47/07/14
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
انتهينا الى أنَّ الحكومة بحسب رأي المحقق الخراساني ملاكها النظر، وهو إنما يتم عندما يكون النفي في الدليل الحاكم نفياً تركيبياً، وأما إذا كان نفياً بسيطاً فلا يستفاد منه النظر، وقاعدة (لا ضرر) من قبيل الثاني فلا يُستفاد منها النظر الى أدلة الأحكام الأولية حتى تكون حاكمة عليها، وعليه فالقاعدة إما هي ظاهرة في النفي البسيط أو هي غير ظاهرة في النفي التركيبي.
نعم النفي التركيبي يكون واضحاً في قاعدة (لا حرج) لأنها تنفي الأحكام الحرجية في الدين ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَیۡكُمۡ فِی ٱلدِّینِ مِنۡ حَرَجࣲۚ﴾ [الحج ٧٨] والنظر في اللسان واضح، وكذلك يكون واضحاً في قاعدة (لا ضرر) إذا بنينا على وجود كلمة (في الاسلام) في الحديث، فتكون ناظرة الى أدلة الأحكام الأولية أيضاً، لكن هذه الزيادة غير موجودة في الروايات المعتبرة لهذه القاعدة، ومن هنا قد يُشكك في الحكومة في محل الكلام، وبناءً عليه لابد من اقامة قرينة على الحكومة، والمدعى أنها أحد أمرين:
الأول: الامتنان الظاهر في وجود مقتضٍ للحكم الضرري، وأنَّ الضرر مانع منه، ولولاه لكان ثابتاً، وهذا مساوق للفراغ عن وجود الاقتضاء لتلك الأحكام الضررية لولا المانع.
الثاني: أن نضم الى القاعدة ارتكاز أنَّ المتكلم له شريعة وأحكام، فإنَّه حينئذٍ يُعوض كلمة (في الاسلام) فكأنه قال: لا ضرر من ناحية الأحكام الموجودة في شريعتي، وهذا ظاهر في الفراغ عن وجود الشريعة، ويكون مفاده أنَّ الشريعة ليس فيها حكم ضرري، وهذا ما يحقق النفي التركيبي.
ثم أنَّ المحقق الخراساني بعد أن ناقش في الحكومة ذكر أنَّ الوجه في التقديم هو التوفيق العرفي، وهذا مبني على دعوى أنَّ دليل (لا ضرر) ظاهر في كون الضرر علة للحكم أو مانع من ثبوته على الأقل، وحينئذٍ يوفق العرف بين دليل (لا ضرر) وبين الدال على ثبوت الحكم مطلقاً بحمل الثاني على بيان الحكم الإقتضائي وحمل الأول على بيان نفي الحكم الفعلي، فيرتفع التعارض فيما بينهما، ويتقدم دليل (لا ضرر) على أدلة الأحكام الأولية المثبتة للحكم في مرحلة الاقتضاء، وهذا نظير تقدم الحكم بالعنوان الأولي على الحكم بالعنوان الثانوي.
لا يقال: إنَّ ما ذكره يرجع في الحقيقة الى الحكومة!
إذ يقال: الظاهر وجود الفرق بين الحكومة وبين ما ذكره، لأنَّ الحكومة تقتضي رفع الحكم الضرري في عالم التشريع، بينما التوفيق العرفي لا ينفي الحكم في عالم التشريع، بل يحمله على بيان الحكم الإقتضائي.
هذا تمام الكلام في التنبيه السادس، وتبيّن أنَّ أقرب الوجوه للتقديم هو الحكومة.
التنبيه السابع: هل يُفرّق في جريان القاعدة بين علم المكلف بالضرر وبين جهله به، فيقال إنَّ القاعدة تجري عندما يكون المكلف عالماً بالضرر ولا تجري عندما يكون جاهلاً به، أو بعكس ذلك في بعض الموارد، أو لا يفرق بينهما؟
لا إشكال في أنَّ (الضرر) كسائر العناوين المأخوذة في الأدلة ظاهر في أنَّ المراد به هو واقعه من دون دخل للعلم به أو للجهل به، ومقتضى ذلك هو أن لا يُفرّق بين علم المكلف بالضرر أو جهله به، فتجري القاعدة وتنفي الحكم الضرري على كلا التقديرين، نعم الجاهل يكون معذوراً لكنه أمر آخر غير نفي الحكم الضرري.
هذا هو مقتضى القاعدة، وبالرغم من ذلك يظهر منهم الخلاف في ذلك في بعض الموارد، منها: باب الوضوء، فقد اشترط بعض الفقهاء علم المكلف بالضرر في جريان القاعدة، فلو توضأ معتقداً عدم الضرر ثم تبين كونه مضراً حُكِم بصحة الوضوء.
ومنها: المعاملة الغبنية، حيث اشترط جماعة في جريان القاعدة الجهل بالغبن، وأما إذا كان عالماً فلا يثبت له الخيار.
وهذا على خلاف مقتضى القاعدة، وفي موارد أخرى لم يفرقوا بين صورتي العلم والجهل بالضرر، من قبيل حفر البئر في ملكه إذا استلزم ضرراً على جاره، فتجري القاعدة ويمنع من حفر البئر في داره من دون فرق بين علم الجار بالضرر وبين جهله به.
ومن هنا يظهر أنَّ ما ذكروه في هذه الموارد الخاصة من الاشتراط على خلاف مقتضى القاعدة من كون الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية، ومن هنا يكون ما ذكروه في باب الوضوء من اشتراط العلم وفي باب المعاملة الغبنية من اشترط الجهل على خلاف مقتضى القاعدة، يكون هو مورد التساؤل ولابد من الجواب عنه.