47/07/13
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
كان الكلام في الوجه الرابع لتقديم قاعدة (لا ضرر) على أدلة الأحكام الأولية، وانتهينا الى مناقشة في أصل هذا الوجه، وحاصلها:
إنَّ أصل هذا الوجه مبني على تصور خاطئ، وهو أنَّ حديث (لا ضرر) له دلالتان، دلالة وضعية تدل على قضية مهملة وهي نفي الحكم الضرري في الجملة، وهي دلالة قطعية، وهي التي توجب تشكل العلم الإجمالي بأنَّ بعض أدلة الأحكام الأولية لا يُراد منها إطلاقها وعمومها، فلا تكون حجة في ظواهرها، فيقع التعارض بينها، ودلالة إطلاقية تعتمد على مقدمات الحكمة، وهي نفي الحكم الضرري مطلقاً، وهي غير قطعية، وعليه لا يمكن القول بحجية جميع ظواهر هذه الأدلة لأنه خلاف العلم الإجمالي، كما أنَّ القول بحجية بعضها دون البعض ترجيح بلا مرجح، وهذا يوجب تساقطها عن الحجية بلحاظ ظواهرها فيُرجع الى القاعدة في مادة الاجتماع، وهو المطلوب.
لكنه غير صحيح إذ لا يمكن القول بأنَّ حديث (لا ضرر) له دلالتان تصديقيتان جديتان، وإنما له دلالة تصديقية واحدة هي إما القضية المهملة أو المطلقة، فإن كانت القضية المهملة فهي وإن كانت توجب العلم الإجمالي وتساقط المطلقات والعمومات إلا أنه لا يمكن حينئذٍ الرجوع الى اطلاق (لا ضرر) لأنَّ المفروض عدم وجود الدلالة الإطلاقية في الحديث، وإن كانت الدلالة هي الإطلاقية فلا موجب لحصول العلم الإجمالي ثم التعارض والتساقط، فتدخل في التعارض مع هذه الدلالة الإطلاقية لقاعدة (لا ضرر) والنسبة بينهما هي العموم من وجه.
وعليه فلا يتم الوجه الرابع لأنَّ محذور اللغوية لا يستوجب تقديم أطلاق (لا ضرر) على جميع الأدلة العامة المثبتة للتكليف، إذ يكفي في دفعه الالتزام بتقديم (لا ضرر) على المطلقات، وأما العمومات فتُقدم على اطلاق القاعدة، وهذا لا يحقق المطلوب من تقدم القاعدة على جميع الأدلة المثبتة للتكليف.
الوجه الخامس: وهو الالتزام بالحكومة، وهو ما ذهب إليه الشيخ الأعظم والمحقق النائيني والسيد الخوئي وغيرهم، من أنَّ حديث (لا ضرر) حاكم على أدلة الأحكام الأولية ويتقدم عليها بالحكومة، وحينئذٍ لا تُلاحظ النسبة بينهما.
وتعرض الأعلام الى ما ذكره المحقق النائيني في المقام، حيث تعرض الى جملة من المباحث المرتبطة بالحكومة، منها معنى الحكومة، والفرق بينها وبين التخصيص، وأقسام الحكومة، والوجه في تقديم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم، وتعرض أخيراً الى محل الكلام، أي وجه تقديم (لا ضرر) على أدلة الأحكام الأولية.
ونحن في المقام نتعرض الى المطلب الأخير لكونه محل الكلام - وأما المطالب الأخرى فتُحال الى محلها من باب التعارض - فنقول:
قد عرفتَ أنَّ الأعلام الثلاثة وغيرهم ذهبوا الى أنَّ الوجه في التقديم هو الحكومة، ويظهر من المحقق الخراساني في الكفاية الاعتراض على ذلك، وذلك باعتبار أنه يرى أنَّ الملاك في الحكومة هو أن يكون الدليل الحاكم ناظراً الى مفاد الدليل المحكوم، وهو غير ثابت في محل الكلام.
وفُهم من كلامه أنه يرى اختصاص الدليل الحاكم بما إذا كان متعرِّضاً لحال الدليل المحكوم بالدلالة اللفظية المطابقية، كما لو قال: أعني كذا، أو اقصد كذا، أو أريد كذا، ولذا نفى الحكومة في محل الكلام.
وعلى تقدير صحة هذا الفهم فجوابه هو منع الاختصاص المذكور، وإنما الملاك في الحكومة هو النظر مطلقاً، بمعنى أن يكون الدليل متعرضاً الى مفاد دليل آخر سواءً كان بالنصوصية أو كان بظهور الحال، أي يكون متعرضاً له بدلالة العرفية، فدليل (لا ربا بين الوالد وولده) يُفهم منه عرفاً التعرض لأدلة تحريم الربا، وعلى هذا فلا يفرق فيه بين أن نختار في تفسير القاعدة الرأي المشهور - من أنَّ مفادها هو نفي الحكم الضرري - وبين أن نختار رأي المحقق الخراساني - من أنَّ مفادها هو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع -، فعلى كلا تقديرين يمكن تصور الحكومة، أما على رأي المشهور فباعتبار أنَّ مفاد القاعدة هو نفي الحكم الذي يستلزم الضرر، فتكون القاعدة متفرعة على فرض وجود أدلة للأحكام الأولية تقتضي الضرر.
وهكذا إذا قلنا برأي المحقق الخراساني، وذلك باعتبار أنَّ القاعدة تتصرف موضوع دليل الحكم الأولي، فهي تفترض وجود هذا الدليل، وهو معنى النظر.
نعم قد يُشكك في كون القاعدة ناظر الى أدلة الأحكام الأولية، وذلك ببيان أنَّ النظر إنما يكون في مورد النفي التركيبي دون النفي البسيط، وحيث أنَّ النفي في القاعدة بسيط فيُشكك في تحقق الحكومة، بيان ذلك:
فرق بين أن يقول الشارع: الأحكام التي شرعتها لا تكون ضررية، وهذا نفي تركيبي والنظر فيه واضح، وبين أن يقول: أنا لا أُشرع أحكاماً ضررية، وهذا نفي بسيط ولا دلالة فيه على وجود أحكام أولية تُثبت التكليف مطلقاً، وحينئذٍ يقال حيث أنَّ النفي في القاعدة بسيط فلا يمكن استفادة النظر منها.