الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/11/14

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث الأوامر/ فلسفة العقاب من ابعاد الوجوب

 

كان الكلام في مسألة فلسفة العقاب وحقيقة العقاب وهذا بحث فلسفي كلامي تفسيري في الأصل، فلماذا يقحم الاصوليون أنفسهم فيه؟ أقحموا أنفسهم فيه لأنه من أهم معاني الحجية في باب الحجج أو من أهم خواص وآثار الحجية في باب الحجية هو التنجيز والتعذير ومن أهم بحوث مراحل الحكم الشرعي مرحلة التنجيز والتعذير والتنجيز يفسر باستحقاق العقوبة، فمن ثم كان لزاما علی الأصولي أن يبحث إجمالا ما في استحقاق العقوبة.

طبعا الاستحقاق شيء والعقوبة شيء آخر وفرق بين استحقاق العقوبة وإنزال العقوبة وإقامة العقوبة والعلوم الدينية تبحث بلحاظ استحقاق العقوبة وليس بلحاظ إقامة العقوبة او انزال العقوبة. قد يمانع إنزال العقوبة الشفاعة او عفو الله هذا أمر آخر وبحث آخر. فبالتالي استحقاق العقوبة هو مبحث من مراحل الحكم الشرعي وهو أيضا من مباحث الحجية. هذا جانبان في ضرورة مبحث العقوبة والعقاب.

جهة ثالثة في الأصول التي تستدعي البحث في حقيقة العقاب واستحقاق العقوبة ما مر بنا وهو أن أحد التعاريف المهمة في اللزوم والوجوب التعريف بالعقوبة وفيه لغط أنها أي عقوبة هل هي العقوبة الأبدية او العقوبة في القابل العوالم؟

جهة رابعة تستدعي بحث العقوبة هي قاعدة كلما حكم به العقل حكم به الشرع فوقع الكلام بين الأصوليين في معنی العقل هل هو العقل العملي او النظري؟ ثم حكم العقل العملي بأي معنی؟ هل يعني استحقاق العقوبة والحكم به في الدنيا أو في الاخرة؟ باعتراف الفلاسفة أن العقل لا يدرك الخطوط التفصيلية والأمور التفصيلية في الاخرة والعوالم الآتية إلا مقاطع زمنية قريبة في الأرض فضلا عن مقاطع بعيدة في الأرض وفضلا عن العوالم اللاحقة لكوكب الأرض كعوالم القيامة وما بعد القيامة، أنّی للعقل البشري أن يشم رائحة تلك الأمور بشكل تفصيلي وحتی أنّی للمرتاضين والعرفاء أن يطّلعوا هذه التفاصيل من دون الوحي وهذا أحد أدلة ضرورة الدين والوحي وبعث الرسل وتنصيب الأوصياء بعد الرسل صلوات الله عليهم، لأن العقل لا يدرك الآفاق الأخری بشكل تفصيلي بل بشكل إجمالي من بعيد.

من ثم وقع كلما حكم به العقل كما أن العقل حكم في دار الدنيا بالنظام الاجتماعي أن الفلان يستحق اللوم والعتاب والتقبيح او يستحق الاستحسان فأين تلازم هذا الحكم في دار الدنيا مع الحكم الاخروي؟ يعني ان الشارع يسجل اللوم والعقاب في الاخرة وما علمنا بأسس اللوم والتقبيح في الأخرة لأن موازين دار الدنيا تختلف عن دار الاخرة موازين دار الدنيا إما للانتقام والتشفي وهذا غير جائز علی الباري تعالی حتی علی الأنبياء، هكذا الكمباني قرر وطبعا هذا الذي أثاره المرحوم الاصفهاني هو إثارات الفلاسفة او العرفاء وإذا كان اللوم والعتاب والتقبيح عن العقل العقلائي لأجل التأديب والتربية باعتبار النظام الاجتماعي لكي يروض البقية او هذا علی ما يأتي، أما في دار الاخرة فهل فيه نظام اجتماعي او لا؟ لا علم لنا بذلك فكيف كلما حكم به العقل حكم به الشرع؟ هذا أحد إشكالات المرحوم الاصفهاني في قاعدة الملازمة. هذا اجمال ما ذكره المرحوم الاصفهاني وما يثيره الفلاسفة في هذه الزاوية الرابعة.

بعض هذه الإشكالات والاثارات في العقوبة نظير شبهات العرفاء والصوفية وابن عربي في خلود العذاب ولو ملاصدرا في بداية حياته العلمية لم يستطع أن يصور خلود العذاب عقليا وفلسفيا لكن في آخر حياته استطاع. لعل في الشواهد الربوبي استطاع. المهم هذا لغط وبحث موجود وإن كان هذه الاثارات كلها مدفوعة سواء علی أصل العذاب الاخروي او الخلود في العذاب.

طبعا في الانتقام أولا هذه الدعوی بأنه في الاخرة ليس هناك نظام اجتماعي هذا محل تأمل، نعم ليس كاجتماعنا هنا، لكن فيه نوع نظام الارتباط الشبكي بين الأرواح وبين الاجسام «وزوجناهم بحور عين» «علی سرر متقابلين» هذه بيانات الوحي.

التربية أيضا متصورة هناك في الاخرة لأنه كما نقحنا كثيرا الدين يكلف به المخلوقات فضلا عن الجن والانس في كل العوالم لأن الدين عبارة عن نظام العلاقة بين الخالق والمخلوق وما عرف عند أصحاب العلوم الدينية او العقلية او المعارف أن الوظائف الدينية تنقطع عند القبر او عند الموت هذا غفلة منتشرة في العلوم لها مناشئ للوهم لكن كلها غير صحيحة، بل الانسان إذا ذهب الی البرزخ والموت يشتد التكليف لا أنه يقف. هنا ربما عندنا مهلة شبيه الروضة «انما الحياة الدنيا لهو ولعب وتفاخر بينكم» هذا هنا دار الدنيا مثل الروضة والدين هو في الجنة وفوق الجنة حتی في عالم الأسماء الدين موجود. لكن كيف تصويره بحث آخر. فقضية عدم التكليف ليس بصحيح حتی في عالم الأسماء هناك اقتران او نظام الاقتران او نكاح الأسماء عند العرفاء ولو هذا التعبير سيئ فضلا عما دونها من العوالم بالتالي الجانب التربوي لكل عالم بحسبه موجود والتكامل دوما موجود والسير موجود لكن طبيعته وآليته بحث آخر. الشريعة تنتهي بقيام القيامة الكبری لا بالموت لكن الدين موجود في عالم الجنة وعوالم اخری وما دام الدين موجودا الجانب التربوي موجود.

نعم انتقام الله ليس لتشفي النفس وصحيح، حتی انتقام الأنبياء او الاولياء ليس بمعنی تشفي النفس وإنما بمعنی تطهير الأرض او تطهير الطرف الاخر من القبائح او الرذائل او الظلمات نفرة من جانب الباطل وجانب الظلمات وهذا صحيح وليس معنی سيئا وليس معنی حيوانيا بل معنی رائع وكمالي ولذلك من أسماء الله المنتقم بهذا المعنی مثل انتقام سيد الشهدا وهو يعني أن مسار الباطل يقلع ومسار الحق يقام ويشيد أنه مشروع سيد الشهدا سلام الله عليه فيشفي قلوب المؤمنين «اللهم سر نبيك برؤيته ومن تبعه علی دعوته» من هذا القبيل من هذا المشروع الإلهي وقلع الباطل من الكمالات والغايات العظيمة للمشروع الإلهي.

بلحاظ الاخرة أيضا ما هو فلسفة العقوبة الاخروي أيضا فلسفة العقوبة في الاخرة للتكامل والتطهير وسقاهم ربهم شرابا طهورا ونزعنا ما في قلوبهم من غل اخوانا علی سرر متقابلين بل حتی فلسفة العذاب في جهنم هي رحمة من الله للمذنبين لأن الله لو لم يعتني بهم لتركهم في ظلمات أشد ولكن ليرؤف بهم لا بعدم العذاب بل يرؤف بهم بان يوصلهم الی درجة من إدراك عظمة الله وهذا مقام عظيم «اللهم إني اسئلك خشوع الايمان قبل خشوع الذل في النار» هذا خشوع لله و هو كمال ورحمة من الله وأنه اعتنی بالمذنبين. فتعليم الملكات السيئة بالعذاب رحمة من الله. شبيه الدار الدنيا التعليم كيف هو رحمة كماهية عقلية لأن يعلّم فباطنه رحمة وظاهره عذاب أو الخلود في العذاب لكن الغاية هي الرحمة لكي يذيقهم الخشوع لله ولو قهريا وهذا كمال لهم واعتناء من الله عزوجل لهم لا الاعتناء بمعنی يكرمهم ويشرفهم بل معنی أنه يكدح هذه الملكات الظلمانية لكي تفتح فطرتهم المدسوسة وتدرك الله عزوجل. هذا نوع من الرعاية من الله عزوجل. والخلود فلسفته نفس فلسفة العذاب يعني بعض النفوس تجوهرت بالظلام والظلمانية والملكات السيئة فلا تنقلع وهذا دائما لازم يعتني وإن يتركها أيضا تتسافل و تنحدر ولا تستطيع ان يتكامل طبيعته هكذا وهذا هو بالعكس تمام وكمال الرأفة من الله ويبقيه في درجة من الكمال يعني نفس الخلود في العذاب نوع تكامل ميسر لهذه النفوس الدنية الظلمانية وإلا لو يخرجها من النار لا يتكامل. فرأفة بهم يعذبهم. مثل السجن المؤبد يقولون هذا نوع من التحكم والكنترل لهذا الشخص. فلا الشبهات التي ذكرها الفلاسفة والعرفاء في الخلود صحيحة ولا في أصل العذاب كما أن الله عزوجل عذب قوم عاد وقوم لوط وقوم شعيب وهلم جرا باي تخريج؟ نفس التخريج بعينه في العذاب الاخروي وبعينه في الخلود.

فعلی كل اجمالا هذه الشبهات ليس واردة حتی بلغة فلسفية او عرفانية لكن اشتبه علی القوم تطبيق القواعد كما مر بنا دائما يحصل. فاستحقاق العقوبة أيضا يدركه العقل يعني النفرة من الله هو عقوبة.

فيه إشكالية بقيت في العقاب أن العقاب هل من الخارج أو هو نفس اعمال الانسان من ذات الانسان نظريات متعددة، العقاب الاعتباري او التكويني أو الداخلي او الخارجي او المستمر الجوهري او العرضي نظريات كثيرة في حقيقة العقاب والصحيح أن كل هذه النظريات صحيحة من زوايا عديدة لاسيما علی ما بنينا عليه هذا بحث آخر في العقاب هذه زوايا اخری جديدة في إشكاليات ولكن كلها مدفوعة.

اجمالا العقوبة والعقاب كل هذه الاحتمالات صحيحة فيه لأنها زوايا في العقاب ودرجات وبعبارة أخری نظرية الاعتبار التي بنينا عليها أخيرا إن الاعتبار إدراك تكويني لكنه مجمل ومبهم يسمی الاعتبار. لأنه حتی العلماء الامامية في علم أصول الفقه او الكلام او الفلسفة عندهم نظريات متعددة في حقيقة الاعتبار. فالاعتبار له صلة بالتكوين هل هو تجسم الاعمال او من الخارج؟ نعم، من لم يؤمن بجهنم موجود خارجي غير الانسان كفر بما انزل علی محمد صلی الله عليه وآله لأن جهنم موجود آخر هوية لها أخری. كيف يصور العقاب من الخارج فلسفيا لأن المفروض ان العقوبة والعقاب ليس اعتباريا هذه إشكاليات الفلاسفة والمرحوم الاصفهاني هذه أيضا مدفوعة لأن الانسان كلما يرد عليه فيكون من الخارج سواء نسميه العلل او الجانب الاخر المخلوق والانسان ينفعل فمن جهة خارجي وصحيح و من جهة داخلي وصحيح كلها صحيح. الارتباط بين الانسان وجهنم كما بينها النبي صحيح او الارتباط بين الانسان وأغصان شجرة طوبی صحيحة فزوايا متعددة في الانسان ولا ينحصر في تجسم الاعمال لا ينحصر في جهنم ولا ينحصر في الجزاء و لاينحصر في الاعتبار بل كل الزوايا التي أثيرت كلها صحيحة ويكمل بعضها البعض ولا تدافع. فإجمالا علی كل بحوث العقاب وما شابه ذلك قابل للأجوبة وربما تفصيلا في مواطن أخری نبين بالتفصيل أجوبة ما أوردت من قبل المرحوم الاصفهاني وأمثاله. هذا تمام الكلام في بحث العقوبة الذي هي أحد أبعاد تعريف الوجوب ويؤثر في خارطة البحوث الأصولية والباقي في ما بعد