الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/08/17

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث المشتق/ بساطة وتركب المشتق

كان الكلام في بساطة المشتق وتركبه. وبالتالي استدل بأدلة على البساطة وبأدلة على التركب ومر أن عمدة استدلال الفلاسفة من جهة أن الأسماء الإلهية بصيغة المشتقات والصفات الإلهية بصيغة المبدأ والمصدر لأنه بالتالي لغويا أو نحويا أو صرفيا لديهم المصدر مشتق والمادة الأصلية عندهم ض ر ب وليست ضربا. المهم ان الأسماء الإلهية بصيغة المشتق يعني ما يجري على الذات يعني العالم والقوي والحي وكذا، بينما الصفات هي الحياة والعلم والقدرة وهلم جرا. فحيث أن عندهم الأسماء غير مركب فلامحالة ذهبوا الى البساطة لا الى التركب.

استدل المحقق الشريف الجرجاني: لو أخذ مفهوم الشيء في المشتق استلزم انقلاب الفصول الى عرض عام والبعض حاول أن يجيب عن هذا الاستدلال واستدل أيضا بأن أخذ مصداق الشيء يلزم انقلاب القضية الممكنة الى الضرورية. النقاش حول هذين الوجوه مر ولا حاجة الى التكرار.

استدل أيضا بأنه لو كان المشتق مركبا لاستلزم التكرار. هذا استدلال صاحب الكفاية باعتبار أن «زيد ضارب» يعني زيد ذات ثبت له الضرب وهذا التكرار خلاف الظاهر. أجيب عن هذا الاستدلال أن زيدية زيد تختلف عن الذات، فليس تكرارا لأن هذا عنوان عام و زيد عنوان خاص.

استدل باستدلال خامس استدل به الميرزا الناييني أنه لو كان عنوان المشتق مركبا لاستلزم أن تتكرر النسبة وحينئذ عنوان المشتق نحويا يعود الى كونه مبنيا والحال أنه معرب.

بيان ذلك أن عنوان المشتق قيل بالتركب يعني ذات لها نسبة مع المبدأ. ليس المراد من التركب خصوص الذات والمبدأ لأن الذات والمبدأ أجنبيان عن بعضهما البعض ولابد من النسبة بينهما، إذا قيل بأن المشتق مركبا. إذا كان الحال كذلك بالتالي سيكون هناك تكرار لأن هذه نسبة المبدأ الى الذات وأيضا يكون هناك نسبة المشتق الى الذات زيد، فتكرار في النسبة والحال أننا لا نلمس التكرار مضافا الى أن النسبة لو أخذت في المشتق لكان اللازم أن يكون المشتق مبنيا لا معربا لأن النسبة معنى حرفي والحرف مبني لا إعراب له.

هذه نكتة لطيفة بغض النظر عن الاستدلال بها في المقام. لماذا الحرف مبني وليس معربا لأنه لا موقع للإعراب فيه بنفسه وإنما الاعراب فيه بلحاظ متعلقه. ميرزا الناييني يقول أن النسبة معنى حرفي وإذا أخذت في المشتق لكان مبنيا. هذا استدلال الناييني.

الجواب عن ذلك قالوا: أولا لاضير في التكرار لأن هنا نمطين من النسبة، نسبة المبدأ الى الذات المبهمة بخلاف النسبة في الجملة الام أو الكبيرة النسبة الى زيد، فاختلفت النسبة إجمالا. أما أخذ النسبة في عنوان المشتق فليس من الضروري أن يكون مبنيا لأنه صحيح أن أسماء الموصول وأسماء الإشارة وأسماء الصلة مبنية لأن فيها معنى حرفيا لكن ليس ضروريا أن يكون فيه تلازم. لأن هنا الحرفية قد النسبة لها معنى آخر سيأتي ليس حرفية وجودية وليس حرفية في المعنى الحرفي.

إجمالا هذه جملة من الأدلة التي استدل بها على البساطة أي نفي التركب. وهناك أدلة استدل بها على التركب عكس ذلك.

من الأدلة التي استدل بها على التركب الوجدان أننا عندما نتصور مفردة المشتق بغض النظر عن تركيبها في جملة معينة نشعر وندرك وجود معنى الذات. طبعا معنى الذات كما مر ليس المراد من الذات الخاصة بل الذات العامة أو الشيئية العامة. ليس المراد منها المفهوم بما هو مفهوم. المهم ليس المراد من الذات هنا الذات الخاصة بل المراد به الذات المبهمة فنحن نستشعر وجود الذات العام المبهمة بعبارة أخرى بالتبادر. وجدان بمعنى تبادره الى الذهن. سياتي النقاش في هذه الأدلة

الدليل الثاني: على هذا المطلب أنه لا يصح حمل المشتق على زيد إلا بتقدير عنوان الذات. لماذا؟ لأن المبدأ يعني العرض وكيف اتحاده. الحمل يحتاج الى جهة اتحاد وجهة مغايرة. الحمل في حين ثنائية المحمول والموضوع ومغايرتهما إلا أن الحمل أيضا فيه جهة اتحاد فالقضية فيها ثنائية لطيفة. ثنائية التعدد والاختلاف وجهة أخرى الاتحاد بين الموضوع والمحمول لا هي اتحاد مطلق ولا هي تباين مطلق امر بين الامرين. هذه من النكات اللطيفة.

إذا كان بينهما اتحاد كيف يمكن أن يقرر الاتحاد بين المبدأ والعرض وبين زيد الجوهر؟ فلابد من همزة اتحاد وهمزة الوصل. إذا قررنا أن في المشتق ذاتا نعم الذات العامة تنطبق على زيد الجوهر كفرد. هذه همزة وصل وجسر وصال. بخلاف إذا أخذنا المبدأ فقط فحينئذ كيف يتم الاتحاد بين المقولات العشرة أنها متباينة. هذا الاستدلال بعينه القائلون بالبساطة يستدلون به على البساطة. فهذا الاستدلال معركة اراء بين الفريقين ولا بد من الخوض فيه بشيء من التحليل أو ببسط من التحليل.

قبل أن ندخل في سجال الطرفين فيه دليل آخر للتركب نذكره قريب الأفق لهذا الدليل. الدليل الآخر للتركب لو حملنا المشتق على مشتق، الموضوع لو كان مشتقا والمحمول لو كان مشتقا مثلا الكاتب ضاحك. إذا لم يكن في البين عنوان الذات في كلا المشتقين هما همزة الوصل في كلا المشتقين الذين جعلنا احدهما موضوعا والأخر محمولا لما صح الحمل. هذا الاستدلال صياغة أخرى من الدليل السابق. يقولون زيد ضارب أو قلنا ضارب ناطق نفس الكلام ما هو جهة الاتحاد بين المشتقين إن لم يكن في البين ذات. المصحح للحمل عند القائلين بالتركب لا محالة هو الذات وليس المبدأ.

الفلاسفة والمتكلمون الذين لهم مشرب فلسفي «المتكلمون مدارس كما ان الفلاسفة مدارس أو المناطقة» حاولوا أن يعينوا جهة الاتحاد في زيد ضارب لاسيما هم لا يعترفون وجود الذات. قالوا: إن المبدأ وهو الضرب ض ر ب او غيرها من المبادئ تارة يلاحظ لابشرط فيمكن حمله وتارة يلاحظ بشرط لا يكون الضرب وليس ضارب. النطق وليس ناطق. فإذاً الفرق اعتباري بين لابشرط و بشرط لا.

قبل الخوض في توضيح مرادهم يجب الالتفات الى أن اعتبارات الماهية لابشرط المقسمي ولا بشرط القسمي و بشرط لا وبشرط شيء هذا التقسيم الرباعي او الخماسي في مقابل الماهية المهملة هذا التقسيم في الاعتبار. من المهم جدا أن نلتفت أن له ثلاث اصطلاحات أو خمس اصطلاحات. مثلا الماهية لابشرط القسمي لها خمس اصطلاحات. الاصطلاحان عند المناطقة والفلاسفة واصطلاح عند العرفاء واصطلاح عند النحاة واللغويين وتشابك الاصطلاحات أحد أسباب الغموض و اللغط العلمي بين أصحاب العلوم. فالتفكيك بين الاصطلاحات شيء مهم. بشرط شيء له خمس معان و بشرط لا و لا بشرط المقسمي له خمس معان. بغض النظر عن هذا الاصطلاحات تثمر أو لا تثمر هذا بحث آخر. هذه التصورات شيء مهم كل الأقسام له خمس تصورات. هذه التصورات تكوينية لا يمكن انكارها. هذه المعاني تصورية تكوينية تعكس واقعية من الواقعيات.

مثلا اصطلاح الفلاسفة والمناطقة في اعتبارات الماهية هكذا أن المادة بشرط لا والجنس لا بشرط. مادة ذاتا هي الجنس. المادة الأولى أو الثانية أو الثانية أيا ما كان. المادة بشرط لا نفس الجنس وهو لا بشرط. كذلك الفصل، الفصل ماهية وذاتا نفس الصورة الجوهرية لكن الصورة الجوهرية بشرط لا والفصل لا بشرط. لان الفصل لا بشرط فيحمل الفصل على الجنس أما المادة لأنه بشرط لا والصورة بشرط لا، فلا يحمل المادة على الصورة.

ماذا مرادهم من الاصطلاح؟ فلا بد من الدقة في تصوير اصطلاحات العلوم و الفنون المختلفة. وبالدقة هذه الاصطلاحات ليست مجرد الاصطلاح بل هي معان. صاحب الفصول أو غيره من الأعلام ربما فسروا هذه الاصطلاح من الفلاسفة فسروه كالتفسير الموجود عند النحويين أو اللغويين أو الأصوليين من باب العام والخاص. العام لا بشرط والخاص بشرط لا. لكن ليس هو المراد من الفلاسفة. العام لا بشرط القسمي. طبعا هناك دقة في نفس الاصطلاح الواحد عند الأصوليين. مقسم وثلاث أقسام اللابشرط المقسمي واللابشرط القسمي وبشرط لا وبشرط شيء والمهملة. ما الفرق بين المهملة وبين اللابشرط المقسمي. في كل هذه الاصطلاحات هذا التقسيم الخماسي موجود. اصطلاحات خمسة لعناوين خمسة. فتارة في الاصطلاح الواحد يجب أن يميز الانسان بين العناوين الخمسة ما هو الفرق بين المهملة وبين اللابشرط المقسمي. جدل علمي في أصحاب الاصطلاح هذا نزاع داخلي. وفيه نزاع بين الاصطلاحات الخمسة. ولا بد من الالتفات الى أن هذه اصطلاحات خمسة للعناوين الخمسة.

هذا الاصطلاح الدارج المعروف بين العموم والاطلاق هذا أسهل المعاني وأسهل الاصطلاحات. أما المعاني الأخرى ليست معاني كما حسبه جملة من الأعلام. التشويش بين العلوم المختلفة وحدة العنوان وتعدد الاصطلاح. مثل كلمة المشتق. المشتق عند النحويين واللغويين شكل وعند الأصوليين شكل وعند الفلاسفة شكل آخر وكل له اصطلاح. المشكلة من هنا تنشأ.

نفس أصحاب الاصطلاح الواحد جمهور ذلك العلم من العلماء بالقياس الى الرواد من ذلك العلم عوام. غالبا في الاصطلاح الواحد لأصحاب العلم الواحد مثلا دائما يتكلم ابن سينا عن عموم الفلاسفة انهم متفلسفة وليسوا فلاسفة. جمهور الفلاسفة عوام وهذا الاصطلاح صحيح في كل العلوم. في كل علم فيه طبقة عامة من العلماء وفيه رواد خاصين. فالمشكلة تنشأ في اصطلاح واحد أن عموم أصحاب ذلك العلم هم عوام في مباحث المعقدة الغامضة في ذلك العلم. حتى التعبير من ابن سينا أو خواجه نصير أو ملا صدرا «إن الله لا يعلم بجزئيات» اعوذ بالله. المراد شيء آخر مما فهمه جمهور الفلاسفة اعوذ بالله ان يكون جاهلا. اصطلاحات في أصحاب الفن الواحد كثيرا ما تكون مشوشة يجب اتقانه فضلا عن ان أصحاب العلوم يكون لهم اصطلاحات متخالفة.

تعرضنا اليه من جهة أن لها ثمرات أصولية لأن هذه الاصطلاحات تستعمل في بنية الظهور.