الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

47/07/17

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

الملاحظة الثانية - على الوجه الأول -:

أنَّ الاعتبار في دليل (لا ضرر) بكون الحكم بنفسه أو بمتعلقه ضررياً، ولا ينظر الى الضرر المتحقق في الخارج وأنه من أي سبب حصل، ومن الواضح أنَّ الوضوء مع كونه ضررياً إذا كان واجباً في الشريعة يكون ضررياً، ويصدق أنَّ الحكم الضرري مجعول في الشريعة، وهذا ما تنفيه قاعدة (لا ضرر).

ويمكن دفع هذه الملاحظة بأن نقول:

إنَّ المحقق النائيني لا ينظر الى الضرر المتحقق في الخارج، وإنما يلاحظ الحكم فإن كان ضررياً بنفسه أو بمتعلقه جرت القاعدة وإلا فلا، نعم حيث إنَّ الغرض من نفي الحكم الضرري هو رفع الضرر عن المكلف فلابد أن يكون الشمول لموردٍ محققاً لهذا الغرض، وهذا لا يكون إلا في حالة علم المكلف بالضرر، وأما في حالة الجهل فلا تترتب عليه هذه الغاية، فهناك قصور في شمول دليل القاعدة لمثل هذه الحالة.

الوجه الثاني: هو ورود الحديث مورد الامتنان، وهذا يعتبر قرينة على عدم شمول الحديث لصورة الجهل بالضرر، لأنَّ نفي الحكم عن الوضوء الضرري الصادر في حال الجهل يلازم فساد الوضوء والأمر بالتيمم، وإعادة الصلاة - لو فرض أنه صلى بهذا الوضوء - وهذا خلاف الامتنان فلا يشمله الدليل.

ويرد عليه: ما تقدم مما لاحظناه على الوجه الأول، وهو أنه يفترض أنَّ شمول القاعدة لموردٍ يقتضي الفساد، ويراد بهذا الوجه بيان قصوره عن اثبات الفساد في صورة الجهل لكونه خلاف الامتنان، مع أنَّ الصحيح أنه لا يقتضي فساد الوضوء أصلاً فلا يكون الحديث نافياً له.

هذا مضافاً الى أنَّ هذا الوجه وكذا الأول قد يلاحظ عليهما بأنهما يقتضيان اختصاص القاعدة بصورة العلم وعدم شمولها لصورة الجهل، وهذا لا يختص بالوضوء، بل لابد من تعميمه الى كل مورد من هذا القبيل كالغسل والقيام ونحو ذلك، والظاهر أنهم لا يلتزمون بذلك.

وتبين مما تقدم أنَّ الصحيح عدم تمامية ما استُدل به على أنَّ جريان القاعدة مشروط بعلم المكلف بالضرر، وأنها لا تجري مع الجهل، وعليه فهي تجري حتى في صورة الجهل بالضرر، وإنَّ جهل المكلف بالضرر لا يستلزم أن لا يكون في نفي الحكم الضرري امتنان، مثلاً وجوب الوضوء إذا كان ضررياً فهو منفي عن الأمة وفيه امتنان، ولا يختص هذا النفي بصورة العلم بالضرر لإطلاق دليله، وجهل المكلف بالضرر لا ينفي ذلك، غايته أنَّ المكلف إذا أتى به جاهلاً بالضرر ثم تبين كونه ضررياً فالحكم بفساده يكون على القاعدة، وليس على خلاف الامتنان.

لكن لو سلَّمنا الاشتراط وعدم جريانها في صورة الجهل فهل يكفي ذلك لإثبات صحة الوضوء الضرري أو لابد من اقامة الدليل على الصحة؟

الظاهر أنَّ الصحيح هو أنَّ عدم شمول الحديث للوضوء الضرري في صورة الجهل يكفي للحكم بصحته، لأنَّ عدم شمول القاعدة يعني عدم رفع الحكم بوجوب الوضوء في صورة الجهل، وهذا يعني شمول اطلاق الدليل لهذه الصورة، فيصح الوضوء لأنه مأمور به، لأنَّ القاعدة لا تنفي وجوبه ولا تنفي الأمر به بحسب الفرض.

وأما إذا أنكرنا الاشتراط وقلنا بجريان القاعدة في صورة الجهل، أي تجري مطلقاً، وقد عرفنا أنَّ جريان القاعدة لا يقتضي فساد الوضوء لأنه لا ينفي الصحة لأنها ليست حكماً ضررياً، لكنه هل يقتضي الصحة؟ الظاهر أنه لا يقتضي الصحة أيضاً، فكيف حكم المشهور بصحة الوضوء في هذه الحالة؟

قيل: أنَّ الحكم بالصحة في صورة الجهل بالضرر مبني على أحد أمرين:

الأول: إن الإضرار بالنفس ليس محرماً على إطلاقه إلا إذا بلغ حد التهلكة ونحوه، والإضرار الذي يسببه الوضوء ليس كذلك عادة فلا يكون حراماً.

الثاني: أن لا يكون النهي المتعلق بالعنوان التوليدي - أي الإضرار - متعلقاً بما يتولد منه، فالإضرار بالنفس حتى إذا كان محرماً - وإن لم يبلغ حد التهلكة - إلا أنَّ حرمته بناءً على ما ذُكر لا تسري الى الوضوء الذي يتولد منه الإضرار، فلا مانع من صحة الوضوء حينئذٍ وإن كان الإضرار المتولد منه محرماً.

وأما إذا قلنا بأنًّ الإضرار بالنفس مطلقاً حرام، وقلنا أن حرمة الاضرار تسري الى سببه التوليدي فيكون الوضوء حراماً فلا يقع صحيحاً، لأنَّ النهي في العبادات يقتضي الفساد.