47/07/22
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
تتمة الكلام في المعاملة الغبنية:
كان الكلام في اشتراط المشهور الجهل بالغبن في جريان القاعدة وثبوت الخيار، فهل تجري القاعدة في صورة الجهل فقط؟
وحاصل الوجه الأول هو أنَّ العالم بالضرر يكون مقدماً عليه ومعه لا يستند الضرر الى الحكم الشرعي بلزوم المعاملة، وإنما يستند الى اقدامه على الضرر فلا تشمله القاعدة، وإنما تجري القاعدة إذا كان الحكم الشرعي هو الجزء الأخير من علة الضرر.
وانتهى الكلام الى الملاحظة الثانية عليه وحاصلها: إنَّ الضرر لا يتحقق بمجرد إقدام المغبون عليه وإنما يقع في الضرر إذا حكم الشارع باللزوم، وحكم الشارع مترتب على الإقدام على المعاملة، وهذا يعني أنَّ الحكم الشرعي باللزوم متأخر عن الإقدام على الضرر، فيكون هو الجزء الأخير من علة الضرر، فيكون مرفوعاً بالقاعدة ويثبت الخيار في صورة العلم بالضرر كما يثبت في صور الجهل به.
وهذه الملاحظة حتى تكون واردة على هذا الوجه لابد أن يراد بها أنَّ الضرر يترتب على الحكم الشرعي باللزوم، والمغبون العالم بالغبن لم يُقدم على الضرر الحاصل بسبب حكم الشارع باللزوم، وإنما أقدم على أصل المعاملة، وهو لا يترتب عليه الضرر إلا إذا حكم الشارع باللزوم، وعليه فهو لم يُقدم على الضرر الذي يحصل بسبب الحكم الشرعي وإنما وقع في الضرر بسبب الحكم الشرعي باللزوم.
والحاصل: إنَّ الضرر يترتب على الحكم الشرعي باللزوم وهو حكم تأسيسي، وليس إمضائياً حتى يقال أنَّ اللزوم قد أنشأه الشخص بالمعاملة الغبنية فيكون الضرر الناشئ من جهته قد أقدم عليه المغبون.
ومن هنا يظهر أنَّ صحة هذه الملاحظة وعدم صحتها يرتبط بتحقيق أنَّ الحكم باللزوم هل هو حكم شرعي تأسيسي لم يُنشأ في المعاملة، أو هو حكم إمضائي؟
فعلى الأول لا يتحقق الإقدام على الضرر في المقام كما ذُكر في الملاحظة، لأنَّ المفروض أنَّ الضرر يترتب على الحكم باللزوم، والمغبون لم يُنشئ اللزوم في المعاملة حتى يقال أنه أقدم على الضرر الناشئ من جهته، بل الضرر نشأ من الحكم الشرعي التأسيسي وهو لم يُقدم عليه.
وعلى الثاني يتحقق الإقدام لأنَّ الحكم باللزوم إمضائي، ومعناه إمضاء ما أُنشأ في المعاملة، وهو اللزوم، وحينئذٍ يكون الضرر الناشئ من جهته مما أقدم عليه، فلا يشمله الحديث.
قد يقال بالثاني، لأنَّ ما يُنشؤه المغبون في المعاملة الغبينة مع علمه بالغبن هو قطع علاقته بما يملكه ونقله الى الطرف الآخر، وهذا مطلق من حيث كون ما انتقل إليه أقل مما انتقل عنه بكثير أو عدم كونه كذلك، وكذا هو مطلق من ناحية الأزمنة الآتية، حتى زمان صدور إنشاء الفسخ منه، وبذلك يكون قد سدَّ على نفسه باب التخلص من الضرر، وهذا هو المراد من اللزوم.
إذن المغبون يُنشئ اللزوم في المعاملة بمقتضى اطلاق كلامه، وعليه يكون حكم الشارع باللزوم حكماً إمضائياً لجميع ما اشتمل عليه الإنشاء في هذه المعاملة.