47/07/20
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
تقدم نقل رأي السيد الخوئي قده من أنَّ الحكم بالصحة في صورة الجهل بالضرر مبني على أحد أمرين تقدم ذكرهما، وأما التعليق عليه:
أما الأمر الأول فتام، أي أنَّ الإضرار بالنفس ليس حراماً مطلقاً، بل يكون حراماً إذا بلغ الى مرتبة الضرر البليغ، فإذا فرضنا أنَّ ما يُسببه الوضوء من الإضرار لا يبلغ هذا الحد فلا حرمة للإضرار، وبالتالي لا يحرم الوضوء، فلا مانع من صحة الوضوء من هذه الجهة.
نعم قد يُستدل على حرمة الإضرار بالنفس مطلقاً بوجوه:
الوجه الأول: الاستدلال بقاعدة لا ضرر، بتقريب أنَّ جواز الإضرار بالنفس من الأحكام الضررية فيكون منفياً بالقاعدة، فيثبت التحريم، فيكون الإضرار بالنفس محرماً مطلقاً، وهو المطلوب.
ويمكن المناقشة فيه: بأنَّ ما ذُكر يتم في الإضرار بالغير، لأنه حكم ضرري يترتب عليه إلحاق الضرر بالغير، وهو مستند الى الجواز الشرعي فيكون منفياً بالقاعدة، وأما جواز الإضرار بالنفس فهو ليس حكماً ضررياً لأنه لا يبعث الانسان على الإضرار بنفسه لأنه حكم ترخيصي، فإن أقدم الإنسان على الإضرار بنفسه فهو يستند الى الدواعي الخاصة الموجودة لديه لا الى الجواز الشرعي، فلا يكون مشمولاً للقاعدة، وعليه فالقاعدة لا تشمل جواز الإضرار بالنفس وإنما تشمل جواز الإضرار بالغير.
الوجه الثاني: الاستناد الى بعض الروايات من قبيل رواية طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (إنَّ الجار كالنفس غير مُضارّ، ولا آثم.)[1] وسندها تام.
وتقريب الاستدلال بها بدعوى أنَّ الرواية مسوقة لبيان حرمة الإضرار بالجار، أي كما يحرم الإضرار بالنفس يحرم الإضرار بالجار، فهي ظاهرة في المفروغية عن حرمة الإضرار بالنفس.
وفيه: احتمال أن يكون المراد من قوله (الجار كالنفس) أنَّ الانسان كما لا يُقدم على الإضرار بنفسه فلا ينبغي له إلحاق الإضرار بجاره لأنه بمنزلة النفس، وليس في ذلك دلالة على المفروغية عن حرمة الإضرار بالنفس حتى يُستدل بها على حرمة الإضرار بالنفس مطلقاً.
والظاهر أنه لا دليل على حرمة الإضرار بالنفس مطلقاً كما اتفقوا عليه، وهذا يعني أنَّ الأمر الأول الذي ذكره السيد الخوئي لتصحيح فتوى المشهور تام.
وكذا الأمر الثاني، أي أنَّ سراية الحكم من الإضرار بالنفس الى سببه غير ثابتة، بل صرحوا بأنَّ المتلازمين لا يجب أن يشتركا في الحكم.
والعمدة هو الأمر الأول، أي انكار حرمة الضرر الذي يسببه الوضوء عادةً، وعليه لا مانع من الحكم بصحة الوضوء في صورة الجهل بالضرر، حتى بلحاظ قصد القربة لأنَّ الجاهل بالضرر يتأتى منه قصد القربة.
والحاصل: أنَّ التزام المشهور بالصحة في صورة الجهل بالضرر ليس من جهة أنَّ المراد بالضرر في القاعدة هو الضرر المعلوم حتى ينافي ما ذكروه في موارد كثيرة من أنَّ الضرر يثبت مطلقاً في صورتي الجهل والعلم، بل من جهة وجود خصوصية في هذه الصورة تمنع من شمول القاعدة له، وهي أنَّ الضرر في صورة الجهل به لا يستند الى الحكم بوجوب الوضوء على ما تقدم بيانه مفصلاً.
وأما الاستدلال على عدم الشمول في صورة الجهل بالامتنان فيلاحظ عليه: أنَّ جهل المكلف بالضرر لا يستلزم أن لا يكون في نفي الحكم الضرري امتنان، مثلاً وجوب الصوم إذا كان ضررياً فهو منفي عن جميع المكلفين، وهذا النفي فيه امتنان، ولا يختص بصورة العلم بالضرر لإطلاق دليل نفي الضرر، وجهل المكلف بالضرر لا ينفي شمول القاعدة لصورة الجهل، وذلك لأنَّ المكلف يكون جاهلاً فإذا أتى بالصوم ثم تبين أنَّ فيه ضرر فحينئذٍ يحكم بفساد صومه استناداً الى القاعدة.