47/07/28
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
كان الكلام في الوجه الثاني من وجوه تخريج تفصيل المشهور في المعاملة الغبنية، والذي يرتكز على وجود شرط ضمني ارتكازي وهو انحفاظ المالية، وأنَّ العالم بالغبن بإقدامه يكون قد أسقط شرطه، فيثبت التفصيل.
والكلام يقع في كيفية دلالة تخلف الشرط الضمني على ثبوت الخيار؟
ذُكرت وجوه لتخريج ذلك:
الأول: دعوى أنَّ مرجع الشرط الضمني الى جعل الخيار لنفسه، فإذا اشترط المشتري ضمناً عدم الغبن رجع ذلك الى جعل الخيار لنفسه عند تخلف هذا الشرط، نظير اشتراط صفة معينة فيما يشتريه، فإنَّ مرجعه الى جعل الخيار لنفسه عند تخلف ما اشترطه.
وهذا الوجه كأنه يُرجع خيار الغبن الى خيار تخلف الشرط، وإرجاع خيار تخلف الشرط الى اشتراط الخيار في المعاملة.
الثاني: دعوى أنَّ البيع يشتمل على هذا الشرط الضمني الإرتكازي وأنَّ العرف يرى أنَّ تخلف هذا الشرط يوجب ضمانه، بمعنى أنَّ مقدار المالية الذي اشترط إنحفاظه في المعاملة يكون مضموناً على الغابن، وأن تداركه يكون بإعطاء الخيار للمغبون، وبذلك يرجع للمغبون الثمن بتمامه.
الثالث: دعوى أنَّ البيع يشتمل على الشرط الضمني الإرتكازي وأنَّ تخلف الشرط بنفسه يوجب حق الخيار بنظر العرف، وحينئذٍ لا حاجة الى توسيط الضمان كما في الوجه الثاني، ولا حاجة الى ارجاعه الى شرط الخيار كما في الوجه الأول.
والظاهر أنَّ أقرب هذه الوجوه هو الثالث، وذلك باعتبار أنَّ الأول فيه مؤنة إثباتية زائدة لم تفرض في محل الكلام ولا قرينة عليها، وهي أنَّ شرط انحفاظ مالية المال الضمني الإرتكازي موجود في كل معاملة، لكن إرجاعه الى شرط الخيار له عند تخلف الشرط بحاجة الى مؤنة إثباتية زائدة ولا يكفي فيها مجرد انحفاظ مالية المال.
كما أنَّ الوجه الثاني إذا كان المقصود به هو ضمان مقدار المالية الذي اشترط إنحفاظه في تلك المعاملة فجوابه أنَّ ضمان ذلك المقدار وتداركه يكون بإلزام الغابن برد المالية الى المغبون بأن يدفع إليه التفاوت، فله مطالبة الغابن بالتفاوت ولا موجب لثبوت الخيار له.
وأما الوجه الثالث فهو خالٍ من هذه المحاذير، وتوضيح ذلك:
أنَّ كل شرط في المعاملة يعني أنَّ الشارط يُعلق التزامه بالمعاملة على تحقق ذلك الشرط، وفي محل الكلام يرجع اشتراط انحفاظ المالية الى أنَّ الشارط يجعل التزامه بالبيع منوطاً بانحفاظ المالية فيما ينتقل إليه وإلا فلا التزام، وهو معنى الخيار، ومن الواضح أنه إذا أمكن تخريج ثبوت الخيار وحق الفسخ مباشرة فلا داعي لتخريجه على أساس توسيط الضمان، ولا على أساس اشتراط الخيار لنفسه.
ثم إنَّ المشهور - الذي ذهب الى أنَّ جريان القاعدة في المعاملة الغبنية مشروط بالجهل - في مسألة إذا أجنب الإنسان وكان الغسل عليه ضررياً ذهب الى أنه أنَّ وظيفته تنتقل الى التيمم، وإن كان عالماً بذلك وأقدم عليه متعمداً، ومن هنا يقال إنَّ فتوى المشهور في المعاملة الغبنية تنافي ما ذهب إليه في مسألة الجنابة، من أنَّ (لا ضرر) لا تجري لإثبات الخيار في المعاملة الغبنية في صورة العلم والعمد، وتجري في مسألة الجنابة؟!
والسؤال هو أنَّ القاعدة إذا كانت لا تجري في صورة العمد والعلم لأنه أقدم على الضرر وجب أن لا تجري في كلتا المسألتين، وإلا فينبغي أن تجري القاعدة في المسألتين أيضاً! فما هو الفرق بينهما؟
ويجاب عنه عادة بالفرق بين المسألتين، وهو أنه في البيع الغبني نفس البيع ضرر وقد أقدم عليه متعمداً، والمفروض أنَّ القاعدة مشروطة بعدم الإقدام على الضرر، وأما في مسألة الجنابة فالضرر ليس في الجنابة التي أقدم عليها متعمداً، بل الضرر في الغسل، وهو لم يُقدم عليه فتجري فيه القاعدة.