الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

47/07/16

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

كان الكلام في التنبيه السابع الذي نبحث فيه أن جريان القاعدة هل يُفرّق فيه بين العلم بالضرر أو الجهل به، أو تجري مطلقاً؟

ومنشأ الإشكال هو أنهم استدلوا بالقاعدة على نفي الوجوب في باب الوضوء واشترطوا في جريانها العلم بالضرر، ومقتضى ذلك ثبوت بدله وهو التيمم، ولازمه الحكم بفساد وضوء المكلف إذا توضأ مع العلم بالضرر، بينما حكموا بصحة الوضوء مع الجهل بالضرر، وهذا يعني اشتراط العلم بالضرر في جريان القاعدة واختصاص الحكم بالفساد به.

وكذا حكموا بجريان القاعدة في المعاملة الغبنية وثبوت الخيار للمغبون واشترطوا في جريانها الجهل بالضرر، وأما إذا كان عالماً بالضرر وأقدم عليه فلا تجري القاعدة، والتزموا بعدم ثبوت الخيار له، وهذا يعني اشتراط الجهل بالضرر في جريان القاعدة.

وأما في سائر الموارد فحكموا فيها بجريان القاعدة مطلقاً، وهو على مقتضى القاعدة لظهور العناوين المأخوذة في الأدلة في أنَّ المراد منها هو واقعها من دون دخل للعلم أو الجهل بها، والكلام يقع في هذين الموردين المستَثنَين من القاعدة:

المورد الأول: ادُعي التسالم على صحة الوضوء مع جهل المكلف بكونه ضررياً، مع أنَّ مقتضى دليل (لا ضرر) هو رفع وجوب الوضوء، فيثبت بدله وتكون وظيفته التيمم.

تصدى جماعة من الأعلام للجواب عن ذلك، وذكروا أنَّ أخذ العلم في جريان القاعدة ليس من جهة أنَّ المراد بالضرر هو الضرر المعلوم، بل هو ناشئ من أحد وجوه:

الوجه الأول: أنَّ القاعدة ترفع الحكم الضرري والغرض منه هو رفع الضرر عن المكلف خارجاً، وإلا وقع المكلف في الضرر، وهذا إنما يُتصور في صور العلم بالضرر دون الجهل به، أما في صورة علم المكلف بالضرر فتحقق الغاية - وهي عدم وقوعه في الضرر - واضح، وأما في صورة الجهل بالضرر فرفع الحكم لا يكون قابلاً لرفع الضرر عن المكلف لجهله به واقدامه على الوضوء على كل حال، فلا تتحقق الغاية من رفع الحكم عنه، وعليه لا تجري القاعدة في صورة الجهل، ولا نافي حينئذٍ لوجوب الوضوء، ومن هنا حكموا بصحته.

والحاصل: إنَّ الحديث إنما يرفع الحكم إذا كان موجباً للضرر بحيث يستند الضرر إليه، وهو حاصل في صورة العلم بالضرر، وأما في صورة الجهل بالضرر فالحكم بوجوب الوضوء لا يستند إليه الضرر، بل هو ناشئ من جهل المكلف واعتقاده عدم الضرر، ولذا لو فُرض انتفاء الحكم في الواقع فإنَّ المكلف يقع في الضرر.

ولوحظ على هذا الوجه بملاحظتين:

الملاحظة الأولى: هذا الوجه كأنه يفترض أنَّ شمول القاعدة لموردٍ يقتضي الفساد، من دون فرق بين صورتي الجهل والعلم، ولأجله منع صاحب هذا الوجه من شمول القاعدة لصورة الجهل بالضرر، بينما الصحيح أنَّ شمول القاعدة للمقام لا يقتضي الفساد لأنَّ الحكم بالصحة يعني تحقق الطهارة الحدثية المعتبرة في الصلاة، وشمول القاعدة للمورد يقتضي الفساد إنما يصح إذا قلنا أنَّ القاعدة كما تنفي وجوب الوضوء كذلك تنفي صحته، فيترتب على جريانها فساد الوضوء، ولكن لا موجب لنفي صحة الوضوء لعدم كونها ضررية، وإذا كان جريان القاعدة لا يقتضي الفساد، فما هو الموجب لمنع جريانها لصورة الجهل، مع امكان تصحيح فتوى المشهور مع شمول القاعدة لصورة الجهل!