الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/08/20

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث المشتق/ اعتبارات الماهية والأسماء الإلهية

مرت بنا أربع اصطلاحات من اعتبارات الماهية.

الاصطلاح الرابع مر بنا أن يعبروا عنه الكل العرفاني والمراد به السعة يعني الاطلاق اللابشرط القسمي المراد به السعة لكن ليس ضروريا المراد به السعة الجغراقية أو الزمانية بل السعة قد يراد بها الهيمنة والكمال والإحاطة. بشرط شيء يعني المضيق واللابشرط يعني بغض النظر عن لحاظه كليا أو جزئيا في نفسه في مقابل المهملة.

أما الاصطلاح الخامس أيضا اصطلاح فلسفي يغاير الثالث الذي مر بنا والمراد به أن «بشرط شي» يعني التركيب الاتحادي الخارجي واللابشرط أعم من التركب الخارجي وعدم التركب وبشرط لا يعني بلحاظ عدم التركب الخارجي. فالتركب الخارجي يعبر عنه الموجود بين الجنس والفصل أو المادة والصورة بلحاظ التركب الاتحادي بينهم يصيران جنسا وفصلا فيكونان بشرط شيء وبشرط عدم التركب مع التباين يكون بشرط لا. لا بشرط يعني تلحظ المعنى وذات الماهية أعم من كونها مركبة مع الإتحاد الوجودي مع الغير أو مع عدم كونها مركبة. هذا هو خامس الاصطلاحات.

الذي يهم هنا في المقام هو الاصطلاح الثالث والمراد به الوجود لا بشرط القسمي أعم من كونه في نفسه أو في غيره وبشرط شيء يعني لغيره وبغيره وهلم جرا ومر أن الجوهر حينئذ فيه معنيان أو حيثيتان مستقلتان وحيثية حرفية فهو في نفسه ولنفسه لكنه بغيره، بخلاف العرض الذي هو في نفسه لكن لغيره وبغيره وبخلاف الرابط وهو أضعف الوجودات في غيره لغيره بغيره فهو أضعف الوجودات وأضعف الحروف. هذه الاعتبارات الثلاثة في الجوهر أو العرض أو الرابط في الحقيقة متحدة مع بعضها البعض لا أنها متباينة، لذلك من خاصية الوجود أن التباين فيه عين الوحدة والوحدة فيه عين التباين.

فعلى أي تقدير إذاً مراد أهل المعقول عندما يقولون أن المشتق بسيط، هو أنه مع ذلك يشير الى الذات لأنه يلاحظ فيه المبدأ متحورا وينبأ عن معنى في غيره يعني حرفيا ولما يكون حرفيا فلامحالة يشير الى الغير. فمتحد مع الغير اتحاد الحكاية والحاكي. الحرف كما قال اللغويون ما أنبأ عن معنى في غيره وليس حلولا ولا الاتحاد. هذا الاشكال ليس في محله على البساطة والاتحاد عليها قابل للتصوير.

أضف الى ذلك تأييدا للبساطة أن ما ذكره اللغويون أن هناك ضميرا مستترا في المشتق ونسبة. هذه النسبة خارج مفردة المشتق كأن يكون «ضارب هو» يعني التركيب الناقص بين ضارب وبين لفظة هو. فهناك نسبة أخرى نسبة بين مفردة الضارب كمشتق ولفظة هو بتركيب ناقص. هذا التركيب الناقص في المشتق إذا قرر فبالتالي دور الهيئة ما هو؟ في مفردة المشتق هيئة ومادة وضمير مستتر ونسبة نسبةً ناقصةً من إضافة لفظة ضارب الى لفظة هو.

هيئة المشتق وضعت لتحوير المبدأ «ض ر ب» الى تفصال ضارب وفاعل أو تحوير« ض ر ب» الى المضروب. يعني المضروب نعت لمن وقع عليه الضرب لغيره. يعني مادة الضرب لغيره حيثية وجودية تغاير حيثية نسبة مادة الضرب الى الفاعل أيضا لغيره، فتلك النسبة الوجودية الخارجية تختلف عن النسبة الوجودية للمفعول. (ليست نسبة كلامية.) فإذًا المشتق موضوع لتحوير المادة إما على هيكل وزي المفعول أو هيكل الفاعل أو اسم المكان وهلم جرا. حتى المصدر هو مشتق. مادة الضرب يلاحظ الحدث بما هو حدث بغض النظر عن إسناده الى الفاعل وعملية وقوع المادة كحدث. إسم المصدر نفس المادة بلحاظ أنها نتيجة بغض النظر عن إضافتها الى الفاعل أو المفعول أو الزمان والمكان. فإذاً كل هذه المشتقات تحور المادة الى زي معين أما النسبة الموجودة بين الإضافة الناقصة بين مفردة المشتق ولفظة «هو» المستتر على كلام اللغويين ولا بأس به فتدعم البساطة. حتى النسبة الموجودة ليست في هيئة وإنما هيئة المشتق دالة على تحويرة وجودية في المادة الخام نعتية رابطية للجوهر وهذا يصحح الحمل باعتبار أنه إشارة الى هو والذات.

بعبارة أخرى في حمل المشتق على المشتق كما استدل به القائلون بالتركب أيضا تحوير ناطق وضاحك ومتعجب. الناطق فيه ضمير مستتر «هو» والضاحك فيه ضمير مستتر والذات المقدرة واحدة وهذا يسوغ الحمل.

فإذاً اللغويون بغض النظر عن المناطقة قالوا إن المشتق عقد أي جملة ناقصة أو تامة. عندما تبنى على أن المشتق فيه ضمير مستتر وفيه نسبة وفيه هيئة فالمشتق دالة على تحوير المادة وفيه المادة، فبالتالي جملة من هذه الإشكالات تندفع على القول بالبساطة منها أنه إن نبني على البساطة كيف نحمل المباين على المباين؟ ليس هكذا بل الذات مقدرة في كلا الطرفين في المشتق الذي أخذ موضوعا وفي المشتق الذي أخذ محمولا.

بقي في البين أمر وننتهي من بحث المشتق. طبعا عمدا استعرضت هذه التطويلات فقط لإثبات هذه النقطة أن ظهور المفردة عند الاعلام فضلا عن تركيب الجملة فضلا عن الجمل والفقرات منهج التحليل الدقي فيه مطلوب. هل هذا المنهج التحليل الدقي يصيب دائما أو يخطأ؟ كل الموازين الظاهرية الظنية في الاستدلال قد تصيب وقد تخطأ حتى القواعد الصرفية أو النحوية أو البلاغية، بالتالي إنه إعمال بشري والإعمال البشري قد يخطأ وقد يصيب وفي كل علم هكذا حتى الرياضيات. من ثم غور الأعلام في هذا المطلب لأجل بيان أن منهجهم على التحليل في المفردة فضلا عن الجملة فضلا عن غير الجملة. تحليل لابد منه في الاستدلال ومنه طبعا هذا المنهج كثير من الشبهات الموجودة في الصفات الإلهية في علم الكلام أيضا تنحل كما الان سنخوض فيه. وهو اخر المبحث في المشتق.

فالقائلون بالتركب يواجهون مشكلة في الأسماء أنه كيف يمكن التركب؟ مثلا لما نقول عالم والباري بسيط لا تركب فيه والتركب يدل على النقص والتجزء. فإذاً هذا برهان على البساطة.

الأسماء الإلهية فرقها عن الصفات أن الأسماء مشتقة أما الصفات هي مصدر وليس اسم فاعل. العلم صفة والعالم اسم والقدرة صفة والقادر اسم. الأول إسم والأولية صفة وهلم جرا .طبعا بحث دقيق عقلي بينهم ما الفرق بين الصفة والاسم وكيف يحلل ويبدع معنى تحليلي للاسم. فالقول بالتركب يستلزم محاذير والقول بالبساطة كيف تقرر البساطة؟ إن المشتق عبارة عن بيان أن الذات متلبسة بالمبدأ. الكلام طبعا في الأسماء الذاتية والصفات الذاتية وليس في أسماء الفعل. أسماء وصفات الذات قاطبة الفلاسفة حتى المتكلمين كلهم بنوا على ان الصفات عين الذات خارجا وغيرها وتغايرها مفهوما. فهي متحدة مع الذات مصداقا وعينا ومتغايرة مفهوما هكذا بنوا. من ثم التغاير مفهومي وليس التغاير وجوديا في الواقع.

فهنا يبدأ السؤال إن العلم عين الذات كما في بيان عن الإمام الصادق علیه‌السلام إن الله علم كله وقدرة كله وحياة كله سميع كله و بصير كله. فكيف يمكن تصوير التعددية بين الذات والمبدأ التي هي قوام التعددية وهو قوام تصوير معنى المشتق. وكيف يتصور تلبس الذات بالمبدأ؟ الحلول والعروض لا يمكن في الباري وحتى الصدور أيضا لا يمكن لأن هذه الصفات ذاتية وليست صفات الفعل التي صدرت من الباري لكن بالنسبة الى صفات الذات فأيّ معنى للتلبس وقيام المبدأ بالذات في المشتق. فسؤال محرج سواء على القول بالبساطة أو على القول بالتركب لكن هو أكثر اعتراضا على القائلين بالتركب وأين التغاير؟ إذا كان الصفات عين الذات أين التغاير الذي يسوغ الحمل؟ القائلون بالتركب عندهم أجوبة لا بأس به اجمالا والقائلون بالبساطة عندهم أجوبة.

قبل أن ندخل في البساطة والتركب اتفقوا أن الصفات عين الذات خارجا، كيف يتصور؟ أما على مبنى العرفاء الذي اتبعوا فيه بيان اخر لأهل البيت علیهم‌السلام أن الصفات حتى الذاتية هي مخلوقة. لو يقال لها ذاتية يعني تجلي للذات الإلهية وأنها تحكي الذات لا أنها ذاتية التحقق والوقوع الخارجي لأن الذات أكمل من الصفات. هذا بحث طويل لا نريد أن ندخل فيه وله أدلته حتى في بيانات أميرالمؤمنين والائمة عليهم السلام أن الصفات الذاتية يقال لها الذاتية يعني ذاتية الحكاية. كما في المرآة؛ هذه الصورة ذات من؟ هذه الصورة ذات زيد. فالصورة ذاتية لزيد يعني تحكي الذات. علم كله يعني تحكي الذات لا أنه عين الذات وقوعا وخارجا. هذه الصورة في المرآة ليس لونا و عرضا بل تحكي صورة الذات لزيد لا أنه عين ذات زيد تحققا.

المهم هذا مسلك فبناء على هذا المسلك من المعنى للصفات الذاتية الاشكال لا يرد في البين لأنه فيه التعدد. قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا من الأسماء الإلهية الله اسم الجلالة والرحمن أيضا اسم لا الاسم الصوتي بل الاسم الخارجي له واقعية مهولة يعني أعظم المخلوقات هي الأسماء ولا أعظم منها وطبعا هي الأسماء الذاتية والاسماء طبقات فبناء على تعددية الأسماء مع المسمى أو الصفات الذاتية مع الذات الإلهية أصل الاشكال ما موجود لأن المشتقات والاسماء حاكية للذات وليس عين الذات لكنه عين الذات حكاية كما الحل في الموارد الأخرى. فهنا نكتة اذا على القول بان الأسماء ذاتية الحكاية ليس اشكالا أما على قول كافة المتكلمين والفلاسفة والمفسرين عين الذات تحققا وخارجا فكيف على القول بالبساطة والتركب كيف يمكن تصويره؟ تصويرها إجمالا أن التغاير على صعيد المفهوم موجود ولكن على صعيد الوجود الخارجي فيه اتحاد. فلما يكون على صعيد المفهوم فيه تغاير هذا المقدار مصحح في الحمل. وتستقيم حينئذ معاني المشتقات في الباري كمعاني المشتقات في غير الباري تعالى. فلا يحتاج الى من جزم به صاحب الفصول من ان المشتقات والاسماء الإلهية التي هي مشتقة لغويا هذه الأسماء في الباري تعالى استعملت مجازا غير المعنى الحقيقي الذي استعمل المشتق في المخلوقات. هذا تكفل هذا حاجة له ولا وجه. كما أن معنى تلبس المبدأ كيف يتلبس به الذات في الباري تعالى الباري تعالى ليس محل العروض والاسماء ليست أعراضا للذات الإلهية بل هي الذات الإلهية فكيف يتصور التلبس والقيام كذا أيضا يجيبون بجواب لا بأس به أن التلبس هنا ليس بمعنى الحلول والوقوع أو العروض من هذا القبيل وانما التلبس هنا بمعنى الواجدية. إن الذات واجدة لهذا المبدأ ولو الواجدية بمعنى لا يستلزم فيه الاثنينية والتركب الخارجي.

مثلما نقول أي ذات واجدة لذاتها. حتى ذات الممكنات كل شيء واجد لذاته وواجد لنفسه. كيف يقال هكذا هنا في الصفات الإلهية بناء على أنها عين الذات تحققا وخارجا هكذا كأنما نقول إن الذات واجدة للذات وليس بمعنى الحلول والتركب والتجزء والوقوع. قيام المبدأ في المشتق بالذات يعني ان الذات واجدة لهذا المبدأ. ليس مجازا بل معنى التلبس بمعنى الواجدية غاية الامر مصداق الواجدية تارة عروض وتارة وقوع وتارة صدور وتارة حلول لكن هي واجدية. واجدية للجوهر للعرض بحث آخر وواجدية الجوهر لأفعالها التي يصدرها نوع آخر من الواجدية واجدية حلول الشيء في شيء واجدية أخرى. في الباري تعالى الواجدية بهذا المعنى.

في الدعاء موجود هكذا. أنت استغنيت أن تحتاج الى ذاتك. فكيف أن تحتاج الى غيرك. في عدة أدلة لأن الباري لو كان فيه الحاجة يصير نقصا فيصير تركبا وحدودا فأين تصور الحاجة. هو ذاته عين ذاته. في حجاج الامام الرضا علیه‌السلام مع العمران الصابي أن الله يستغنى أن يحتاج الى ذاته. قال هل عرف نفسه؟ قال لا حاجة له لأن يعرف نفسه. في موارد أخرى أيضا موجودة. هنا تلبس المبدأ بالذات بمعنى الواجدية. على كل على القول بأن الصفات عين الذات خارجا قابلة للجواب بدون استدعاء التركب. طبعا هذا على مستوى اللغوي أما على مستوى العقلي كل هذا برهان ليس البساطة والتركب بل برهان أن الصفات ليست عين الذات خارجا. كيف هذا؟ موجود برهانه العقلي في بيان الصادق علیه‌السلام موجود في الكافي هذا تمام الكلام في المشتق وزبدة البحث في المشتق أن الأعلام يغوصون مجهريا في المفردة وليس كلها خلاف الظهور بل العكس. أما أنه معنى الظهور لا تحلل ولا تفكك ليس صحيحا ان شاء الله في الجلسة القادمة نبدأ في بحث الأوامر بمشية الله تعالى