47/07/21
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
المورد الثاني للإشكال هو المعاملة الغبنية، حيث نُسب الى المشهور القول بجريان القاعدة ونفي الحكم الضرري - أي اللزوم - وثبوت الخيار في صورة الجهل بالغبن، وأما في صورة العلم فلا تجري القاعدة، ولذا حكموا بعدم ثبوت الخيار لمن كان عالماً بالغبن.
وذكر الشيخ الأنصاري في المكاسب بأنَّ عمدة الدليل على خيار الغبن هو قاعدة لا ضرر[1] ، بتقريب أنَّ لزوم البيع الغبني فيه ضرر على المغبون فيكون مرفوعاً بالقاعدة، فيثبت الخيار.
والإشكال فيه: هو أنَّ هذا التقريب لو تم فلا يُفرَّق فيه بين العلم بالغبن والجهل به، لأنَّ موضوع القاعدة هو الضرر الواقعي وهو لا يوجب هذا التفريق.
وهناك وجوه للجواب عن هذا الاشكال:
الوجه الأول: ما أشار إليه الشيخ وذكره المحقق النائيني، من أنَّ البائع مثلاً إذا كان عالماً بالغبن فيكون قد أقدم على الضرر، ومعه لا يكون الضرر مستنداً الى الحكم الشرعي باللزوم، وإنما يكون مستنداً الى إقدامه على الضرر، ويكون الحكم الشرعي من المقدمات الإعدادية للضرر فلا يرتفع بالقاعدة، لأنَّ ما يرتفع بها هو الحكم الشرعي الذي يستند إليه الضرر استناد المعلول الى الجزء الأخير من علته.
ولوحظ عليه:
أولاً: إنَّ المشهور وإن ذكروا أنه يشترط في ثبوت الخيار جهل المغبون بالضرر لكنهم عللوا ذلك بكون المعاملة في صورة العلم بالضرر إقدام على الضرر، وهذا يعني أنَّ ما يراه المشهور هو عدم شمول الحديث لمورد الإقدام على الضرر لا عدم شموله لمورد العلم به، ومن الواضح أنَّ الإقدام على الضرر قد يكون مع العلم بالغبن وقد يكون مع الظن به أو احتماله، فيُقدِم على المعاملة حتى إذا كان فيها احتمال الضرر.
وبعبارة أخرى: أنَّ الإقدام على الضرر لا يلازم العلم بالضرر حتى يقال إنَّ المشهور يرى عدم شمول الحديث لمورد العلم بالضرر ويشترط في جريانه الجهل بالغبن، بل هو قد يكون مع عدم العلم بالضرر.
ثانياً: إنَّ الضرر لا يتحقق بمجرد الإقدام على المعاملة، بل يتحقق إذا حكم الشارع بلزوم المعاملة، وحكم الشارع هذا مترتب على الإقدام على المعاملة، فيكون الحكم باللزوم هو الجزء الأخير لعلة الضرر، فيكون مرفوعاً بالقاعدة ويثبت الخيار في صورة العلم كما يثبت في صورة الجهل.
واُشكل على هذه الملاحظة: بأنَّ الذي يثبت بذلك هو أنَّ الضرر يترتب على الحكم الشرعي، ولولا الحكم بالإلزام لما تحقق الضرر، لكن الكلام في الإقدام على الضرر وعدمه، فصاحب الوجه الأول يرى أنَّ المغبون أقدم على الضرر، فيكون الضرر مستنداً الى الإقدام لا الى الحكم الشرعي، ومعه لا يرتفع الحكم الشرعي بالقاعدة فلا يثبت الخيار، وأما صاحب الملاحظة فينكر الإقدام على الضرر في صورة العلم، وكأنه يقول إنَّ الضرر يترتب على الحكم الشرعي باللزوم، والمغبون العالم بالغبن لم يُقدم على الضرر الحاصل بسبب حكم الشارع باللزوم وإنما أقدم على أصل المعاملة، وهي لا يترتب عليها الضرر من دون ذلك الحكم الشرعي، وعليه فهو لم يُقدِم على الضرر الذي يحصل بسبب الحكم الشرعي وإنما وقع فيه بسبب الحكم الشرعي.