47/07/23
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
قلنا أنَّ الكلام في المعاملة الغبنية يرتبط بمعرفة أنَّ الحكم الشرعي باللزوم هل حكم إمضائي أو تأسيسي، وقد يقال أنَّه حكم إمضائي ويستند في ذلك الى الإطلاق من ناحية القيمة ومن ناحية الأزمان، فيشمل حتى زمان صدور الفسخ منه، ومعه يكون مقدماً على الضرر، فلا يستند الضرر الى الحكم الشرعي حتى يرفع بالقاعدة.
وفيه: أنَّ هذا الاطلاق إنما يمكن التمسك به إذا تمت مقدمات الحكمة فيه، وأهمها أن يكون المتكلم في مقام البيان من الجهة التي يراد التمسك بالإطلاق من ناحيتها، وليس واضحاً أنَّ المغبون العالم بالغبن عندما يُنشئ المعاملة يكون في مقام البيان من ناحية الأزمنة حتى زمان صدور إنشاء الفسخ منه، فإنَّ ما ينشؤه هو نفس ما ينشؤه غيره، وهو عبارة عن التمليك والنقل والانتقال، وليس واضحاً في هذا أنه في مقام بيان شمول هذا التمليك لجميع الأزمنة.
وبناءً عليه فالظاهر أنَّ الحكم باللزوم هو حكم شرعي تأسيسي، وأنَّ المغبون العالم بالغبن لم يُقدم على الضرر وإنما أقدم على أصل المعاملة، وإذا كان الحكم ضررياً فيرتفع بالقاعدة، ولا يثبت التفصيل المنسوب الى المشهور.
ومنه يظهر أنه إذا كان المراد بهذه الملاحظة منع الإقدام على الضرر فهي تامة، لأنَّ الحكم الشرعي باللزوم يكون تأسيسياً، وأما إذا كان المقصود بها هو إجراء القاعدة لنفي الضرر باعتبار أنَّ الضرر يتوقف على الحكم لا على الإقدام، فقد يقال بأنها لا تتم لأنه بعد فرض إقدام المغبون العالم بالغبن على الضرر ورضاه بما انتقل إليه - وإن كان أقل بكثير مما انتقل منه - فحينئذٍ لا مجال لجريان القاعدة، لأنَّ مفادها هو أن يكون الشارع هو السبب في الضرر، ومن الواضح أنَّ الحكم الإمضائي باللزوم من قبل الشارع في هذه المعاملة ليس تسبيباً الى الضرر، بل هو احترام لإرادة الانسان واختياره وتسلطه على ماله بالتنازل عنه بلا عوض أو بعوض أقل مما خرج منه، فلا يكون الضرر مترتباً على الحكم، فلا تجري القاعدة، ويتم قول المشهور بالتفصيل.
ويلاحظ عليه:
أولاً: إنَّ هذا الكلام مبني على افتراض الإقدام على الضرر وإنشاء اللزوم بحيث يكون حكماً إمضائياً، وأما إذا منعنا ذلك وقلنا أنَّ العالم بالغبن لا يُقدم على الضرر الناشئ من الزوم لأنه لا ينشئ اللزوم في المعاملة وبالتالي لا يكون الحكم الشرعي باللزوم إمضائياً وإنما يكون تأسيسياً، فإنه حينئذٍ يكون تسبيباً للضرر، فيكون حكماً ضررياً فتشمله القاعدة.
وثانياً: ولو تنزلنا وسلَّمنا أنَّ العالم بالغبن أقدم على الضرر، وسلَّمنا أنَّ الحكم الشرعي باللزوم هو حكم إمضائي، لكن المغبون وإن أقدم على الضرر وأنشأ اللزوم إلا أنه هذا وحده لا يترتب عليه الضرر إلا بإمضاء الشارع للزوم المنشأ بالمعاملة.
وبعبارة أخرى: إنَّ أي معاملة لا يترتب عليها الأثر إلا إذا أمضاها الشارع، وهنا حتى إذا فرضنا الإقدام على الضرر وإنشاء اللزوم فهذا كله لا أثر له في ثبوت اللزوم وترتب أثره عليه إلا إذا أمضاه الشارع، وهذا معناه أنَّ ما يترتب على اللزوم من الضرر إنما هو بسبب الحكم الشرعي ولو كان إمضائياً، فيكون هذا الحكم تسبيباً الى الضرر ويستند إليه الضرر فيشمله الحديث.
وأما ما يقال من أنَّ الحكم الشرعي باللزوم ليس تسبيباً الى الضرر، بل هو احترام لإرادة الانسان واختياره، ففيه: أنَّ الحكم الشرعي باللزوم وإن كان موافقاً لما أنشأه المغبون من اللزوم - بناءً على فرض الإقدام - إلا أنَّ مجرد الموافقة لا يعني عدم ترتب الضرر عليه وعدم كونه تسبيباً للضرر
وبعبارة أخرى: إنَّ المراد بالضرر في المقام هو الضرر الحاصل من إلزام المغبون بالمعاملة الغبنية وقبول ما انتقل إليه وإن كان أقل بكثير مما انتقل عنه، وعدم اعطائه الخيار لفسخ المعاملة، ومن الواضح أنَّ هذا الضرر يترتب على الحكم الشرعي الإمضائي كما يترتب على الحكم الشرعي التأسيسي.
هذا هو الوجه الأول لتوجيه فتوى المشهور.
الوجه الثاني: وهو أن يقال أنَّ الوجه في تقييد جريان القاعدة بالجهل بالغبن هو دعوى أنَّ العقلاء في معاملاتهم استقرت سيرتهم على حفظ مالية الأشياء مع تبدل أشخاصها، وهذا شرط ضمني ارتكازي في كل معاملة لا تكون مبنية على التسامح، فإذا تخلف هذا الشرط ثبت خيار تخلف الشرط للمغبون، وأما العالم بالغبن فباعتبار إقدامه على المعاملة الغبنية يكون قد أسقط هذا الشرط، وبذلك يثبت التفصيل الذي ذهب إليه المشهور.
ويلاحظ أنَّ هذا الوجه يُراد به إثبات الخيار للمغبون الجاهل بالغبن كحق له قابل للإسقاط والانتقال والإرث، في مقابل إثبات الخيار بقاعدة (لا ضرر) كحكم شرعي غير قابل لذلك، والكلام يقع في كيفية دلالة تخلف الشرط الضمني على ثبوت الخيار.