الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/08/24

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث الأوامر/مادة الأمر وأبعادها

كان الكلام في أن مادة الأمر بأيّ معنى وضعت وتبين أنها موضوعة لمعنيين عند الأكثر نسبيا؛ معنى الطلب ومعنى الشأن أو الشيء أو الغرض أو ما هو قريب لهذه الأمور.

لكن يبقى أن مادة الامر هل وضعت للطلب أو وضعت لشيء آخر؟ يعني وضعت للبعث والتحريك وهي مصداق للطلب. فهنا عكس ما مر في المعنى الثاني للأمر أنه وضع للشأن والشيء المهم. قالوا أن تلك الموارد مصاديق والموضوع له هو المفهوم الكلي، هنا عكسوا وقيل أنها وضعت للطلب والحال أن الطلب عنوان مفهوم صادق على مادة الامر وليست مادة الامر موضوعة على الطلب نفسه.

الوجه في ذلك: الطلب يعني فيما يعنيه التصدي لتحصيل المراد، بينما الآمرية ليست معناها التصدي لتحصيل الغرض بل هي مصداق للتصدي من قبل المولى ولو بالإرادة التشريعية. فإذًا مفاد مادة الأمر يقرب من مفاد هيئة الأمر أنها نسبة باعثية محركية ودافعة وما شابه ذلك لا أنها هي نفسها الطلب. الطالب هو المولى لما يبعث ويدفع ويحرك ويثير المكلف فحينئذ هذا هو معنى الأمر وهو مصداق لطلب المولى.

بعبارة أخرى نكتة لطيفة: في «آمرك أن تصلي» عندنا فعلان؛ فعل للمولى أن يأمر والمولى ليس فعلها الصلاة بل يأمر ويحرك ويدفع العبد. شبيه قولهم أن «الأمر بالأمر بالشي أمر بالشيء» الأمر بالأمر غير الأمر بالشيء ولو هذا المثال ليس عين ما نحن فيه. فعل المولى عملية الآمرية وهذا فعله ويحرك العبد والعبد فعله الصلاة فالأمر بالصلاة يعني تحريك العبد تجاه الصلاة وإلا أن الصلاة هي متعلق الأمر مسامحة بل هي متعلق متعلق الأمر. أصل فعل المولى هو الآمرية والتحريك والبعث. عندما يقول «أقم الصلاة» فعل الأمر هو الأمر بالصلاة والصلاة ليست فعل المولى بل فعل المولى الآمرية وفعل المولى يتعلق بفعل العبد لا أنه يتعلق بالصلاة. المولى لا يتعلق فعله أولا وبالذات بالصلاة بل يتعلق بالبعث وتحريك العبد فبالتالي إذاً بالدقة الطلب وتصدي المولى لتحقيق الغرض ليس هو مفاد الطلب. نفس قيام الآمر بفعل العبد هو مصداق الطلب لا أنه هو طلب. إذاً مفاد الأمر ليس الطلب. حتى التعبير بالنسبة الطلبية أيضا مسامحة. يطلب المولى من العبد تحقيق فلان هو يبعثه في الحقيقة، مثل كلام السيد الخويي رحمه‌الله أن مادة الأمر وضعت لجعل الفعل في ذمة المكلف هذا أيضا مسامحة، جعل الفعل في ذمة المكلف ليس هو المعنى الموضوع له مادة الامر وهيئة الامر وإنما هذا معنى عقلي ينتزعه العقل كعنوان الوجوب. عنوان الوجوب سيأتي أنه ليس المعنى الموضوع له مادة الامر وهيئة الامر أو الاستحباب وإنما معنى هيئة الامر أو مادة الامر فيها تحريك كما أن النهي فيه زجر. فالنسبة المحركية هكذا. «آمرك أن تفعل كذا» يعني أبعثك وأحركك. فالصحيح أن الطلب ليس المعنى الموضوع له مادة الامر ولا هيئة الامر وإنما الطلب عنوان يصدق على أمر المولى أنه تصدي من المولى لتحصيل الغرض. فإذاً الموضوع له مادة الامر ليس الطلب وانما الطلب مصداق لهذا الشيء. هذا بالنسبة الى المعنى الخام اللغوي.

هذه الجهات لاحظوا فيها كيف الأعلام يدققون تحليلا في مادة الأمر وهيئة الامر وطبيعة الاستنباط هكذا في كل موارد بنية الظهور وهو تحليل دقائق المعاني الموجودة في الظهور.

الزاوية الثانية: إن مادة الأمر تختلف عن هيئة الامر. مادة الأمر لا يصح استعمالها إلا من شخص له علو أو قل له الولاية على المأمور. أما إذا كان مساويا أو دونه فلا يصح استعمال الامر. استعماله استعمال غير حقيقي لغة.

هذا ليس من قيود ماهوي للمعنى لكن من قيود الاستعمال وهذا دليل على أن شروط الاستعمال دخيلة في الاستعمال الحقيقي في الالفاظ، شبيه أحد النظريات في المعنى الحرفي أن المعنى الاسمي والحرفي معنى واحد، كلمة الظرف أو في إلا أن «في» وضعت ليستعمل إذا كان آليا ومندكا في غيره. الكثير استشكلوا لكن في ذهنهم وجه من الصحة.

لاحظوا هنا هكذا. ليس قيدا ماهويا هذا قيد في نفس الفاعل. ليس تحليلا ماهويا وهو مما ينبه على أن شروط الاستعمال تضييق المعنى الوضعي يعني تحصصه وهذا ممكن. فلذا لو يستخدم مادة الامر وهيئة الأمر ممن ليس له العلو والولاية إما يعاتب أو يقولون مجاز من جهة أنه فرض نفسه ذو الولاية أو القاهرية أو الفوقية ما شئت فعبر. إذاً استعمال من ليست له الولاية لمادة الامر غير صحيح حقيقة إما مجاز عقلي أو مجاز لغوي وهذا بخلاف هيئة الأمر لأنه ليس فيها هذا القيد.

من ثم في هيئة الامر إن استعملها من له الولاية والعلو ينتزع منها الوجوب بخلاف ما اذا استخدمها المساوي للمساوي أو الداني للعالي يسمى الدعاء أو الالتماس. لا يقال له الأمر. فهيئة الامر لا تكون هيئة الامر إلا إذا استعملها من له الولاية والموقعية العليا. وإلا تكون هيئة الدعاء أو الالتماس لأن هيئة الأمر لا تكون هيئة الامر إلا بهذه الخصوصية.

لذلك عندما يطلب النبي صلى الله عليه وآله يتقدم للصلح بين عشريتين أو الزوجين أو الطرفين فيسائلون سيد الأنبياء أ تأمروننا؟ قال لا بل أنا اشافع. فليس من موقعية الولي بل من موقعية الشفيع والمرشد.

فنكتة لطيفة في الأمر مادة وهيئة: تكون هيئة الامر إذا استعملها المتكلم من موقعية الولاية والعلو وإلا فلا. هذه نكتة مهمة يجب أن نلتفت اليه سواء في الباري تعالى أو سيد الأنبياء فضلا عن خلفاء الله عزوجل. إن الله بما هو ولي «الله ولي الذين آمنو» «انما وليكم الله» وتارة الله عزوجل يرشد وإذا كان مرشدا لم يستعمل موقعية الولاية تعالى بل بالدقة هي هيئة الانشاء والإرشاد وليس فيها الامر في الحقيقة مثل «لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين» نهي الله عزوجل ليس من باب المولوية «فصى آدم ربه» مثل عصيان المرشَد المرشِد يعني لا يتابعه، إذاً موقعية الولاية التكليفية موقعية للباري تعالى، ثم سيد الأنبياء ثم أوصياءه وتختلف عن موقعية غير الولاية. إذاً هناك مواقع أخرى للباري تعالى «واتقوا الله يعلمكم الله» يعني ليس من باب المولوية بل من باب التعليم والإرشاد. أحد مواقع الله عزوجل وخلفاءه أنهم مرشدون يعني المعلمين «هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم ويعلمهم»

ما الفائدة في الارشاد؟ بعض الاثارات العلمية مثل ما مر ما الفائدة من نقل التشرف لأنه ليس حجة ليس هناك واسطة رسمية بين صاحب الزمان والشيعة فما الفائدة من نقل التشرفات. الصدوق نقل التشرفات في كمال الدين والشيخ الطوسي في الغيبة والكليني في أصول الكافي والشيخ المفيد في كتبه والكثيرون. إذا كان التشرف ليس حجة فما الفائدة في ذلك؟ ليس كل ما ليس بحجة يعني ليس فيه فائدة. كثير من الأمور الارشادية يستخلص منه العلم. الارشاد يعني التعليم والمدار على حصول العلم.

شبيه كلام الأصوليين في قول اللغويين. قالوا ليس بحجة لكنهم مع ذلك يوميات الاستنباط يكترس الاصوليون والفقها والمفسرون بكلمات اللغويين مع أن كلماتهم كلها مراسيل وكونها كلها مراسيل لا ينافي أن يعتنى بها لتحصيل العلم بالتراكم. ما الفائدة بإخبار الضعاف؟ بتراكم الاخبار قد يحصل العلم والاطمئنان بما هو أقوى من الخبر الصحيح. هذه نكتة مشى عليها مشهور قاطبة علماء الامامية إلا القليل. هذه نكتة مهمة أن الفقيه أو المستنبط أو المفسر ليس دائما هو وراء الحجة بل يمكن أن لا يكون حجة بل إرشاد لكن هذا الارشاد قابلة لأن تتصاعد الى درجة العلم مثل الروايات الكثيرة أو الايات والبيانات الكثيرة في القرآن ليس من موقعية المولوية بل في حكمة الحكم.

حكمة الحكم هي تشريع أو إرشاد؟ قيد الأعلام مادة الامر أو هيئة الامر إذا كان من موقعية المولوية والعلو. المعلم لا يلاحظ المتعلم من جهة العلو بل يلاحظه من جهة الشفقة. فيا ترى حكمة الحكم ما هي؟ لدى الكثير من الأعلام أو الأكثر أو المشهور انه من باب الارشاد حتى لو كان من باب الارشاد لكنه كما مر فيه المرشد اليه يلاحظ لكن الصحيح بناء علم أصول القانون حكمة الحكم غالبا هي تشريعات فوقية وليست حكمة.

التشريع والجعل طبقات، هل عموم الشعب والمجتمع يأخذون أوامرهم من البرلمان أو الدستور أو الوزارات؟ لا بل من الشعب الإدارية والشعب النازلة. تلك الدرجة محل التماس التنفيذي مع الشعب أو المجتمع لكن هذا لا ينفي أن الأوامر البرلمانية أو الدستورية أو الوزارية تشريعات، تشريعات لكنها ليس محط وخط تماس مباشر مع الناس. مثلا أوامر البرلمان موجهة للوزراء وأوامر الدستور موجهة للبرلمانيين وما فيه مانع أن الجعل والتشريع والمولوية ليس من الضرورية أن تكون في تماس مباشر مع نفس المكلفين مثل أن الشارع يأمر الآباء مروا صبيانكم بالصلاة. هو تشريع لكن تشريع للأباء. هذا المبحث مهم. لا نلاحظه كأنما مبحث لغوي ساذج. يجب فيه التدبر والتوقف.

المولوية ماذا والإرشاد ماذا والتعليم وهلم جرا. أحد مقامات سيد الأنبياء وهو من مقامات الباري تعالى هو التعليم «اتقوا الله يعلمكم الله». إن الله تعالى له مقام التعليم فالمعلم الأول هو الله عزوجل والمعلم الثاني هو سيد الأنبياء ثم سيد الاوصياء صلى الله عليهما وآلهما. بالتالي مقام المعلم يختلف عن مقام الولي.

تقريبا نستطيع ان نقول «إنما وليكم الله» أو «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول» من حجية العقل العملي أما «يعلمكم الله» و«يعلمهم الكتاب والحكمة» من مقام حجية العقل النظري.

ما الفرق بين حجية العقل العملي وحجية العقل النظري؟ حجية العقل النظري مثل الإرشاد. لأن طبيعة العقل النظري مثل النور والإضائة. كما يقال: «أنظر به» «عليك بالمنظور لا بالمنظور به» وهو الإدراك بينما العقل العملي فيه الزجر والأمر والمولوية والحاكمية من ثم يقولون العقل العملي يحكم بخلاف العقل النظري انما هو الإرائة والإرشاد.

فيه إثارة قديمة دائمة لم تنجز في الدورة الأولى ولا الثانية: إن الاحكام هي خمسة تكليفية أو هي خمسة عشر حكما؟ هنا سياتي المبحث اللاحق كأنما أمر مسلم افترضوا خماسية الاحكام وهذا أول الكلام. هذا أيضا بحث الارشاد والمولوية متشابك مع البحث اللاحق. إثارته مهمة.