الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

47/08/01

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

ثانياً: إذا فرضنا أنَّ الإقدام دوري - لتوقفه على عدم جريان القاعدة وتوقف عدم جريان القاعدة على الإقدام - فيلزم أن يكون عدم الإقدام دورياً أيضاً، لتوقفه على جريان القاعدة، والحال أنَّ جريان القاعدة موقوف على عدم الإقدام، فيلزم توقف عدم الإقدام على نفسه فيكون محالاً، وهذا يكشف عن خلل في أحد التوقفين على الأقل.

ومن هنا يظهر أنَّ الصحيح عدم صدق الإقدام على الضرر في مسألة الغبن، لا في حالة العلم بالغبن ولا في حالة الجهل به، كما أنه لا يصدق الإقدام في مسألة الجنابة، لأنه إنما أقدم على نفس الجنابة لا على الغسل الضرري، أما في حالة الجهل بأنَّ حكمها هو الغسل فعدم الإقدام يكون واضحاً، وأما في حالة العلم فلعدم الملازمة بين العلم وبين الإقدام.

التنبيه الثامن: ما ثبت بالقاعدة هو نفي الحكم الضرري، فهل يثبت بها وضع الحكم عندما يكون عدم الحكم ضررياً أو لا؟

ومثلوا لذلك بما إذا فتح شخص قفص طائر مملوك لشخص آخر فطار الطائر، فعدم الحكم بالضمان هنا ضرري، وكذا لو حبس حراً عن عمله حتى فات عليه، فهل يكون ضامناً لما فاته أو لا؟

ولابد من افتراض عدم صدق الإتلاف في هذين المثالين وإلا إستند الضمان اليه، وهذا يعني أنَّ القاعدة هل تجري لإثبات الحكم إذا كان عدمه ضررياً أو لا؟

هناك رأيان:

الأول: ما ذهب إليه جماعة منهم المحقق النائيني والسيد الخوئي، وهو عدم جريان القاعدة.

الثاني: ما ذهب إليه آخرون من جريانها لإثبات الحكم إذا كان عدمه ضررياً، منهم السيد الشهيد.

ويظهر من المحقق النائيني الاستدلال على ما ذهب إليه بوجوه:

الوجه الأول: أنَّ حديث (لا ضرر) ناظر الى ما ثبت بالعمومات من الأحكام الشرعية، وعدم الحكم ليس مجعولاً من الشارع حتى يُرفع عندما يكون ضررياً، فهناك قصور في الحديث لشمول موارد عدم الحكم.

ومقصوده أنَّ مجرد عدم الحكم في المورد القابل للحكم لا يمكن أن نعدَّه حكماً شرعياً حتى يرفع بقاعدة (لا ضرر).

وأُجيب عنه: بأنَّ ما ذُكر غير تام لا على مبناه في تفسير الحديث ولا على مبنى غيره.

أما على غير مبناه وهو من يرى أنَّ حديث (لا ضرر) مفاده هو عدم التسبيب الى إيقاع المكلف في الضرر، فما ذكره لا يكون تاماً لأنَّ هذا المفاد كما يصدق في موارد جعل الحكم كذلك يصدق في موارد عدم جعله إذا كان ضررياً، فإنَّ الضرر الذي يقع فيه المكلف ينتسب الى الشارع أيضاً، فيعتبر تسبيباً شرعياً لإيقاع المكلف في الضرر، فلا فرق بين المقامين على هذا المبنى.