47/07/29
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
كان الكلام في بيان الفرق بين المعاملة الغبنية - حيث فصَّل المشهور فيها بين العلم وبين الجهل - وبين مسألة الجنابة مع العلم بترتب الضرر على الغسل، حيث لم يُفصلوا بين صورتي العلم والجهل وقالوا بجريان القاعدة ونفي وجوب الغسل مطلقاً.
وأُجيب عنه: بالفرق بين المسألتين، ففي المعاملة الغبنية يصدق الإقدام على الضرر والمفروض عدم جريان القاعدة في صورة الإقدام على الضرر، وأما في مسألة الجنابة فلم يتحقق الإقدام على الضرر لأنه ليس في الجنابة التي أقدم عليها، وإنما هو في الغسل ولم يُقدم عليه.
نعم، لو ثبتَ أنَّ هذه الجنابة حكمها الغسل فقد أقدم على الغسل، لأنَّ المُقدِم على الموضوع عن عمد وعلم هو مقدم على حكمه، ولكن صدق الإقدام يكون دورياً فلا يتحقق الضرر، فلا تجري القاعدة، وتوضيحه:
إنَّ صدق الإقدام يكون موقوفاً على كون حكم هذه الجنابة هو الغسل، وكون حكم الجنابة هو الغسل يكون موقوفاً على عدم جريان القاعدة، وإلا لنفت وجوبه، وعدم جريان القاعدة موقوف على صدق الإقدام، فيتوقف صدق الإقدام على نفسه، وهو دور محال.
ويلاحظ على هذا الجواب:
أولاً: ما ذُكر فيه من تحقق الإقدام على الضرر في المعاملة الغبنية قد تقدم الكلام عنه وأنَّ فيه رأيان:
الأول: ينفي تحقق الإقدام على الضرر في صورة العلم بالغبن، وهذا الرأي يبتني على دعوى أنَّ المعاملة الغبنية مدلولها هو التمليك والتملك، وأما بقاء هذا المدلول في جميع الأزمنة - حتى في زمان صدور الفسخ من المغبون - فليس مدلولاً للمعاملة، وإنما هو مدلول الإطلاق على فرض ثبوته، وهذا يعني أنَّ الحكم الشرعي باللزوم ليس حكماً إمضائياً وإنما هو حكم تأسيسي من قبل الشارع، وعليه فلا يتحقق الإقدام على الضرر، لأنَّ الإقدام إنما هو على حدوث المعاملة وصحتها، وهو لا يراد رفعه بـــ (لا ضرر) لأنَّ المفروض أنَّ البيع الغبني صحيح لكنه غير لازم، والذي يراد رفعه - وهو البقاء أو اللزوم - لم يُقدم عليه المتعاملان، فلا مانع من شمول القاعدة له، فترفعه ويثبت الخيار في صورة العلم بالغبن كما هو الحال في صورة الجهل به.
الثاني: وهو يرى تحقق الإقدام، وهو يبتني على أنَّ المعاملة تدل بالمطابقة على إحداث المبادلة والتمليك والتملك، وبالدلالة الالتزامية تدل على الالتزام بالبقاء على ما صدر منهما، وأنَّ حكم الشارع باللزوم إمضاء لنفس ما أراده المتعاملان، وعليه يتحقق الإقدام على الحدوث وعلى البقاء.
لكن عرفت أنَّ الأقرب هو الرأي الأول، فالصحيح في مسألة الغبن هو عدم الإقدام على الضرر في حالة العلم بالغبن كما هو في الحالة الجهل به، فلا يصح أن يقال في الجواب أنَّ الفرق بين المسألتين موجود وهو الإقدام على الضرر في مسألة الغبن وعدمه في مسألة الجنابة.
وثانياً: ما ذُكر - من منع تحقق الإقدام في مسألة الجنابة لأنَّ الضرر موجود في الغسل لا في الجنابة وهو لم يُقدم على الغسل وإنما أقدم على الجنابة، نعم إذا ثبت أنَّ حكم الجنابة هو الغسل فالعالم أقدم على الغسل، لكن صدق الإقدام موقوف على أن يكون حكم هذه الجنابة هو الغسل وإلا لما تحقق الإقدام على الغسل الضرري، وكون حكم الجنابة هو الغسل موقوف على عدم جريان القاعدة وإلا لما كان حكمها الغسل، بل التيمم، وعدم جريان القاعدة موقوف على صدق الإقدام، إذن صدق الإقدام يتوقف على نفسه وهو دور، فيكون صدق الإقدام محالاً - فيه ملاحظتان:
الأولى: أنَّ المحال في باب الدور هو توقف الشيء على نفسه، وهو يكون برهاناً على بطلان أحد التوقفين، وليس برهاناً على عدم تحقق أحدهما.
والحاصل: أنَّ توقف الشيء على نفسه المحال يلزم من صحة كلا التوقفين، ويكفي لرفع هذا المحال بطلان أحد التوقفين، وفي محل الكلام الإقدام موقوف على عدم جريان القاعدة، لأنه مع جريانها لا يكون حكم الجنابة هو الغسل حتى يتحقق الإقدام عليه، وعدم جريان القاعدة يتوقف على الإقدام، وهذا ليس برهاناً على عدم تحقق الإقدام وإنما هو برهان على بطلان أحد التوقفين.