الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/10/27

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث الأوامر/ الوجوب وأقسام الحكم التكليفي

نذكر تتمة الشواهد التي كنا فيها.

طبعا المختار في تعريف الوجوب هو نفس التعريف المنطفي أو الفلسفي يعني الضرورة واللابدية وهذا هو التعريف الماهوي لذات الوجوب أو الحرمة على العكس. أما بقية التعاريف هي تحاكي لوازم الوجوب.

الأكثر جدليا عند الأعلام قضية العقوبة أو الضرر هل هو الضرر الأبدي أو مطلق الضرر كما هو الصحيح وكنا في صدد ذكر جملة من الشواهد.

في جملة من الروايات تعبر عن المستخف للصلاة أنه ليس مني، منها صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ... فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال عند موته: ليس مني من استخف بصلاته، لا يرد علي الحو ض لا والله، ليس مني من شرب مسكرا، لا يرد علي الحوض لا والله.[1] (يعني الشفاعة)

هذا حكم إلزامي محرم كما في «النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني» هذا كبرى في النكاح أو غير النكاح. كما مر بنا أن الرغبة عن سنة النبي غير الترك بداع أما الفتور عن سنة النبي يوجب حرمان الانسان من الشفاعة في وقت هو ألزم شيء حاجة بالشفاعة، من ثم عند الفقهاء حتى المتأخرين يعتبرون للاستخفاف ولو بدرجة نازلة حكما الزاميا من جهة الحرمة.

إذاً لاحظ أن السنن في حين أنها سنن لكن تتعلق بها أحكام إلزامية أو تندمج بها.

صحيحة عيص بن القاسم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): والله إنه ليأتي على الرجل خمسون سنة وما قبل الله منه صلاة واحدة، فأي شئ أشد من هذا، والله إنكم لتعرفون من جيرانكم وأصحابكم من لو كان يصلي لبعضكم ما قبلها منه لاستخفافه بها، إن الله لا يقبل إلا الحسن، فكيف يقبل ما يستخف به؟!.[2]

والاستخفاف محرم يعني أقل شيء سيئة من السيئات.

صحيحة ابي بصير قال: قال أبو الحسن الأول (عليه السلام): لما حضر أبي الوفاة قال لي: يا بني، إنه لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة.[3]

يعني ترك السنة لأجل الاستخفاف يوجب الحرمة بل يوجب مهلكة عظيمة وهي حرمان من شفاعة الائمة والشفاعة الزم للإنسان أو لزومه لا يقل عن العمل الصالح.

أحد الصلحاء من تلاميذ الباقر علیه‌السلام كان جالسا والتلميذ الاخر كان يسأل عن شفاعة النبي ، فأخذ الإمام الباقر يبين له، فهذا التلميذ الأول المعروف بالصلاح والبر قال للتلميذ الثاني: عليك بصلاح عملك والايمان. فغضب الامام الباقر وقال غرك برّك وصلاح عملك و ايمانك، والله إن في القيامة أهوال لا ينجي منها لا العمل الصالح ولا الايمان إلا شفاعة النبي

هذا الذي ذكرناه مذكور في الايات الكريمة، أن من الدواعي العبادية التي يجب أن تقصد هو قصد القربة لله وقصد شفاعة النبي كأن تقول: أصلّي صلاة الظهر قربة لله تعالى وللوصول لشفاعة النبي والائمة علیهم‌السلام هذا نص القرآن.

﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾[4] صلوات الرسول بمعنى شفاعته «صل عليهم ان صلاتك سكن» يعني سكينة. هنا دمج الغاية بين قربات الرسول وشفاعة الرسول.

كما في سورة النساء ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾[5] أولا جاءوك يعني التوسل والتوجه الى النبي وتوجهم بالنبي الي الله ثم العبادة والقربة الى الله ثم شفاعة الرسول «لوجدوا لله توابا» والتوبة هي من أس أساس العبادات كلها.

مما يدل على أن العبادة تتقوم على ثلاثة أمور: أولا التوجه الى النبي وأهل البيت ثم العبادة والقربة لله ثم ابتغاء شفاعة النبي. هذه الاية مطابقة لما في سورة البرائة. وكذلك ما في سورة المنافقون ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّه...﴾[6] وصراحة الفقهاء أهملوا ذكر هذه الأمور والأصوليون إلا من ندر ولا مبرر لنا أن نهمل كما أهملوا لانها بنص القرآن في عدة سور دالة على أنه لابد أن يدمج الى القربة الي الله التوجه للنبي وأيضا ابتغاء شفاعة النبي وآله. وكذلك سورة إبراهيم. مع أن آلوسي من علماء العامة في ذيل الاية في سورة المنافقون ذكر هذا المطلب. يعني أن العبادة والعبودية لله لا تتحقق الا بالتوسل بأقرب المقربين الى الله والدعاء هكذا والدعاء مخ العبادة وورد مستفيضا بشواهد كثيرة أن الدعاء لا يستجاب ولا يصل الي العرش عرش التقدير والقضاء والقدر ولا تفتح الطبقات الي العرش الا بالايمان بالحجج الناطقة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾[7] ان الذين كذبوا باياتنا و (بمعنى أو) استكبروا عنها (يسمونه فعل التضمين في علم النحو تضمين فعل في فعل) فثلاث أمور يشترطها القرآن الكريم لدخول الجنة والنجاة من النار واستجابة الدعاء ورفع الاعمال. ليس فقط للدعاء بل لأصل العبادة وأصل النجاة وأصل الكمال. لا تفتح أبواب السماء لا للدعاء ولا لصعود أعمالهم و لا لصعود ايمانهم «اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه» حتى الايمان لا يقبل إذا يكون عند الانسان استكبار والتكذيب. من شك في فضيلة رويت له في عليّ هذا أحد أنواع النواصب. حسن فرهان ذكر في كتابه. هذا عند علماء العامة لا عندنا والتكذيب درجات.

التكذيب والاستكبار والصد درجات كما يذكره دعاء الغدير في ضياء الصالحين عن ابن طاوس كل المؤمنين مبتلون بهذه الصفات بدرجاته الخفية يعني لازم أن يسأل كل مومن ربه ان يتطهر من هذه الأمور بدرجاتها.

في روايات يذكر اهل البيت من المؤمنين من يجحد مقامات لهم يحرم مقامات عليا في الجنة وطبعا.

استكبروا عنها يعني الصد عنها والصد عن أهل البيت والجفاء أيضا درجات بحسب دعاء الندبة كلنا جفاة لصاحب العصر والزمان. هل من جزوع يعني ليس. هل قضيت عين يعني ليس. والحنين أيضا ليس. كلنا جفاة. الحديث المتواتر حديث الحنين أيضا يثبت كلنا جفاة. كما يقول الله تبارك وتعالى : اذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا» فالمقصود العون والمعين لله.

نفس الاية موجودة في سورة المنافقين وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوو رءوسهم.

لا تفتح أبواب السماء لا لصعود ايمانهم ولا عملهم ولا الدعاء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل. نفس الحكم الذي حكم الله على ابليس أنه مجرم هنا موجود. فالمهم ايات كثيرة دالة على أن العبادة يقصد فيها القرب الي الله وشفاعة النبي وأهل بيته. والفقهاء أيضا أهملوها والمتكلمون أيضا والإهمال ليس في محله

«يا بني لا ينال شفاعتنا» النيل الى شفاعة النبي واهل بيته هو غاية خاصة وغاية مهمة كما في القربة الي الله. كانما عباداتنا تؤهلنا لأن نقترب الي الله وكيف تؤهلنا؟ بأن نقترب لشفاعة النبي واهل بيته .

إذا كان اميرالمؤمنين يقول هذا فالبقية ماذا يقولون. يخاطب رسول الله لم يصلنا خير قط الا بك يا رسول الله. هذا مضمون الحديث. إذاً حتى العبادات تؤهلنا لكي يشفعنا النبي لكي يصل فيض الله ببركات شفاعة النبي .

بحث الشفاعة مغفول عنه في البحث الفقهي والكلامي والشفاعة مقام للنبي لا يقل عن مقام الرسالة. كما نقول: اشهد أن محمدا عبده ورسوله وشفيعه أيضا. يعني الوساطة في الفيض والخيرات للكل ثم تأتي شفاعة الائمة أو تؤهلنا لشفاعة النبي وشفاعة الدائرة الثانية تؤهلنا لشفاعة الدائرة الأولى. هذه في سورة البرائة في فاصل خمس أو ست آيات تبين بشكل واضح أن شفاعة النبي هي الواسطة التكوينية لفيض الله على العباد خذ منهم صدقة تزكيهم وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم. العبادات تطهرهم كي يستأهلوا شفاعة النبي وشفاعة النبي مجرى فيض الله تعالى. فلا عذر لنا أن نهمل. والإهمال مخل وفي غير محله. لأن أصل نية القربى لا تصح في منطق القرآن.

إذاً أقول إذا كان هناك في موارد يرد أن الانسان يحرم شفاعة اهل البيت أو شفاعة النبي لايمكن اعتبارها مستحبا، أحد تعاريف للحكم الالزامي أن خاصية مخالفة ذلك الحكم حرمان الانسان من الشفاعة وهي أعظم ضرر لأنها تسبب عدم دخول الانسان للجنة حسب منطق القرآن ولا يقبل الايمان والعمل والدعاء.

بقية الروايات نتعرض اليها ان شاء الله.


[1] وسائل الشيعة، الشيخ الحر العاملي، ج4، ص25، أبواب باب تحريم الاستخفاف بالصلاة والتهاون بها، باب6، ح٤٤١٩، ط آل البيت.
[2] وسائل الشيعة، الشيخ الحر العاملي، ج4، ص24، أبواب باب تحريم الاستخفاف بالصلاة والتهاون بها، باب6، ح٤٤١٤، ط آل البيت.
[3] وسائل الشيعة، الشيخ الحر العاملي، ج4، ص24، أبواب أبواب باب تحريم الاستخفاف بالصلاة والتهاون بها، باب6، ح٤٤١٥، ط آل البيت.
[4] سورة التوبة، الآية 99.
[5] سورة النساء، الآية 64.
[6] سورة المنافقون، الآية 5.
[7] سورة الاعراف، الآية 40.