الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/08/09

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث المشتق/ ادلة المشتق واختلاف تركيب القضايا

الكلام كان في أدلة الأعم واستدل بكثرة الاستعمال في ما انقضى عنه. في المقابل للجواب على هذا الاستدلال يقال أن الكثرة في الاستعمال لا مانع منها باعتبار أن المجاز له حكمته وبلاغته و جماله وبيانه والمجاز لا يتأتى إلا بعد أن يكون اللفظ له معنى حقيقي، فبالتالي الوضع الحقيقي توطئة بالمجاز ولو يكون المجاز اكثر لا مانع منه. نفس المجاز أحد أغراض الحقيقة أو الكناية أو التشبيه أو الاستعارة. هذا لا مانع منه وبمجرد الكثرة في المجاز لا يشكل إشكالا.

الجواب الاخر عن هذا الاستدلال أن هذه الكثرة في الحقيقة في ما انقضى عنه التلبس بلحاظ زمان التكلم لا بلحاظ زمن الاسناد وإلا زمان الاسناد وزمان المفردة استعمل في من تلبس لا في من انقضى، فليس هنا كثرة الاستعمال في ما انقضى عنه بل الاستعمال في من تلبس. هذا جواب آخر لا بأس به.

هذه التفاصيل ندخل فيها لأجل التنبه الى أن البحث في المشتق أو العناوين الواردة في الأدلة ضبطها يحتاج الي دقة وتثبت مجهري في طبيعة المادة، أوّلا هل هي العمل أو الملكة أو الشأنية، كما نبه الاعلام على ذلك. نفس المادة استعمل في أي شيء. ثم بعد الفراغ عن المادة تأتي نوبة الهيئة، أي هيئة مرادة؟ زمان المشتق والاسناد الموجود فيه سواء المطوي فيه أو الاسناد الخارج من ذلك. التدقيق في الأزمنة الثلاثة زمان المشتق وزمان الاسناد وزمان المحمول وزمان التكلم أربعة أزمنة هل هي متطابقة أو غير متطابقة فهذه الأمور يجب أن يلتفت اليها المستنبط. الغرض من هذه التفاصيل التدقيق في هذه الزوايا يعني عنوان واحد من زوايا متعددة يجري فيه التحليل لا أن يجعل العنوان بشكل مبهم ومجمل وارتكازي بل يجب ان يعمل منهج التحليل. هذا شيء مهم.

استدلال آخر: استدل بقوله تعالى «ولا ينال عهدي الظالمين» باعتبار أن الامامة عهد إلهي لا ينال من ارتكب معصية في عمره فلابد أن يكون الامام معصوما. فمن ثم أصحاب السقيفة لا يستأهلون الامامة وخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله لأنهم كانوا عبدة وثن أكثر عمرهم ويرتكبون الكبائر فلايصلحون للامامة والخلافة ولا يشكل بأن الإسلام يجبّ ما قبله. المهم بالتالي وقت الخلافة لم يكونوا عبدة الوثن ولم يرتكبوا الكبائر مع أن معاداة أهل البيت والهجوم الى بيت فاطمة سلام الله عليها من أعظم الكبائر وغصب الخلافة من صاحبها من أكبر الكبائر بنص القرآن. هذا اول الكلام أنهم لم يكونوا متلبسين اول الخلافة. أول ظلمهم وتلبسهم بالظلم أن رسول الله قال لعن الله من تخلف عن جيش أسامة كيف لم يكونوا متلبسين؟ لذلك علماء الامامية يقولون اين هم من عدم التلبس بالظلم. لنفترض بغض النظر عن هذه الأمور ولم يكونوا بمتلبسين. وإلا الاستدلال تام وإن فرض أن استدلال المشتق في من تلبس لأنهم كانوا متلبسين بالفعل.

القائلون بالأعم يقولون لا يتم الاستدلال إلا إذا كان المشتق أعم مع أنه لو كان المشتق للأخص أيضا يتم الاستدلال لكن حسب ذهنية المستدل فيقول لا يتم الاستدلال على إبطال خلافة أصحاب السقيفة إلا إذا كان المشتق للأعم.

من حيث البحث النظري صحيح أن الإمامة لا تصلح لمن عبد الوثن لكن أجابوا من ذلك انه لا من جهة أن المشتق استعمل في ما انقضى أو يراد الوضع الحقيقي ما انقضى عنه بل لأن مناسبات الحكم والموضوع في المقام تدل على ان الموضوع حيثية تعليلية ومر بنا أنها تعني أخذه حدوثا لا بقاء. بتفسير آخر مر بنا تعني أن الموضوع زمانه يختلف عن زمان المحمول يعني زمان الحدوث هو الموضوع التام للمحمول حدوثا وبقاءً.

لا بأس ان نوضحها اكثر: العلاقة بين الموضوع والمحمول قالوا إما حيثية تعليلية وإما حيثية تقييدية. التقييدية يعني حدوث الموضوع مع حدوث المحمول وبقاء الموضوع مع بقاء المحمول. نقدر أن نرسم منه شكلا مربعا أو مستطيلا.

اما الحيثية التعليلية كشكل هندسي راس المثلث حدوث الموضوع وهو علة لحدوث المحمول وبقاء المحمول. رأس المثلث يكون حدوث الموضوع. هذا شكل هندسي آخر في العلاقة بين الموضوع والمحمول

بعبارة أخرى في القضايا القانونية العلاقة بين الموضوع والمحمول يمكن أن يتخذ أشكالا عديدة. هذه نكتة مهمة في بحث المشتق ليست كل العلاقة بين الموضوع والمحمول على وتيرة واحدة.

تذكرون أن السيد الخويي يصرّ في نهاية البحث أن ثمرات المشتق الضمنية لا ينكرها بل ينكر الثمرة النهائية والمجموعية لأن هناك قاعدتين قاعدة أن المحمول ليس له فعلية إلا بفعلية الموضوع. هذه القاعدة الأولى. القاعدة الثانية التي ذكرها السيد الخويي مغنية عن البحث المشتق هي الحيثية التعليلية والتقييدية فإذا كان تعليلية يغني عن هذا البحث. بهاتين القاعدتين يستدل بعدم ثمار بحث المشتق.

هذا الذي ذكره السيد الخويي متين لكن لا يغني عن بحث المشتق ولا بحث المشتق يغني عن القاعدتين بل مع بعضهما البعض. هذا البحث في المشتق بغض النظر عن ثمرته النهائية ثمراته الضمنية أهم لأنها يبين أن وتيرة الموضوع علاقته بالمحمول ليست على وتيرة واحدة فهنا مثلا في الاية الكريمة قيل هكذا بانه خطر الامامة الإلهية والخلافة الإلهية ومقام الاصطفاء بنص القرآن الكريم «أبعث لنا ملكا نقاتل معه قال ان الله بعث لكم طالوت ملكا قالوا انى يكون له الملك ولم يؤت سعة من المال. قال ان الله اصطفاه» إن الاصطفاء ليس من الرسالة والنبوة بنص القرآن الكريم. «إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة (يعني الاتساع) في العلم والجسم» قلع باب خيبر ومناجزة أبطال العرب وان كل المسلمين عن بكرة أبيهم بفرون ويبقى الامام كل هذه الأمور مواصفات الاصطفاء على الامامة. المهم أن الامامة اصطفاء الهي لا ينال عهدي الظالمين . فمناسبة هذا الاصطفاء والعهد الإلهي لا يناسب من يرتكب الظلم في طول حياته لأنه مقام عظيم ويحتاج الى الطهارة وهذه ليست جبرا.

الاصطفاء خلافا لما قد يوهم من كلام كثير من علماء الامامية أن الاصطفاء فعل الهي لكن ليس جبرا بل هو جزاء من الله لقمة اختيار الذي يصطفاه الله. الاكتساب لا يصل الى الاصطفاء مهما يكون. ذروة حسن الاختيار أن يصطفي الله ذلك الفاعل يعني الاصطفاء يعني ينتخبه الله واختاره الله. إما لعلم الله السابق بأن هذا من المتفوقين أو بعد أثناء ممارسته فيعطي الله إصابات. فالإصطفاء لا يتخيل أنه جبر مع انه فعل الله لكن فعل الله المستند الى فعل العبد ومن ثم تفاوت المصطفون في الاصطفاء لمراتب تفوقهم. إذًا «لا ينال عهدي الظالمين» في مناسبة الحكم والموضوع أن يكون الظلم حدوثا حيثية تعليلية لمنع الهباء بالإمامة حدوثا وبقاء وطبيعة الموضوعات ليست على وتيرة واحدة للأحكام.

حتى في بعض الاحكام لدينا من هذا القبيل. صورنا حيثية تقييدية مثل المستطيل وحيثية تعليلية مثل المثلث. بعض الموضوعات حدوث الموضوع في النهاية كرأس المثلث علة لحدوث الحكم السابق وبقاءه. شبيه الشرط المتأخر. متأخر عن الوجوب يعني حدوث الموضوع لاحقا وبقاء علة لحدوث المحمول سابقا. هذا معنى الشرط المتأخر. أو حتى الواجب المعلق أو الوجوبات الأخرى. فلاحظ أن الموضوعات والمحمولات كيف تأخذ الاشكال الكثيرة. حتى الاجازة في البيع الفضولي. الاجازة من المجيز في العقود بناء على غير النقل من أنواع الكشف سواء الكشف الحقيقي أو الحكمي أو الانقلابي أو البرزخي خمسة أو ستة اقسام نحن نقول بالكشف البرزخي والانقلابي باللغة العربية هو في الحقيقة إجازة مع أنه موضوع متأخر يؤثر على محمول متقدم. طبيعة الأمور التعلقية هكذا فإذاً الموضوعات ليست كلها على وتيرة واحدة. هذا يفهم من خلال إثارة بحث المشتق.

إذاً هذا الاستدلال بالآية الكريمة قابل للخدشة .لكنه استدلال مهم ليلتفت الى اختلاف طبايع الاحكام والموضوعات ومر بنا أن الميرزا الناييني في رسالة اللباس المشكوك الف لاجل التدقيق في أنحاء الموضوعات والمحمولات. هذا استدلال ثاني للقول بالاعم.

أيضا استدل للاعم بقوله تعالى «الزانية والزاني فاجلدوا كلا منهما مأة جلدة» أو «السارقة والسارق فاقطعوا ايديهما» فاستدل على الاعم. لا توافق بين زمان الحكم وزمان التلبس بالمبدأ وزمان إجراء الحكم. عندنا زمان الجلد أو القطع ومتعلق الحكم وعندنا زمان التلبس. فلاحظ هنا قد يكون خمسة أزمنة. زمان التلبس وزمان الإسناد وزمان التكلم وزمان المحمول وزمان المتعلق وأداء المتعلق. شبيه حزورة أصولية يذكرها الاصوليون في «أقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل»

هذا الزمان قيد الوجوب أو قيد الواجب؟ وهل يمكن أن يكون قيد الوجوب هو قيد الواجب؟ لأن قيد الوجوب لا يبعث نحوه الحكم. أما قيد الواجب إما يبعث نحوه أو يبعث الحكم نحو تقيد المتعلق به. فكيف يكون القيد في نفس الوقت قيد الوجوب وهو قيد الواجب؟ هذا من المعضلات المستعسية ذكروها في بحث مقدمة الواجب. المقصود أيا ما كان، الزمان قيد الوجوب في الصلاة قيد حيثية تعليلية أو تقييدية؟ فيه كلام. مثلا إذا دخل عليك زوال الظهر وسافرت عكس الشمس من الشرق الأوسط الى استراليا يعني الغروب ينتهي بالسرعة. فيجب عليك قضاء الصلاة أو لا؟ قد بالعكس تسافر من الزوال من الشرق الأوسط الى أمريكا فيدخل عليك الزوال مرة أخرى فيجب عليك صلاتان أو صلاة واحدة. على أية حال في الكلام أن الزمان حيثية تعليلية أو تقييدية بالنسبة الى الصلاة أو الصيام؟ ماذا عن البلدان في القطب الشمالي الذي يغيب النهار تماما في أيام الشتاء. كيف حسابات الوقت هل تنتفي هناك الصلوات النهارية؟ أو العكس في الصيف في تلك البلدان ينتفي الليل حسب المدن إما بالأيام ينتفي أو الأسابيع الشمس دائما طالعة فهل ينعدم صلاة المغرب والعشاء؟ السيد الخويي يقول يجب الهجرة من تلك البلدان. هل يعني يجب ان يحقق الموضوع؟ المهم هذه البحوث مفيدة المقصود هو النكتة نفسه الموضوع والمحمول ما هو الموضوع هل الموضوع أصلا النهار والضياء والظلمة أو الموضوع شيء آخر؟ الضياء والظلمة ليست موضوعا الموضوع شيء وراء ذلك. فإذاً هذه البحوث مهمة.

في كل الحدود زمان الموضوع يختلف عن زمان المحمول أو زمان المتعلق أم ماذا؟ أو الأبواب الأخرى كل هذا تدقيق في أزمنة القضية القانونية الشرعية. وهذا لب البحث.