الحكم تأسيس فقه جديد، كما في مسألة الطلاق، إذ يلزم على التعميم أن نرفع بالحديث عدم إعطاء ولاية الطلاق بيد الزوجة أو بيد الحاكم عندما يكون هذا العدم ضررياً، كما إذا امتنع الزوج من الإنفاق على زوجته، وإذا انتفى عدم إعطاؤها ولاية الطلاق فيثبت لها ولاية الطلاق، وهذا ما لا يلتزم به أحد.
وأجيب عنه: بأنَّ الحديث لا تثبت به ولاية الطلاق للمرأة أو الحاكم سواءً قلنا بالشمول أو بعدمه، وذلك باعتبار أنَّ الضرر ينشأ من أحد أمور ثلاثة إما من نفس الزوجية، أو من عدم كون الطلاق بيد الزوجة، أو من عدم الإنفاق، والأخير هو المتعين، والحديث على تقدير الشمول يشمله، فيجري لنفي هذا العدم وإثبات وجوب الإنفاق لرفع الضرر، فلا يلزم ما ذُكر من تأسيس فقه جديد.