1405/02/05
بسم الله الرحمن الرحیم

موضوع: کتاب الجهاد/ عقد المهادنة/ماهیته و شروط صحته
المقدمة الاولی: الهدنة لغة واصطلاحاً
أما لغة:
الهدنة اسم مصدر والمصدر الهدون بمعنی السکون و هدن أي سکن و یاتی متعدیا فیقال هدنه ای سکّنه و هادن بمعنی صالح و المصدر منه المهادنة بفتح النون.
قال الجوهری:
هدن يهدن هدونا: سكن. وهدنه، أي سكنه، يتعدى ولا يتعدى. وهادنه: صالحه، والإسم منهما الهدنة.[1]
وجاء في كتاب العین المنسوب إلی الخلیل بن احمد الفراهیدي:
المهدنة من الهدنة، وهو السكون. تقول، هدنت أهدن هدونا إذا سكنت فلم تتحرك.[2]
وقال ابن منظور في لسان العرب:
وأصل الهدنة السكون بعد الهياج. ويقال للصلح بعد القتال والموادعة بين المسلمين والكفار وبين كل متحاربين: هدنة، وربما جعلت للهدنة مدة معلومة، فإذا انقضت المدة عادوا إلى القتال.[3]
وفی معجم المقاييس
الهاء و الدال و النون: أُصَيلٌ يدلُّ على سكونٍ و استقامة.
وفی النهاية الصّلح و الموادعة بين المسلمين و الكفّار، و بين كلّ متحاربين. يقال: هَدَنْتُ الرّجل و أَهْدَنْتُهُ، إذا سكّنته، و هَدَنَ هو، يتعدّى و لا يتعدّى. و هَادَنَهُ مُهَادَنَةً: صالحه، و الاسم منهما: الْهُدْنَة.[4]
واما فی الاصطلاح
وقد عرفها الشیخ الطوسی (رحمه الله) قائلاً:
الهدنة والمعاهدة واحدة، وهو وضع القتال وترك الحرب إلى مدة من غير عوض.[5]
وعرفها صاحب الشرائع (رحمه الله) بقوله:
"الهدنة عقد لترك الحرب إلی مدة معینة." [6]
سوال و تنبیه
وهنا يُطرح تساؤل: هل تقييد الهدنة بمدة زمنية هو جزء من حقيقتها وماهيتها، أم أنه مجرد بيان لحكم شرعي من أحكامها؟ هناك احتمالان؛ تبنى الشهيد آية الله الإمام الخامنئي الاحتمال الأول مستنداً إلى أن الفقهاء أخذوا هذا القيد في التعريف الاصطلاحي، وهو ما يميزها عن عقد الذمة.
وهذا البیان صحیح إن التزمنا بان هذه الکلمة قد نقل فی الشرع الی معنی اصطلاحی والاحتمال الثانی أن یقال أن الهدنة استعمل فی معناه اللغوی و هذا القید بیان للحکم الشرعي ولیس لبیان اصطلاح جدید.
تنبیه: القول بدخول التوقیت فی المعنی الاصطلاحی أو عدم دخوله لایوثر فی الاستنباط بان یقال أن الهدنة بدون توقیت غیر صحیح لانه مخالف لحقیقة الهدنة وذلک لانها اصطلاح من الفقهاء و لم ترد فی خطابات الشرع من القرآن و الحدیث إذ اللفظ المعهود شرعاً هو “المعاهدة” التي لا تشترط فی حقیقتها التوقيت قطعا لانه اعم.
أما قوله “بغير عوض” معناه عدم اشتراط العوض لصحتها، وليس اشتراط “عدم العوض”، فهي تختلف عن عقد الذمة الذي يُشترط فيه العوض المالی أی اخذ الجزية؛ أما عقد الهدنة فیصح ببدل مالي وبدونه، كما سيأتي بيانه ان شاء الله.
المقدمة الثانية: الفرق بینها و بین العقود المشابهة
الهدنة و السلم من المعاهدات و العقود التي یوجب انهاء الحرب و ترک القتال و هناک عقود أخری ترتب علیها نتایج مشابهة أو یمکن أن یشتبه بها فلابد من بیان ما یمتاز بها عقد الهدنة عن سائر العقود المشابهة و هی
1. عقد الامان بالمعنی الاخص
2. عقد الجزية او الذمة
3. عقد الصلح
عقد الامان بالمعنی الاخص
إعلم أنه قد یقال عقد الامان و یراد به المعنی العام الشامل لقعد الذمة و الهدنة و الامان بالمعنی الاخص و فلابد من بیان الفرق الامان بالمعنی الاخص مع عقد الهدنة وقبل بیان جهة الفرق نقدم توضیحا حول عقد الامان.
قال المحقق الکرکی فی جامع المقاصد الأمان عبارة عن ترك القتال إجابة لسؤال الكفّار بالإمهال، کذا قال فی المنتهی.[7] [8]
ولكن الظاهر كما أفاده في «الجواهر»[9] عدم اعتبار السؤال فيه، ولا كونه على النفس والمال، بل هو علىٰ حسب ما يقع فيهما أو في أحدهما أو غير ذلك.
وكيف كان، فلا خلاف في مشروعيّته بيننا، بل عن «المنتهى» بين المسلمين،
ويدل علی مشروعیتها:
١ - قوله تعالىٰ: ﴿وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجٰارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّٰى يَسْمَعَ كَلاٰمَ اللّٰهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾[10] .
2. النبوی المعروف: الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ.تفصیل وسائل الشیعة إلی تحصیل مسائل الشریعة، جلد: ۲۹، صفحه: ۷۶
٢ – و ما ورد عن السكوني، عن الإمام الصادق عليه السلام: «قال: قلت له: ما معنىٰ قول النبيّ صلى الله عليه و آله: يسعىٰ بذمّتهم أدناهم؟ قال: لو أنّ جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين، فأشرف رجلٌ فقال: أعطوني الأمان حتّى ألقى صاحبكم واُناظره فأعطاهم أدناهم الأمان، وجبَ على أفضلهم الوفاء به).[11] [12] [13]
٣ - وخبر مسعدة بن صدقة، عنه عليه السلام: «أنّ عليّاً عليه السلام أجاز أمان عبدٍ مملوك لأهل حصنٍ من الحصون، وقال: هو من المؤمنين».[14] [15] [16]
و تمییزه عن عقد الهدنة فی جهتین
الجهة الاولی:
یفترق عقد الأمان عن الهدنة فی أنه یصح من احاد المسلمین لعدد محصور بخلاف الهدنة التي لاتصح الا من الامام و یمکن أن یشمل عامة المشرکین
قد صرّح جمع من فقهاء الإماميّة بأنّه يجوز أن يذمّ الواحد من المسلمين، وإن كان أدناهم آحاداً من أهل الحرب، عشرة فما دون، ولا يجوز أن يذمّ عامّاً لسائر المشركين
قال العلامة ره :لا يجوز عقد الهدنة و لا الذمّة بالجزية إلاّ من الإمام أو نائبه، أمّا عقد الأمان، فيجوز لآحاد الرعايا أن يؤمّنوا آحاد المشركين.[17]
قال صاحب الجواهر: و يجوز أن يذم الواحد من المسلمين و إن كان أدناهم كالعبد و المرأة لآحاد من أهل الحرب عشرة فما دون كما صرح به جماعة لما سمعته سابقا و لا يجوز أن يذم عاما لسائر المشركين و لا لأهل إقليم أو بلدان منه أو نحو ذلك، اقتصارا فيما خالف عموم الأمر بقتل المشركين كتابا و سنة على المنساق من الأدلة السابقة[18]
الجهة الثانية:
یمکن تخصیص الامان للمال او النفس فقط اما عقد الهدنة فلیس قابلا للتخصیص.
تمییز عقد الهدنة عن عقد الذمة
ذكر صاحب الجواهر[19] و غیره فروقا خمسة لتمییز عقد الهدنة عن عقد الذمة نشیر إلیها فیما یلي:
1- یجوز نقض عقد الهدنة مع استشعار الخیانة من قبل غیر المسلمین المعاهدین ولیس كذلك في عقد الذمة ای انها غیر قابلة للنقض بمجرد استشعار الخیانة.
2- عقد الذمة حق لأهل الكتاب ولذا یجب علی الإمام اجابتهم فيما إذا طلبوا ذلك و هذا بخلاف عقد الهدنة. فانها لیست حقا للكفار انما یجوز لامام المسلمین أن یتعاهد معهم اذا رای ذلك مصلحة للمسلمین.
3- عقد الذمة إنما ینعقد دائما علی عوض المسمی في هذا العقد بالجزیة بخلاف عقد الهدنة اذ لاتجب العوض فيها لذا قال العلامة الحلي(رحمه الله):
"يجوز مهادنتهم على غير مال اجماعا لأن النبى صلی الله علیه و آله هادنهم يوم الحديبية على غير مال و يجوز على مال يأخده منهم بلاخلاف."[20]
4- عقد الهدنة له مدة زمنیة محددة، بخلاف عقد الذمة فانها دائمة.
5- عقد الذمة انما ینعقد مع أهل الكتاب فقط، أما عقد الهدنة فيجوز عقده مع ای صنف من أصناف الكفار سواء مع أهل الكتاب أو غیرهم.
إلا أن الفرق الجوهري بین هذین العقدین كما ذكره الشهید آیة الله السید الامام الخامنه ای قدس سره هو أن عقد الهدنة تُعقد مع كيان كافر يتمتع بقدرة وشوكة مستقلة وموازية للمسلمين، بينما يُعقد عقد الذمة مع أهل كتابٍ غلبهم المسلمون وأسقطوا شوكتهم العسكرية، فاختاروا البقاء وممارسة حياتهم وفق دينهم تحت سلطة الدولة الإسلامية.[21] [22]
تمییز عقد الهدنة عن عقد الصلح
استعمل الصلح و الاصلاح فی القرآن الکریم فی الاصلاح بین المسلمین کقوله تعالی وان طائفتان من المومنین اقتتلوا فاصلحوا بینهما ... کقوله الصلح خیر وقوله تعالی ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾[23] .و ورد فی الحدیث الصلح جائز بين المسلمين، إلاّ ما حرّم حلالا أو حلّل حراما »[24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] اما بالنسبة الی اتفاق متارکة الحرب فقد ورد فی القرآن کلمة المعاهدة او السلم لا الصلح.
نعم قد یستعمل فی لسان الفقهاء الصلح بدل المهادنة.[34] [35] [36] إلا أن الاستعمال الأغلب والأدق هو الهدنة أو المهادنة.
هذا و هناک عقد الصلح في اصطلاح الفقهاء فهو من العقود الخاصة و یعرّف بانه هو التراضي و التسالم على أمر من تمليك عين أو منفعة أو إسقاط حقّ و غير ذلك[37] الظاهر أنه لا خلاف بين فقهاء الإمامية في أنه لا يشترط في صحة عقد الصلح سبق نزاع،[38] نعم قد یعالج به قطع التنازع ، ويختص عادةً بتسوية النزاعات الفردية بين شخصين، فلایشمل الاتفاق لانهاء منازعات جماعیة کالحروب. فیفترقان فی اختلاف المورد و المضمون.
المقدمة الثالثة: الأصل في الإسلام
المستفاد من القرآن و السنة هو أن الجهاد هو الأصل والأساس فی علاقاتهم مع الظالمین و الطواغیب فی العالم فالعمل به واجب لإقامة الدین فی العالم کله ورفع الفتنة (الشرک والظلم) قال تعالی ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير.﴾ نعم یجوز السلم و المساومة وقبول الهدنة و ترک الحرب ولکنه حالة عارضیة موقتة. کما یاتی بیانه فی هذا المقال فی مقام الاستدلال علی لزوم مراعاة المصلحة فی المهادنة.
هذا ولکن کونه اصلا لا یعنی فی نظرنا وجوب القیام بالجهاد کل عام مرة کما هو الرأی یالمعروف بین الفقهاء لزوم السعي الدؤوب لنشر الإسلام والدعوة إلى التوحيد واجتناب الطاغوت. و القتال و الحرب مع الکفار من الوسائل لتحقیق هذا الهدف احیانا لا دائما تحديد وقت اللجوء إلى القتال موكولٌ إلى نظر الإمام (ولي الأمر).
بعد معرفة هذه المقدمات یقع الکلام في أمور
الأمر الاول: أدلة مشروعية هذا العقد:
يمكن الإستناد لإثبات صحة و نفوذ عقد الهدنة من منظار الإسلام علی الأدلة التالية:
1- إجماع المسلمين علی جوازه.[39]
2- الأصول الكلية المستفادة من الآيات و الروايات الصحيحة الدالة علی لزوم الوفاء بالعقد.
3- الآيات الشريفة الواردة بخصوص عقد الهدنة و التعايش السلمي مع الكفار. ومن هذه الآيات:
أ: قوله تعالی ﴿وان جنحوا للسلم فاجنح لها و توكل علی الله انه هو السميع العليم.﴾[40]
﴿وَ إِن يُرِيدُواْ أَن يخَدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾[41]
ب: قوله تعالی ﴿إلّا الّذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاٌ و لم يظاهروا عليكم احداٌ فاتموا اليهم عهدهم الى مدتهم ان اللَّه يحب المتّقين.﴾[42]
د. وقوله تعالی: ﴿إلا الذین عاهدتم عند المسجد الحرام﴾[43] ...الآیة
فان الآيات الكريمة تدل علی لزوم الوفاء بمعاهدة الهدنة مع المشركين وكذلك الآية السابعة من سورة التوبة التي توكد نفس المضمون.
مناقشة في دلالة آیة و إن جنحوا
هذا قد اشکل فی دلالة قوله تعالی و إن جنحوا للسلم فاجنح لها علی مشروعية عقد الهدنة باشكالين
الأول: أنه اخص موضوعا من المدعی حیث أنها تدل علی جواز المیل للسلم عندما یجنح العدو لها فما لم یکن اقتراح و مبادرة من جانب العدو للسلم لایجوز المهادنة معه. لو سلمنا هذا المعنی فیتمسک بها فی خصوص مبادرة العدو للسلم و اما فی غیره من الموارد فیرجع الی سائر الأدلة
الثانی المراد من السلم هو ترک القتال فـعلا، دون قـرار ومواضعة بین الطرفین
یلاحظ علیه: أن الظاهر هو الاقدام علی عمل ایجابی فی سبیل ایجاد السلم لا رفع الید عن الحرب خصوصا مع الامر فی ذیل الآية بالتوکل
3- سيرة النبي (صلی الله عليه و آله): فانه (صلی الله عليه و آله) قد عقد معاهدات سلم متعددة مع المشركين و أهل الكتاب لاجل انهاء الحرب. كمعاهدته مع كفار قريش في الحديبية و مع اليهود في المدينة.
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله):
"لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لما نزل المدينة وادع اليهود كافة على غير جزية ، والموادعة والمهادنة شئ واحد، منهم بنو قريظة والنضير والمصطلق..."[44]
4- قول الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر حينما ولاه علی مصر «ولا تدفعنّ صلحا دعاك إليه عدوك ولله فيه رضى، فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمنا لبلادك.»[45]
الامر الثانی: الحکم الشرعي للهدنة[46]
اختلف الفقهاء فی الحکم الشرعی للمهادنة بعد الاتفاق علی أصل مشروعية الهدنة علی قولین:
القول الاول قد تکون جائزة و قد تکون واجبة.
ذهب صاحب الرياض و صاحب الجواهر و الفاضل المقداد و الشهید الثانی و غیرهم ا لی أن المهادنة قد تکون جائزةفان أصل وجود المصلحة مع توفر سائر الشرائط يوجب جواز الهدنة و قد تکون واجبة اذا كانت المصلحة واصلة إلی حد الضرورةكما اذا کان القتال مؤديا إلى ذهاب بيضة الإسلام وكفر الذّرية
قال فی الریاض:
"فتجب (أي الهدنة) في حال الضرورة والحاجة ولا مع عدمها وان جاز مع المصلحة كما صرح به جماعة ومنهم الفاضل المقداد في كنز العرفان وشيخنا في الروضة فقال: ثم مع الجواز قد تجب مع حاجة المسلمين إليها وقد تباح لمجرد المصلحة التي لا تبلغ حد الحاجة ولو انتفت، انتفت الصحة."[47] [48]
و قال صاحب الجواهر (رحمه الله): "فإن دعوى الوجوب على كل حال كدعوى الجواز كذلك في غاية البعد، فالتحقيق إنقسامها إلى الأحكام الخمسة." [49]
القول الثانی إنها جائزة ولاتکون واجبة علی بای حال
ذهب العلامة الحلي (رحمه الله) في المنتهی و التذكرة إلی عدم وجوبها بأية حال. وهو ظاهر الشرائع و التحریر.
قال في المنتهی: «والهدنة ليست واجبة على كل تقدير، سواء كان بالمسلمين قوة أو ضعف. لكنها جائزة.»[50]
واستدل ره بوجوه:
1. قد أشار رحمه الله إلی طائفتين من الأدلة، طائفة تأمر بالسلم و الإجتناب عن التهلكة بصورة مطلقة کقوله تعالی "ولاتلقوا بایدیكم إلی التهلكة" و الطائفة الأخری تأمر بالجهاد و الحرب مطلقا، و رأی أن الجمع بين هاتين الطائفتين من الأدلة هو الحكم بالتخيير بين الحرب و الصلح إذا كان في الصلح مصلحة.
2. استدل (رحمه الله) بقيام الإمام الحسين عليه السلام حيث اختار طريق الجهاد مع الأعداء والمنحرفين مع وجود المصلحة في الصلح في الظاهر الظاهر أن استدلاله بقيام الإمام الحسين عليه السلام مبنی علی أنه إن کان ترك الهدنة و اختیار الجهاد فيما لم یكن الغلبة علی العدو مقدورا في الظاهر جائزا یكون لا محالة ترجیح الجهاد علی الهدنة فيما یكون الغلبة علی العدو ممكنا جائزا قطعا، فلاتكون الهدنة واجبة بحال الأحوال
3. و كذلك بتوجيه النبي (صلی الله عليه و آله) نفرا من اصحابه إلی هذيل فقاتلوا حتی قتلوا ولم ينجوا منهم إلّا رجل واحد فإنه أسر وقتل بمکة.[51]
مناقشة أدلة العلامة (رحمه الله) لإثبات الجواز أی عدم الوجوب
لابد من الإنتباه إلی أن استدلاله بقوله تعالی "ولاتلقوا بایدیكم إلی التهلكة" و كون هذه الآیة معارضة مع إطلاق آیات الجهاد قابل للمناقشة لأن کون تشریع الجهاد مبنیا علی التضیحة وعلی بذل المال و النفس في سبیل الله، دلیل علی أن آیات الجهاد حاكمة علی النهی من القاء النفس إلی التهلكة. وإلّا یلزم أن یكون الفرار من الزحف في صورة خوف الهلاك جائزا أیضا مع أنه غیر جائز.[52]
واستدلاله بخروج الحسین علیه السلام أیضا مخدوش بما یلی:
لادلیل علی کون مشروعیة هذا الخروج بحد الجواز والتخییر بین الجهاد والهدنة، اذ لعل خروجه علیه السلام كان واجبا و متعینا. لأن خروجه علیه السلام کان في زمان واجه الدین فيه خطر الإنحراف عن مسیره الأصلی الذي وضع علیه، وكان یخاف لو لم یخرج الإمام علیه السلام أن یقع الإنحراف في الدین مما یوجب تغییر مصیر الإسلام و المسلمین. وعلی هذا كان في خروجه مصلحة و ضرورة عظیمة لایمكن تحصیله بشیئ آخر أبدا. وأدلة جواز الهدنة منصرفة عن هذه الصورة أي لاتشملها. نعم تشخیص وجود هذا النوع من الضرورة في كل زمان من وظائف الإمام المعصوم علیه السلام أو نوابه.
و استدلاله ببعث النبی ص عدة من اصحابه الی أن قتلوا فلعل أن الهدنة لم یعد بامکانهم
فالصحیح هو القول المشهور من كون الهدنة جائزة تارة واجبة تارة أخری ومحرمة ثالثة بلحاظ اختلاف المصالح.
الأمر الثالث: شرائط صحة عقد الهدنة:
قد ذكر الفقهاء شروطا لصحة عقد الهدنة نذكر الأهم منها باختصار:
اشتراط تولی الامام الهدنة
من المسلم فقهیاً أن المتولی لعقد الهدنة هو الامام علیه السالم او من یقوم مقامه و لایصح أن یتولیه غیر الامام علیه السلام
قال فی الجواهر
لا يتولّى] عقد الذمّة و لا عقد [الهدنة على العموم و لا لأهل البلد] الكبير [و] لا [الصقع] أي الناحية [إلّا الإمام عليه السلام أو مَن يقوم مقامه] في ذلك، كما صرّح به غير واحد، بل في المنتهى: «لا نعلم فيه خلافاً» بل عنه أيضاً: «الإجماع على عدم جواز مهادنة أحد من الرعيّة بلداً أو صقعاً». قلت: لا كلام في أنّ ذلك من وظائف الإمام عليه السلام، إلّا أنّ الظاهر قيام نائب الغيبة مع تمكّنه مقامه، بل لا يبعد جريان الحكم على ما يقع من سلطان الجور المعدّ نفسه لمنصب الإمامة. و لعلّ التقييد بالعموم و أهل البلد و الصقع للاحتراز عن ذمام آحاد المسلمين لآحاد المشركين، بل و للبلد الصغير.[53]
من المعلوم أنّ أمر الحرب و الجهاد بيد وليّ الأمر هكذا الكلام في المهادنة، فإذا كانت شرائط جوازها متحقّقة فأمر المهادنة أيضا بيده
يعقدها هو بنفسه أو من يأذن له فيه أو من كان قصد نصبه لأمر الجهاد.[54]
فامر المهادنة مع الكفّار موكول إلى وليّ الأمر إثباتا و نفيا، فعقده للمهادنة واجب الاتّباع و ليس لغيره أن يعقد الهدنة مع الأعداء، اللّهمّ إلاّ أن يكون مأذونا من قبله. وفي «الرياض»[55] : (بلا خلافٍ أجده)، وفي «المنتهى»[56] : (لا نعلم فيه خلافاً).
و یمکن الاستدلال علیه بوجوه
الوجه الاول:
إن تجويزه من غير الإمام يتضمّن إبطال الجهاد بالكليّة أو إلىٰ تلك الناحية، إذ ما من حرب الاّ وبعض الناس یرجحون إنهائه والمهادنة مع العدوّ فیها.
الوجه الثانی:
أنّ لازم توکیل أمر القتال إليه خاصّة أن يكون أمر الصلح أيضا مختصّا به موكولا إليه، و ذلك أنّه إذا كان أمر الصلح أيضا موكولا إلى وليّ الأمر فلا يلزم محذور، و أمّا إذا كان لغيره أيضا حقّ إنشاء عقد المهادنة مستقلاّ لزم إذا أقدم هذا الغير بعقد الهدنة - و المفروض أنّه عقد صحيح لازم التبعية - أن لا يكون لوليّ الأمر الإقدام بالقتال و هو في معنى عدم وكول أمر القتال إليه خاصّة، وبالجملة لازم اختصاص أمر القتال بوليّ الأمر أن يختصّ به أمر الهدنة أيضا، فأدلّة توکیل أمر القتال إليه تدلّ بالملازمة على أنّ أمر الهدنة أيضا موكول إليه.
ومما یدل علی أن امر القتال موکول الی الامام:
ما رواه الصدوق في عيون الأخبار بإسناده المعتبر إلى الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السّلام فيما كتبه إلى المأمون قال: و الجهاد واجب مع الإمام العدل[57] [58]
ومنها ما رواه في الكافي بسند معتبر إلى أبي حفص الكلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ بعث رسوله بالإسلام إلى الناس عشر سنين، فأبوا أن يقبلوا حتّى أمره بالقتال، فالخير في السيف و تحت السيف، و الأمر يعود كما بدأ.[59] [60]
ومنها ما عن تحف العقول عن أمير المؤمنين عليه السّلام في وصيّته لكميل بن زياد قال: يا كميل لا غزو إلاّ مع إمام عادل.[61]
و منها ما رواه الكليني و الشيخ رحمهما اللّه عن الكليني بسند معتبر إلى بشير الدهّان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت له: إنّي رأيت في المنام أنّي قلت لك: إنّ القتال مع
غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير، فقلت لي: نعم هو كذلك، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: هو كذلك هو كذلك».[62] [63] [64]
ومنها موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لقي عبّاد البصري عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما في طريق مكّة فقال له: يا عليّ بن الحسين تركت الجهاد و صعوبته و أقبلت على الحجّ و لينته! إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: ﴿إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرٰاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللّٰهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بٰايَعْتُمْ بِهِ وَ ذٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[65] ، فقال له عليّ بن الحسين عليهما السّلام: أتمّ الآية، فقال﴿: اَلتّٰائِبُونَ الْعٰابِدُونَ الْحٰامِدُونَ السّٰائِحُونَ الرّٰاكِعُونَ السّٰاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النّٰاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الْحٰافِظُونَ لِحُدُودِ اللّٰهِ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[66] فقال عليّ بن الحسين عليهما السّلام: إذا رأينا هؤلاء الّذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحجّ».[67] [68]
و احادیث اخری مذکورة فی محلها
الوجه الثالث:
قوله تعالى: ﴿وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهٰا﴾[69] و ذلك أنّ المخاطب بأن يجنح و يصير إلى الهدنة هو النبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه و آله الّذي كان وليّ أمر الامّة، و حيث إنّ العقلاء أنفسهم يرون في الولايات الخارجية بينهم وكول أمر الصلح أيضا إلى وليّ الأمر فيفهمون من الآية المباركة أنّ اللّه تعالى و شرع الإسلام أيضا أعطى هذا المقام لوليّ أمر المسلمين.
الوجه الرابع:
قول أمير المؤمنين عليه السّلام في عهد مالك: و لا تدفعنّ صلحا دعاك إليه عدوّك و للّه فيه رضا، فإنّ في الصلح دعة لجنودك و راحة من همومك و أمنا لبلادك .[70]
و دلالته على أنّ لمالك قبول الصلح و إنشاء عقده مع العدوّ واضحة، بل لا يبعد دعوى دلالة نهيه عليه السّلام له عن دفع الصلح أنّ أمر دفعه أيضا خارجا بيده فنهاه أن يدفعه إذا كان للّه فيه رضا، فبهذا اللحاظ يكون كلامه هذا دالاّ على كلتا جهتي المطلوب و تفويض أمر الصلح إثباتا و نفيا إليه.
ثمّ إنّ ما مرّ من تصدّي النبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه و آله لأمر إنشاء عقد الهدنة مع مشركي مكّة عند الحديبية موافق لما نحن بصدده كما لا يخفى.[71]
الوجه الخامس:
أنّه مقتضى ثبوت الولاية على الامّة لوليّ أمرهم، فإنّ مقتضاها أن يكون المهامّ من امورهم الاجتماعية موكولة إلى وليّ أمرهم فإنّه لا معنى لولاية أمر أمّة قيد إلاّ أنّ إلى وليّ الأمر تدبیر البلاد فی الحرب والسلم و هذا اقل مرتبة الاقرار بالولایة بل هو من الامور الحسبية التی یعترف بها جمیع العقلاء
و يشير إلى هذا الوجه ما ذكره العلاّمة في التذكرة في مقام الاستدلال لاشتراط صحّة عقد الصلح بتولية الإمام بقوله: لأنه من الامور العظام لما فيه من ترك الجهاد على الإطلاق أو في جهة من الجهات، و لأنه لا بدّ فيه من رعاية مصلحة المسلمين و النظر لهم و الإمام هو الّذي يتولّى الامور العامّة .
فمن یری ولایة الفقیه بالنسبة الی الجهاد الابتدائی فیتمسک لولایته علی الهدنة بالاولوية القطعية. ومن لایراه ذلک کصاحب الجواهر فقد تسمک بادلة ولایة الفقیه لاثبات ذلک اما ثبوته لسائر السلاطین و الامراء غیر الواجدین لشرائط الولاية و النیابة العامة قد یظهر من بعض الفقهاء کصاحب الجواهر ثبوت الولاية له علی ذلک وللبحث عنه مجال آخر.
الوجه السادس
إن مداخلة غیر الولی فی هذا الامر الخطیر یوجب اخلال النظام و الهرج والمرج فی البلاد وزوال الامن
هل المهادنة فی الجهاد الدفاعی موکول الی الامام او نائبه الخاص او العام
من المسلم أن الجهاد الدفاعی یفترق عن الجهاد الابتدائی فی امور
منها أنه انما یجب علی الطوائف الخاصة
ومنها أنه لابد من بدء الدعوة
و منها لایجب فی السنة الا مرة واحدة
ومنها أنه ذهب بعض الفقهاء الی اشتراطه بحضور المعصوم او من نصبه بالخصوص
و لکن یشترکان فی جهات
منها أنه یجب رعاية امر سلطان المسلمین فی کیفیته
و منها أن الهدنة فیها ایضا بامر الامام او الفقیه الولی
ومنها أن المقتول فیه ایضا شهید له حکمه
و هذه قضایا ادلتها عقلية واضحة لایحتاج الی تکلف الاستدلال و یکفی فی ذلک أن الجهاد الدفاعی ایضا من أهم شوون الولاية قد یتوقف حفظ بیضة الاسلام علی اطاعة الامام ع فیه علی أن اطلاقات ادلة الجهاد و الهدنة تشمل الجهاد و الهدنة فی غضون الجهاد الدفاعی ایضا.
إشتراطه بالمصلحة:
یشترط فی صحة عقد الهدنة وجود المصلحة فیها. وهذا الشرط ثابت باتفاق الفقهاء[72] [73] [74] [75] [76] و قد ذكرنا أن أصل وجود المصلحة یوجب مشروعیة و جواز الهدنة و في صورة وصول المصلحة إلی حد الضرورة تكون الهدنة واجبة متعینة. إذ من الواضح أن للمصالح مراتب مختلفة من جهة الأهمیة فلابد للإمام من تشخیص وجود المصلحة أو عدمها ثم اختیار الصلح مع العقد أو بدونه أو الحرب.
نعم موارد المصلحة ومراتبها غیر منحصرة فيما ذكره الفقهاء[77] وقد ذکرو الموارد التالية
1. ضعف المسلمین عن المقاومة فينتظر الإمام استعادة قوتهم
2. أو رجاء استسلام المشرکین وإسلامهم،
3. أوبذل الجزية منهم والإلتزام بأحكام الإسلام،
4. أو كون القتال مؤديا إلى ذهاب بيضة الإسلام وكفر الذرّية.
بل تختلف باختلاف الظروف و الأزمنة فيجوز بملاحظتها عقد الهدنة مع الكفار. ومنها علی سبیل المثال
منها إقامة الحجة علی القریب والبعید من أن النـظام الإسلامی لیس راغبا للحرب فی جمیع الظروف بل یرغب فی السلم اذا تحقق شروطه ومنها دفع شر أعداء آخر المترصدین للفرصة للهجوم علی المسلمین فیخافون من شن حرب علیه لتحقیق أطماعه، و غیر ذلک من المصالح یعرفه الذی بیده أمر الجهاد و السلم.
الدلیل علی اشتراط المصلحة فی الهدنة وجوه:
الوجه الاول:
إن الهدنة من موارد إعمال الولایة ومن المعلوم أن اعمال الولاية مشروطة فی کل شوونها بالمصلحة فالولایة غیر نافذة في صورة عدم رعایة المصلحة ولافرق من هذه الجهة بین عقد الهدنة و الجهاد الإبتدائی فعلی ولي المسلمین مراعاة مصلحة المسلمین و الإسلام في إعلان الصلح أو الحرب.
الوجه الثانی:
أنه من المسلم فقهیا أن الأصل في الإسلام هو الجهاد، تدل علیه آیات کثیرة ندرسها فی ضمن طوائف
1. ما تدل علی وجوب الجهاد الابتدائی کقوله تعالی
﴿فإذا انسَلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾.[78]
فان الآیة الكریمة تدل علی وجوب القتال مع المشركین في كل سنة مرة واحدة علی الأقل.[79] [80] وذلك لان الأمر بالجهاد انیط بانسلاخ الأشهر الحرم فيكون الحكم فعلیا كلما صار الموضوع أي انسلاخ الأشهر الحرم فعلیا و یتكرر بتكرره.[81] ولا یرد علی هذا البیان أن استفادة وجوب الجهاد من هذه الآیة متوقف علی دلالة الأمر علی التكرار كی یقال أن التحقیق عدم دلالته علی ذلك.
وقوله تعالی: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾.[82]
وقوله تعالی: ﴿کتب علیکم القتال وهو کره لکم وعسی أن تکرهوا شیئا و هو خیر لکم...﴾[83]
وقوله تعالی: ﴿انفروا خفافا وثقالا و جاهدوا باموالکم و انفسکم فی سبیل الله ذلکم خیر لکم ان کنتم تعلمون﴾.[84]
2. الآیات التی ترغب و تحث علی أصل الجهاد في سبیل الله:
كقوله تعالی:
﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾.[85]
و قوله تعالی: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾[86]
وقوله تعالی﴿: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا﴾.[87]
وقوله تعالی: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين.﴾ [88]
وقوله تعالی: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم﴾.[89]
وقوله تعالی: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن یترکم أعمالکم﴾[90]
وقوله تعالی: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين﴾[91]
الآیات التي تدل علی وجوب الدفاع:
كقوله تعالی: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾[92]
وقوله تعالی: ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا﴾[93]
وقوله تعالی﴿: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير﴾[94]
وقوله تعالی: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾[95]
وقوله تعالی: ﴿أذن للذین یقاتلون بانهم ظلموا وان الله علی نصرهم لقدیر﴾.[96]
وقوله تعالی ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع ...
الآیات التی تدل علی أن التخلف عن أمر النبی صلی الله علیه و آله بالجهاد و الفرار منه محرم شرعا:
كقوله تعالی: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون﴾.[97]
وقوله تعالی: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾.[98]
وقوله تعالی: ﴿یا أیّها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾. [99]
والآیة التی بعدها.
وقوله تعالی: ﴿فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون﴾.[100]
وقوله تعالی: ﴿وَيَستَأذِنُ فَريقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَورَةٌ...﴾[101]
والآیات الأخری الناهیة عن الفرار عن الزحف و الإستئذان لترك القتال و أمثلتها في القرآن الكریم كثیرة.
وقد افتی علی وجوب الجهاد علی اساسها الفقهاء
قال الشیخ الطوسی:
"وعلى الإمام أن يغزو بنفسه أو بسراياه في كل سنة دفعة حتى لا يتعطل الجهاد."[102]
و قال العلامه الحلی:
"وأقل ما يفعل الجهاد في كل عام مرة واحدة."[103]
وهذا مختار الحنفیة والمالکیة والشافعیة والحنبلیة
وقال ابن عابدين:
فيجب على الامام أن يبعث سرية إلى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين، وعلى الرعية إعانته إلا إذا أخذ الخراج، فإن لم يبعث كان كل الاثم عليه.[104]
و جاء فی مختصر خليل:
الجهاد في أهم جهة كل سنة، - وإن خاف محاربا- كزيارة الكعبة فرض كفاية...[105]
وقال محيى الدين النووي:
( وأما ) الامام فيلزمه الغزو بالناس بنفسه أو بسراياه كل سنة مرة الا أن تدعو حاجة إلى تأخيره.[106]
وقال ابن قدامه فی المغنی:
"وأقل ما يفعل (أی الجهاد) مرة في كل عام، لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام وهي بدل عن النصرة فكذلك مبدلها وهو الجهاد فيجب في كل عام مرة الا من عذر.[107]
حیث ثبت ذلك بالأدلة الدالة علی الجهاد وانما دل الدلیل المخصص علی جواز الصلح في مورد وجود مصلحة خاصة في ذلك، فيكون المرجع في غیر مورد التخصیص الدلیل العام الدال علی وجوب القتال مع الكفار و حرمة تعطیله.
قال صاحب الجواهر (رحمه الله):
إذا {كان في المسلمين قوة على الخصم} واستعداد وفي الكافرين ضعف ووهن على وجه الإستيلاء عليهم بلا ضرر على المسلمين { لم تجز } المهادنة قطعا ، لعموم الأمر بقتلهم مع الإمكان في الكتاب والسنة على وجه لا يعارضه إطلاق قوله تعالى " وان جنحوا للسلم فاجنح لها "[108] المحمول على غير الفرض ولو بملاحظة ما كان يوصي به النبي صلى الله عليه وآله أمراء السرايا من الأمر بالمنابذة معهم إلا مع الإسلام أو الجزية من أهلها وغيره في الكتاب والسنة ، بل وقوله تعالى " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " وقوله تعالى " فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ، والله معكم " {و} غيرها ."[109]
الوجه الثالث:
قد ورد النهی عن الدعوة الی السلم مع القدرة التی هو کنایة او مصداق لعدم المصلحة قال تعالی ﴿ولا تهنوا وتدعوا إلی السّلم﴾[110]
إشتراط تعیین المدة
ذكر الفقهاء أن من شرائط صحة عقد الهدنة تعیین مدة الهدنة فلاتصح عقد الهدنة المطلقة و الدائمة. بل قیل أن أخذ قید المدة في تعریفها یشعر علی أن تعیین المدة من مقومات و أركان الهدنة التی لاتتحقق بدونها عقد الهدنة أصلا. هذا الشرط ایضا موضع وفاق بین فقهاء الجمهور[111] [112] [113] وفقهاء الامامیة.
قال الشیخ الطوسي:
"ولا بدّ من أن تكون مدة الهدنة معلومة فان عقدها مطلقة الى غير مدة كان العقد باطلاً لأن اطلاقها يقضى التأييد و ذلك لايجوز فى الهدنة."[114]
و قال المحقق الحلى:
لا تصح (الهدنة) الى مدة مجهولة و لا مطلقةً[115]
فهنا مسائل قابلة للبحث و المناقشة:
1- جواز عقد المهادنة إلی أربعة أشهر و حرمتها أکثر من سنة في حال قدرة المسلمین.
2- حكم الهدنة إلی إلی سنة فی حال القدرة
3- عشر سنوات أوأكثر في حالة ضعف المسلمین و حاجتهم إلی الصلح
4- حكم الهدنة الدائمة أو المطلقة مع الكفار.
جواز عقد المهادنة إلی أربعة أشهر و حرمتها أکثر من سنة في حال قوة المسلمین
جواز المهادنة إلی اربعة أشهر وعدم جوازها بأكثر من سنة في زمان قوة المسلمین.
لاخلاف بین الفقهاء في جواز المهادنة مع الكفار في زمن قدرة المسلمین إلی اربعة أشهر و كذلك في عدم جوازها بأكثر من سنة في زمان قدرتهم.
واستدل لجوازها إلی مدة اربعة أشهر
1. بالإجماع
2. قوله تعالی: "فسیحوا في الأرض اربعة اشهر"
3. بأن ذلك القدر المتیقن من أدلة جواز الهدنة
عدم جوازها بأکثر من سنة:
وقال العلامة الحلّی في التذكرة: "اذا كان فى المسلمين قوة، لم يجز للامام أن يهادنهم اكثر من سنة اجماعا."[116]
و یستدل علی ذلک: بقوله تعالی: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾[117] فاقتضى ذلك قتلهم بكل حال و خرج قدر الأربعة الأشهر بدليل الآية الأولى و بقي ما عداه على عمومه. هذا إذا كان الإمام مستظهرا على المشركين
نعم قد نسب المحقق الحلي هذا القول إلی المشهور حیث قال: «وتجوز الهدنة اربعة اشهر ولا تجوز اكثر من سنة على قول مشهور.»
وقوله هذا یشعر بأنه لم یتم إدعاء الإجماع في هذین الموردین في نظره.
وعلی أیة حال لا اشكال في هذین الحكمین بناء علی كون الجهاد هو الأصل.
حكم عقد الهدنة أکثر من اربعة أشهر إلی سنة
قد وقع الخلاف في أكثر من اربعة أشهر إلی سنة[118] وكذلك في الهدنة لمدة سنة واحدة.[119] یستفاد من كلام الشیخ (رحمه الله) أنه لاخلاف في عدم جواز الهدنة لمدة سنة في حالة قدرة المسلمین والحال أن ظاهر كلام الآخرین ( المحقق و العلامة) أن حکم الهدنة لمدة سنة کحكم الهدنة بأكثر من أربعة أشهر أي أنه وقع الخلاف في جوازها أو عدمه. [120]
وعلی أیة حال ذهب الشیخ الطوسي إلی عدم جواز الهدنة في أكثر من أربعة أشهر. و نسب إلی الشافعی في احد قولیه القول بجواز الهدنة في أكثر من اربعة أشهر إلی سنة.[121]
واختار المحقق والعلامة الحلي والشهید الثانی و المحقق الكركي التفصیل بین صورة وجود المصلحة وعدم وجود المصلحة فذهبوا إلی الجواز في الصورة الأولی و عدمه في الصورة الثانیة.
قال المحقق:
"وهل يجوز أكثر من أربعة أشهر؟ قيل: لا، لقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، وقيل: نعم، لقوله تعالى: ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، والوجه مراعاة الأصلح."[122]
و قال العلامة الحلي:
يجوز الهدنة أقل من أربعة ، ولا يجوز أكثر من سنة ، وهل يجوز أكثر من أربعة أشهر ؟
قال الشيخ : الظاهر أنه لا يجوز ، قال : وقيل : إنه يجوز مثل مدة الجزية. احتج بعموم قوله تعالى: " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم". والأقرب عندي اعتبار المصلحة وحينئذ يتقدر بقدرها .[123]
ویرد علیه أنه ان كان المراد من المصلحة هو حاجة المسلمین إلی الصلح لأجل ضعفهم وعدم قدرتهم علی الحرب فان هذا خروج عن الفرض لان المفروض في المسألة كون المسلمین في حال القدرة وإلّا فمن المسلم جواز الهدنة إلی عشر سنوات بل أكثر في صورة ضعف المسلمین وان كان مرادهم هو وجود المصلحة في الهدنة مع وجود مصلحة أعظم في الجهاد فهو لایتلائم مع ظاهر كلامهم حیث عبروا بكون المأخوذ به هو الأصلح علی أنه یمكن القول بلزوم هذا المقدار من المصلحة في أربعة اشهر أیضا كما یستفاد ذلك من كلام الشیخ.
وبعبارة أخری لا دلیل علی تخصیص الهدنة في اكثر من أربعة اشهر إلی سنة بوجود المصلحة أي ان حكم الهدنة في اكثر من سنة جار في مادون السنة ای في الزائد عن اربعة اشهر وانما ورد الدلیل الخاص في أربعة أشهر فعلی هذا یجوز الهدنة إلی أربعة أشهر ولو لم یكن هناك مصلحة خاصة في الهدنة بشرط عدم وجود المفسدة فيها الموجبة لحرمة الهدنة. أما في الزائد علی هذه المدة فلا دلیل علی جواز الهدنة إلّا أن یكون مصلحة خاصة في الهدنة فيجوز حینئذ الهدنة أكثر من سنة أیضا. فقول الشیخ في هذا المقام قوی.
نعم هذا القول مبنی علی القول بكون القتال ضد الكفار هو الأصل في الإسلام أما لو لم نقل بهذا الأصل، فيمكننا القول بكون صورة قدرة المسلمین كصورة ضعفهم أی أن أمر الصلح و الحرب هو باختیار ولی أمر المسلمین وله الحق في اختیار الصلح أو القتال مع الكفار، نعم لابد له من رعایة مصالح المسلمین في اختیار أحد الأمرین لاجل كونه من موارد إعمال الولایة وعلی الأقل أن لایكون لما یختاره من الهدنة أو القتال مفسدة علی المسلمین. ولا فرق في ذلك بین الهدنة و القتال. وإلّا تسقط ولایته لخروجه عن طور ونمط الولایة.
حكم الهدنة إلی عشرة سنوات أو أكثر عند ضعف المسلمین
ذهب الشیخ و أكثر الفقهاء إلی جواز الهدنة اذا کان فی المسلمین ضعف إلی عشر سنوات وعدم جوازه في أكثر من هذه المدة و به قال الشافعی[124] [125] إلّا أن العلامة اختار جواز الهدنة في أكثر من عشر سنوات[126] وهو قول ابی حنیفة واحمد[127] [128] [129]
واستدل المشهور لعدم جواز الهدنة بأكثر من عشر سنوات بما یلی:
1- قیام الإجماع علی عدم جواز الهدنة بأكثر من عشر سنوات.
2- سیرة النبی صلی الله علیه و آله حیث عقد صلح الحدیبیة مع قریش بمدة عشر سنین.
3- إن هذا العقد مخالف لحكم الجهاد فيقتصر فيه بموارد تم إثبات جوازه و صحته من طریق الشرع بدلیل خاص وأما في بقیة الموارد فتكون الهدنة باطلة لأجل كونه مخافا للحكم القرآني بشأن الجهاد.
تحلیل هذه الأدلة و نقدها:
أما الإجماع فكما ذكرنا فلایعد اجماعیا تعبدیا قابلا للاستناد لاحتمال استناد المُجمعین في قولهم إلی الوجوه الأخری التی استدل بها في المقام والإجماع انما یكون حجة اذا لم یحتمل استناده إلی الوجوه و الأدلة الأخری.
أما السیرة فانها لاتدل علی أكثر من جواز الهدنة بمدة عشر سنوات ولیست هی نافية لهدنة تكون لاكثر من هذه المدة اذ من المحتمل أن تكون المصلحة غیر مقتضیة لأكثر من هذه المدة لا أن تكون أكثر غیر جائز.
إلّا أن یقال ان المراد من الإستدلال بالسیرة أن الأصل في هذا العقد هو البطلان لكونه مخالفا للأدلة العامة الدالة علی الجهاد ولذلك فيقتصر الحكم بالجواز علی المورد الذی ثبت جوازه بدلیل خاص. وعلی هذا یرجع هذا الإستدلال، علی الوجه الثالث الذی سوف نتعرض له فيما یلی.
أما الدلیل الثالث فيمكن الاشکال فيه من عدة جهات:
الجهة الأولی: أنه كما ذكرنا أدلة الصلح أیضا مطلقة فلاوجه لتقدیم أدلة الجهاد علیها في أكثر من عشر سنوات. ولو قلنا بالتعارض و التساقط یكون المرجع هو عدم وجوب الجهاد. فلا یببقی مانع شرعي لصحة عقد الهدنة لشمول أدلة وجوب الوفاء بالعقد علیه.
الجهة الثانیة: أن الفهم العرفي بلحاظ خصوصیة الحكم والموضوع هو عدم وجود خصوصیة في عشر سنوات إلّا رعایة مصالح الأسلام والمسلمین في تلك الظروف. فعلی هذا لو اقتضت المصلحة الهدنة لمدة أكثر یكون جائزا بنفس الدلیل.
قال صاحب الجواهر:
"الأدلة الدالة على مشروعية المهادنة مطلقة، فيرجع فيه إلى نظر الإمام عليه السلام ، ووقوع العشر لا يقتضي التقييد بعد احتمال كونه الأصلح في ذلك الوقت."[130]
الجهة الثالثة: إنه لو قلنا بعدم جواز الجهاد الإبتدائی في زمان الغیبة الكبری للإمام المهدی علیه السلام كما هو المشهور عند علمائنا سوف لایبقی مانع من عقد الهدنة لمدة أكثر من عشر سنین مع التقیید بزمان الغیبة أی مادام الغیبة باقیة.
فالصحیح هو جواز الهدنة لمدة أكثر من عشر سنین عند وجود المصلحة في ذلك كما اختاره العلامة (رحمه الله).
حكم عقد الهدنة الدائمة أو المطلقة مع الكفار
الظاهر أنه لاخلاف بین فقهاء الامامیة وغیرهم في بطلان عقد الهدنة الدائمة أو المطلقة -المقتضیة للتأبید- مع الكفار فيما لم یشترط خیار الفسخ لولی أمر المسلمین.[131] [132] [133] [134] [135]
ویمكن آلاستناد في ذلك علی الأدلة التالیة:
1- الإجماع والتسالم الفقهی علی بطلان عقد الهدنة الدائمة.
2- أنه یلزم علی القول بجواز الهدنة الدائمة، تعطیل الجهاد أو اختصاصه بالفرد النادر. إذ الجهاد مما یثقل علی الإنسان العادی فمن الطبیعی في صورة جواز الهدنة، إقبال الناس نحو السلم و حمل ولي أمر المسلمین علی قبوله. والحال أن الشارع لایرضی بتعطیل الجهاد.
وبتقریب آخر
قد دلت أدلة الجهاد العامة الواردة في الكتاب و السنة علی وجوب الجهاد مطلقا والمورد الوحید الذی قام الدلیل علی جواز ترك الجهاد هو تركه بعقد هدنة محددة المدة ففي غیره یكون المرجع هو أدلة الجهاد العامة.
3- ترك الجهاد لأجل عقد الهدنة یوجب تقویة الكفار و تفوقهم علی المسلمین.
4- عقد الهدنة الدائمة خلاف مصلحة المسلمین إذ من المستبعد جدا عدم تغیر الظروف وبقائها ثابتة علی مر الزمان. فانه من الممكن أن یتحول حال المسلمین من الضعف إلی حالة القدرة والقوة الفائقة بحیث یسهل لهم القضاء علی بؤرة الكفر والشرك في الأرض لذا فأن عقد الهدنة الدائمة یضییع هذه الفرص من أیدی المسلمین.
5- إن تحدید المدة من مقومات عقد الهدنة ولایتحقق بدونه عقد الهدنة أصلا.
6- لیس هناك دلیل خاص یثبت به صحة عقد الهدنة الدائمة و هذا یكفي في إثبات بطلانه و عدم إمضائه شرعا. بیان ذلك: أن صحة عقد الهدنة الدائمة كغیرها من العقود یتوقف علی ثبوت إمضاء الشارع له. ولیس هناك دلیل لفظی أو غیر لفظی یدل علی اثبات إمضاء الشارع له. ولم یتحقق عقد الهدنة الدائمة مع الكفار في زمان النبی صلی الله علیه و آله و الأئمة علیهم السلام [136]
نقد الأدلة المذكورة:
نقد الأدلة المذكورة بالترتیب :
1. أما الإجماع فلیس بدلیل مستقل وذلك لاحتمال استناد المجمعین في اجماعهم إلی الوجوه الأخری في المقام فلا یكون دلیلا تعبدیا مستقلا كاشفا عن قول أو فعل المعصوم علیه السلام
2. وأما الإستدلال بلزوم تعطیل الجهاد في حالة قبول مشروعیة عقد الهدنة الدائمة أو اختصاصه بالفرد النادر فهو وجه قوی الا أن یقال بأن هناک دول و مجتمعات لا یجنحون للسلم و المهادنون غالبا لا یفون بالعهدفیبقی هناک من یستحق القتال.
والجواب عن التقریب المذکور هو أن أدلة الجهاد متعارضة مع الآیات الدالة علی جواز السلم إذ كلاهما مطلقتان فان أدلة الجهاد تدل بظاهرها علی وجوب الجهاد و الحث علیه لنشر الدین و الآیات الداعیة إلی السلم تنص علی جواز المصالحة فيما لو جنح الكفار للسلم ولم یكن قبوله مخالفا لمصلحة المسلمین وعلی هذا ترفع الید عن ظهور أدلة الجهاد في الوجوب ویحمل علی الإستحباب أو یستنتج من العلاقات والمناسبات الخاصة القائمة بین الحكم و الموضوع و من كون أمثال هذه الأمور بید الحاكم عادة، أن الحاكم الشرعی هو الذی یختار أحد الأمرین طبقا للظروف الداخلیة والخارجیة للمسلمین أو یقال بتخصیص أدلة الجهاد بأدلة السلم لكون أدلة السلم أخص موردا من أدلة الجهاد، لان أدلة السلم مختص بما لو جنح الكفار للسلم فتكون الحهاد واجبا في غیر موارد الهدنة وعلی فرض استقرار التعارض تكون النتیجة أیضا إما التخییر أو التساقط والرجوع إلی اصالة البراءة من وجوب أحد الأمرین خصوصا الجهاد إذ لا امتنان في رفع الأمر بالسلم عن الأمة. إلّا أن یقال أن قوله تعالی ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وانتم الأعلون والله معكم...﴾[137] قرینة علی أن الآیات الدالة علی السلم مختص بزمن ضعف المسلمین ویفهم من هذه الآیة أن الدعوة إلی السلم في زمن قدرة المسلمین علامة ضعف الإیمان و محرم شرعا. وعلی هذا یكون عقد الهدنة الدائمة باطلا لمخالفته مع كتاب الله تعالی (أي الآیات الدالة علی وجوب الجهاد)
3. والإستدلال بلزوم تفوق الكفار علی المسلمین أخص من المدعی إذ المصالحة تأتي بفرصة مساویة لكلا الطرفين في الغالب فالمصالحة لاتوجب تفوق الكفار علی المسلمین دائما أي أنه لاملازمة بینهما.
4. وأما الإستدلال بان عقد الهدنة الدائمة خلاف مصلحة المسلمین فجوابه:
اولا: هذا مبنی علی القول بكون القتال ضد الكفار هو الأصل في الإسلام عند قدرة المسلمین أما لو لم نقل بهذا الأصل وقلنا أن أمر الصلح و الحرب هو باختیار الولی طبقا لما یراه من مصلحة المسلمین، فلایوجب مجرد تغییر وضع المسلمین من الضعف إلی القوة علی مر الزمان خروج الهدنة عن دائرة المشروعیة إذ من الممكن أن یكون الإلتزام بالهدنة بقاء لمصالح كما كانت له مصالح في ابتدائه. خصوصا وأنه من الممكن أن یكون صرف الهمم لأصلاح الأوضاع الداخلیة، وبسط العدالة في الداخل و تربیة الجیل الصالح أهم من فتح الأراضی غیر المسلمة حتی في زمان القدرة.
وثانیا: إن تشخیص المصلحة و عدمها یكون بلحاظ جمیع الظروف والعوامل الدخیلة فيها، فمن الممكن أن یكون عدم قبول الهدنة الدائمة من قبل المسلمین في زمان موجبا لتحریض العدو ضد المسلمین بحیث یشكل الخطر علی كیان المسلمین. فكلامنا في مورد یكون للهدنة الدائمة مع ملاحظة جمیع الظروف مصلحة.
5. قد ظهر جوابه مما ذكرناه في تعریف الهدنة علی أنه لو سلمنا أن عقد الهدنة متقوم بالتوقیت، هذا انما نشأ من اصطلاح الفقهاء فلایکون دلیلا علی اثبات کون التوقیت ماخوذا فی معناه حقیقتا
6. ان مقتضی التحقیق هو كون الأصل في العقود المستحدثة هو الصحة لا الفساد لاجل شمول أدلة الوفاء بالعقود لها فانها تكفي في اثبات صحة كل عقد جامع للشرائط العامة للعقود وإن لم یكن من العقود المعهودة.
الهدنة الدائمة فی زمان الغیبة
بناء علی القول بعدم جواز الجهاد الإبتدائی في زمان غیبة الإمام المعصوم علیه السلام لایكون عقد الهدنة الدائمة بالنسبة الی الجهاد الابتدائی مخالفا لوجوب الجهاد الفعلی، لعدم كون وجوبه حیئنذ فعلیا. ولذا یكون عقد الهدنة الدائمة مع الكفار مما لامانع له شرعا. بمعنی أن زمان الغیبة الكبری للامام المهدی علیه السلام هو نفسه زمان هدنة حكمیة بواسطة الأمر الوارد عن المعصومین علیهم السلام في عدم جواز الجهاد الإبتدائی فی هذا الزمان. فعقد الهدنة في مثل هذا الزمان ولو بصورة دائمة - بحیث لایشمل مابعد الغیبة ای زمان ظهور الإمام علیه السلام - یكون جائزا.[138]
فتلخّص مما ذكرنا أنه علی القول بعدم جواز الجهاد الإبتدائی في زمن غیبة المعصوم علیه السلام یكون عقد الهدنة الدائمة في إطار زمان الغیبة سائغا شرعا والله العالم.
الأمر الرابع: جواز الهدنة مع اشتراط العوض
جواز الهدنة مع اشتراط العوض
قال صاحب الجواهر ره :
يجوز مهادنتهم على غير مال إجماعا؛ لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله هادنهم يوم الحديبيّة على غير مال ، و يجوز على مال يأخذه منهم بلا خلاف؛ لأنّها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى. ولانه شرط سائغ غیر مناف
أمّا لو صالحهم على مال يدفعه الإمام إليهم،
فان کان لضرورة مثل أن يكون في أيدي المشركين أسير مسلم يستهان به و يستخدم و يضرب، فيجوز للإمام أن يبذل المال و يستنقذه من أيديهم؛ لما فيه من المصلحة باستنقاذ نفس مؤمنة من العذاب، أو يكون المسلمون في حصن و قد أحاط بهم المشركون و أشرفوا على الظفر بهم، أو كانوا خارجين من المصر و قد أحاط العدوّ بهم أو كان مستظهرا عليهم، فيجوز أن يبذل المال على ترك القتال. راجع جواهر الکلام
اقول الجواز هنا بمعنی الاعم فقد تجب المهادنة مع بذل المال فی صورة الضرورة. وذلک لانه من باب التزاحم فیکون الواجب الاهم مقدماً کما لو توقف حفظ اصل الاسلام علی بذل مال.[139]
بیان ذلک:
أن المصالحة علی دفع المال لا يخلو إمّا أن يكون لضرورة و اضطلام، مثل أن يكون في أيدي المشركين أسير مسلم يستهان به و يستخدم و يضرب، فيجوز للإمام أن يبذل المال و يستنقذه من أيديهم؛ لما فيه من المصلحة باستنقاذ نفس مؤمنة من العذاب، أو يكون المسلمون في حصن و قد أحاط بهم المشركون و أشرفوا على الظفر بهم، أو كانوا خارجين من المصر و قد أحاط العدوّ بهم أو كان مستظهرا عليهم، فيجوز أن يبذل المال على ترك القتال.
روى الزهريّ، قال: أرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى عيينة بن حصن، و هو مع أبي سفيان يوم الأحزاب: «أ رأيت إن جعلت لك ثلث تمر الأنصار، أن ترجع من معك من غطفان و تخذّل بين الأحزاب؟» فأرسل إليه عيينة: إن جعلت لي الشطر فعلت، فقال سعد بن معاذ و سعد بن عبادة: يا رسول اللّه، و اللّه لقد كان يجرّ سرمه في الجاهليّة في عام السنة حول المدينة، ما يطيق أن يدخلها، فالآن حيث جاء اللّه بالإسلام تعطيهم ذلك فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «فنعم إذا» و لو لا جوازه، لم يبذله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله. رواه ابن الجنيد .
و روي أنّ أبا بكر جعل للزبرقان و الأقرع خراج البحرين حيث ضمنا له أن لا يرجع من قومهما أحد .
و روي أنّ الحارث بن عمرو الغطفانيّ رئيس غطفان أرسل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فقال: إن جعلت لي شطر ثمار المدينة و إلاّ ملأتها عليك خيلا و رجلا، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «حتّى أشاور السّعود» يعني سعد بن عبادة و سعد بن معاذ و سعد بن زرارة ، فشاورهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، فقالوا: يا نبيّ اللّه، إن كان هذا بأمر من السماء، فتسليم لأمر اللّه، و إن كان برأيك و هواك، اتّبعنا رأيك و هواك، و إن لم يكن بأمر من السماء و لا برأيك و هواك، فو اللّه ما كنّا نعطيهم في الجاهليّة بسرة و لا تمرة إلاّ شرى أو قرى، فكيف و قد أعزّنا اللّه تعالى بالإسلام؟! فقال صلّى اللّه عليه و آله لرسوله: «أو تسمع؟» .
وجه الدلالة: أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عرض عليهم ذلك؛ ليعلم قوّتهم من ضعفهم، فلو لا جوازه عند الضعف، لما عرضه عليهم.
ثم إن العلامة ره اختار عدم جوازها مع دفع المال إذا لم يكن الحال حال ضرورة، فإنّه لا يجوز له بذل المال، بل يجب القتال و الجهاد؛ لقوله تعالى: ﴿قٰاتِلُوا الَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لاٰ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾[140] . و لأنّ فيه صغارا و هوانا، أمّا مع الضرورة، فإنّما صيّر إلى الصّغار؛ دفعا لصغار أعظم منه، من القتل و السبي و الأسر، الذي يفضي إلى كفر الذرّيّة، بخلاف حال غير الضرورة.
یلاحظ علیه
أما الآیة فهی قد خـصّصت بـدلیل الهـدنة، ولا یلزم أن لا تکون الهدنة جائزة مطلقا، فبعد ما تـسلّم تـخصیصها بدلیل الهدنة فلنرجع فی تنقیح موضوع الجواز إلی أدلّتها، وقد قلنا إنّ عموم أدلّة الهدنة تشمل ما کانت مشروطة الاّ شرطاً خـالف کـتاب الله، ولم یـثبت کون هذا الشرط مخالفاً لکتاب الله.
وأما الصَّغار، فترد الخـدشة علی صغری الاستدلال به وکبراه. أما الأولی: فلان دفع المال لا یکون صغاراً دائماً، فربّ قوی یدفع المال إلی من هـو أضـعف مـنه، دفعاً لشرّه، وفی دفع النبی (صلی الله علیه وآله) المال إلی عیینة بـن حـصین، لفصله عن أبی سفیان یوم الأحزاب ـ الذی نقله الإسکافی وبعض أهل السنّة علی ما ذکر صاحب الجـواهر مـثالٌ واضـح لذلک
وأما الکبری: فلأن مطلق ما یلزم فیه الصغار لا یمکن الالتزام بحرمته، إذ رُبـّ صـغار یـستتبع مصلحة کبیرة للإسلام والمسلمین، وحرمته فی تلک الموارد غیر معلومة، ولعلّ أحد أمثلته التـاریخیّة مـا وقـع للمسلمین فی وقعة الحدیبیّة، حیث قبلوا ما ألزمهم به الکفار من محو بسم الله الرحـمن الرحـیم[141]
أقول: الظاهر جوازه مع المصلحة ایضا و ان لم تکن ضرورة و ذلک لانه من باب التزاحم فیقدم الواجب الأهم فیراعی اقوی مصلحة. وان لم تصل الی مرتبة الضرورة.
وقال صاحب الجواهر بعد نقل ما فی المـنتهی من دلیل اشتراطه بالضرورة: بل لا یبعد الجواز مع المصلحة للإسلام والمسلمین أیضا[142] وقال السید الخوئی فی منهاجه: ولا فرق فی ذلک بین أن تکون مع العوض أو بدونه، بل لا بأس بها مع إعطاء ولیـّ الأمـر العوض لهم إذا کانت فیه مصلحة عامّة(6).
هل المهادنة علی دفع المال فی صورة الضرورة واجبة؟
ذهب العلامة رحمه الله الی عدم وجوب المهادنة مع دفع العوض فی صورة الضرورة ایضاً
قال رحمه الله
إذا ثبت هذا أی جواز المهادنة مع دفع المال فی الضرورة: فهل بذل المال واجب أم لا؟ الأقرب: عدم وجوبه؛ لما بيّنّا من جواز القتال ليلقى اللّه تعالى شهيدا.
أقول الظاهر هو الوجوب اذا کان مصلحة حفظ الإسلام و المسلمین متوقفا علی المهادنة و قد اجبنا الوجوه التی أقامها رحمه الله علی التخییر و عدم وجوب المهادنة فراجع.
ثم قال رحمه الله:
إذا عرفت هذا: فإنّه يجوز أن يهادنهم عند الحاجة، على وضع شيء من حقوق المسلمين في أموال المهادنين، كما شرط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لثقيف أن لا يعشّروا ، و أنّه لا يلج عليهم إلاّ من أحبّوا، و لا يؤمّر عليهم إلاّ بعضهم، و حظر صيد واديهم و شجره. و سنّ فيمن فعل ذلك جلده و نزع ثيابه .
و كذلك لو رأى الإمام مع قوّته على العدوّ أن يضع بعض ما يجوز تملّكه من أموال المشركين بالقدرة عليهم؛ حفظا لأصحابه، و تحرّزا من دوائر الحروب، جاز، كما شرط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأهل دومة الجندل، و جعل لهم من نخل مصرهم و الماء الدائم، مثل: العيون، و المعمور من بلادهم .[143] راجع منتهی المطلب في تحقیق المذهب، جلد: ۱۵، صفحه: ۱۲۳
الأمر الخامس هل یجوز اقتراح الهدنة من المسلمین؟ أو یخصّ الجواز بما استدعاه الطرف الکافر؟
ظاهر الفقهاء ـ حـیث لمـ یعنونوا المسألة ـ هو عدم الفرق بین الصورتین،
لکن احتمل السید الشهید آیة الله الامام الخامنه ای اختصاص جوازها بصور اقتراح الکافر و ذکر لاثباته وجوها
1. قوله تعالی: (﴿وإنـ جـنحوا للسّلم فاجنح لها﴾[144] )، حیث أنّ الأمر بالجنوح للسّلم وقع مشروطاً بجنوح الکفّار لـه، فیختصّ الجواز بـهذه الصـورة، إذ الأصل فی معاملة الحربیّ هو الجهاد، وإنّما أدلّة الصلح تخصیصٌ لذلک الأصل، ومـوجب للخـروج منه، فیُکتفی فیه علی مقدار دلالة هذه الأدلة ولا یـُتجاوز عـنها.
وأمـّا الآیات الآمرة بإتمام عهد الکفّار إلی مدّتهم، فـهی نـاظرة إلی ما وقع من العهد بین النبی (صلی الله علیه وآله) والکفار، ولیس فیها التعرض لکـیفیّة وقـوع هذه العهود، ولیس فی الروایـات الحـاکیة لتلک العـهود مـا یـوضّح لنا أنها کانت بطلب من المـسلمین، فـلا إطلاق فیها بالنسبة لصورة ابتداء المسلمین بدعوة الهدنة.
2. قـول أمـیر المؤمینن (علیه السلام) فی عـهده للأشـتر: ولا تدفعن صلحاً دعاک إلیه عدوّک، لله فیه رضی..[145] الذی نقل عنه (علیه السلام) فی نـهج البـلاغة ومثله فیتحف العـقول ودعـائم الإسـلام وجه الاختصاص أنـّ النـهی إنّما هو عن دفـع صـلح یدعو إلیه العدوّ، فالمنهیُّ أوّلا: هو دفع الصلح، وهو عدم قبوله وثانیا: هـو ردّ الصـلح الذی یدعو إلیه العدوّ، فهذا هو شـرط مـشروعیّة الصلح، وفـیما عـداه یـبقی حکم وجوب الجهاد بـحاله.
والحاصل أنّ أدلّة مشروعیة الصلح بین ما هو مهملٌ ومجملٌ بالنسبة إلی شموله لصورة ابتداء المـسلمین بـه کعمل النبی(صلی الله علیه وآله) مـع کـفار عـصره، والآیـات الدالّة عـلی اعتبار العهود المـعقودة مـع الکفّار، فلا إطلاق فیه، وبین ما فیه دلالة ما علی اختصاص الحکم بصورة اقتراح العدوّ للهدنة دونـ غـیرها، فـتبقی صورة اقتراح المسلمین للصّلح خارجةً عن شـمول الأدلّة وبـاقیة تـحت حـکم وجـوب الجـهاد.
3. ظهور الآیة المبارکة: (﴿فلا تهنوا وتدعوا إلی السّلم وأنتم الاعلون والله معکم﴾[146] )... الآیة، فی حرمة الدّعوة إلی الصّلح، وبناء علیه; فلو فرض وجود إطلاق فـی المقام یدل علی مشروعیة الصّلح فی کلّ صورة من الصّور، فهو یقیّد بهذه الآیة المبارکة، کما هو الواضح من النسبة بین کلّ دلیلین من هذا القبیل، فضلا عن عدم إطـلاق مـن هذا القبیل فی البین.
ثم إنه قدس سره قد اجاب عن الوجوه المذکورة
أما آیة الجنوح فلأن الجنوح بمعنی المیل، وهو اعـمّ مـن الاقتراح، فربّ من یجنح لشـیء دون أن یقترحه، فقوله تعالی:(فان جنحوا..) بمعنی أنه إن مالوا إلی السّلم فمِل أنت أیضا إلیها، ولیس فیها تعرّض لمفهوم الاقتراح، وأنه من أیّ جانب لابـدّ أن یـکون. ومعلوم أنه لو لم یقبل العدوّ ولم یمل إلی الصّلح فلا یمکن الصلح للمسلمین.أي الشرط سیقت لبیان الموضوع
ویمکن تقریر الاستدلال بنحو آخر، وهو أن یقال: إنّ شرط مـشروعیة الصـلح بناءً علی الآیة هو میل العدو، وإذا لم یمل هو، فالصلح لا یکون الاّ بالتماس وطلب ذلیل من ناحیة المسلمین، وهذا هو الخارج عن المشروعیّة، لا الصلح الذی یکون باقتراح المسلمین من دون ذلّة،
وأما قوله تعالی: (﴿فلا تهنوا وتدعوا﴾..) فیمکن الخدشة فی دلالتـها بـأنّ: مـتعلق النهی فیها هو الدعوة الی السلم الناشی من الوهن فهو محرم اما الدعوة غیر الناشئ عن الوهن فلیس منهیا عنه
بیان ذلک: أنّ وقوع شیئین فی حیّز النهی یکون علی وجهین، فتارةً یـکون کلّ منهما متعلقاً للنـهی مـستقلا کقولنا: إذا صُمت فلا تأکل ولا تشرب، وفی مثله لابدّ من تکرار أداة النّهی، ومن هذا القبیل قوله تعالی: (﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا﴾..)
وتارة یکون متعلّق النهی أمراً واحداً، وإنما ذکر الشیء الآخر کنتیجة لذلک الأمر، کقولنا: إذا کنت صائماً فلا تأکل وتفطر، وفی هذا القسم فمتعلّق النهی هو الأکل، وإنما ذکر الإفطار کنتیجة لـه، وفـی مـثله لا شبهة فی أنّ الشیء المذکور ثانیاً هو أیضا أمر مرغوب عنه، تبعا.
ومـن هـذا القبیل قوله تعالی: (﴿فلا تهنوا وتدعوا إلی السّلم﴾) فما هو الواقع فی حیّز النهی هو الوهن فی قبال العدو، والمراد به هو اختلال العزم علی الجهاد والثبات، واستشعار الضعف والهـزیمة، ثـم إن الذی یترتب کنتیجة لـه هو الدعوة إلی السّلم، أو بعبارة أخری: التماس السلم من العدوّ وطلبه عن موقع الضعف والوهن، وهذا ـ دون شک أمرٌ مرغوب عنه وعلی هذا فحاصل مراد الآیة ـ والله أعلم ـ: فلا تـهنوا حـتی ینتهی بکم الوهنُ إلی الدعوة إلی السّلم، ویستفاد منه أنّ الدعوة إلی السلم إذا کانت ناشئةً عن الوهن فهو مبغوض للشارع، لکن أین هذا مـن حـرمة الدعـوة إلی الصلح مطلقا؟ وقد عرفت أن طلب الصلح ربما یکون عن رفعة وعزة وقـدرة، فـلیس الصلح دائماً ممّا یحتاج إلیه الضعفاء، بل ربّ قوّی یطلب الصلح ویراه مصلحة لـه، وبناءً علیه فلا دلالة فی الآیـة الشـریفة عـلی ما ادُّعی من حرمة السلم إذا کان ابتداءً من المسلمین وبطلب منهم مطلقا.
ویؤیّد مـا اسـتظهرناه من الآیة تعقّب النهی بقوله تعالی: (﴿وأنتم الأعلون﴾..) الذی ذکر بمثابة علّة لذلک النهی. فـانّ العـلّة إنـما تُناسب عدم الوهن وعدم الطلب الناشئ منه، ولا یناسب الدعوة إلی السّلم إذا لم تکن ناشئة عن الوهـن والضـعف کما لا یخفی.
وأما قول أمیر المؤمنین (علیه السلام): ولا تدفعنّ.. الخ، هو بیان لوجه أمره (علیه السلام) لقبول الصـّلح، وذلک بـقرینة ما تعقّبه من الجمل، أعنی قوله (علیه السلام): فان فی الصّلح دعـةً لجـنودک وراحـةً من همومک وأمناً لبلادک... الحدیث. فهو بمثابة أن یقال: إذا دعاک العدوّ بنفسه إلی الصّلح فما الوجه فـی اسـتمرار القـتال ودفع مثل هذا الصّلح؟ مع أنّ فیه من المنافع کذا وکذا..
وإن أبیت الاّ التـأکید عـلی دلالة هذا الحدیث علی مشروعیّة الصلح الذی لـه هذه الصفة، فدلالته علی عدم جواز غیره من الصلح لا یکون الا بـناءً عـلی اعتبار مفهوم الوصف أو اللقب وهو کما تری.
وحاصل الجمیع أنّ الهدنة جـائزة; سـواء کانت باستدعاء واقتراح من الکافر أو بطلب ودعـوة مـن المـسلم، من غیر فرق بینهما. نعم إذا کانت مـتوقفة عـلی ذلّة المؤمنین وکسر شأنهم وعزّتهم فلا تجوز بمقتضی ما استظهرناه من الآیتین الکریمتین، ولا یـُجوّز مـثل ذاک الصلح کونه ذا مصلحة، إذ کما قـلنا سـابقاً أنّ إطـلاقات أدلّة الأحـکام الشـرعیة لا تقیّد بالمصالح التی نستشعرها فی القـضیّة، فـالمصلحة فی الحرام لا ترفع حرمته، والمصلحة فی ترک الواجب لا توجب رفع الوجوب، نـعم تـقیّد أدلّة الأحکام بالاضطرار حیث أنّ دلیله حـاکم علی أدلّة الأحکام کما هـو مـعلوم ومبیّنٌ فی محله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمین
قد تم الفراغ من تسویده فی السابع من شهر ذی القعدة الحرام من عام 1447