الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/08/05

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث المشتق/ الأصل العملي في اجمال المشتق

قبل ان ندخل في أدلة الأعلام و الأقوال في المشتق عنون صاحب الكفاية نقطة أخرى وهي أنه مع الشك ما هو مقتضى القاعدة ففصل أنه مع الشك وعدم وجود اليقين بالحكم السابق تجري البرائة و مع وجود اليقين بالحكم السابق يجري الاستصحاب.

وسجل أشكال على صاحب الكفاية أن هنا الاستصحاب لا يجري لأنه من الشبهة المفهومية وإذا كانت الشبهة مفهومية لا يجري فيها الاستصحاب بل لا يجري فيها بقية الأصول العملية.

معروف عند الإعلام أن تنقيح المفاهيم لا يتم بالأصول العملية. بالأصول اللفظية يمكن لكن بالأصول العملية لا يتم تنقيح المفاهيم. الأصل العملي ليس وظيفته بنية الظهور بل وظيفته العمل الخارجي وليس تنقيح وهيكلة بنية الظهور.

ربما في بعض الموارد استثناء تخصصا عندما يستصحب عدم المخصص يتمسك بالعموم كما في موارد استصحاب العدم الازلي هذا ليس من الاستثناء والتخصيص كأن يقال الأصول العملية لا تعالج الظهور الا في موارد الشك في المخصص، ليس كذلك لانه مطلقا الأصول العملية لا تنقح الظهور أما في موارد استصحاب العدم الازلي مع استصحاب عدم المخصص مثلا كل امرأة تحيض الى الخمسين إلا القرشية ولو شككنا في معنى القرشية نستصحب عدم القرشية ينقح موضوع التمسك بعموم كل امرأة أو كل ميت يجهز الا الكافر نشك أن هذا كافر أو لا نستصحب عدم الكفر، هذه الموارد التي يجري فيها الاستصحاب في المخصص ليست استثناء من الضابطة العامة أن الأصول العملية لا تعالج الظهور بل حصلت التمسك بها لأنها تنقح المصداق، حينئذ يتمسك بالعموم لا أنها تعالج الظاهر بالدقة.

طبع الأصول العملية أنها لا تعالج الظواهر من ثم عرف عندهم أن الأصول العملية لا تنقح الشبهة المفهومية يعني لا تعالج الظهور وبنية الظهور. مثلا عندما نشك في أن ماء الشعير الذي يباع في الأسواق هو ماء الشعير الحلال ألذي لم ينقع تنقيعا زائدا حتى غلى من ذاته، الزبد الذي فوقه فقاع والفقاع هو البيرة وحرام، إذا نشك في أنه هل البيرة أو ماء الشعير الحلال فالأصول العملية لا تنقح المفهوم. متى يصبح فقاعا وحراما ولو خصوص هذا المثال الشارع ذكر ضابطة وهي الزبد الذي فوقه بعض الأحيان يتخطى مرحلة الزبد ينعدم الزبد ويكون مرّا تماما هذا اصبح نبيذا ومرورة فيه. على أي حال إذا الأصول العملية لا تنقح الظهور.

من زاوية أخرى في هذا البحث وأمثاله من الأبحاث أن الشبهة المفهومية هي شبهة حكمية وليست شبهة موضوعية، لأن المراد من الشبهة الحكمية هي الشبهة التي تستند الى البيان أو الدليل الكلي الصادر من الشارع سواء ارتبط بموضوع الحكم الكلي أو بالمحمول فليس مرادهم من الشبهة الحكمية هي الشك الذي يرجع الي الحكم فقط والشبهة الموضوعية أيضا فيها زاوية الحكم الجزئي بينما الشبهة الحكمية المراد منها الحكم الكلي من زاوية المحمول نفسه أو من زاوية الموضوع أو من زاوية المتعلق أو أكثر، أقسام الشبهة الحكمية كثيرة؛ عندنا الشبهة الصدقية وعندنا الشبهة المصداقية لا المصداق الجزئي الخارجي ليكون الشبهة الموضوعية. بل هناك شبهة مصداقية حكمية. والضابطة فيها هو رجوع الشك الى الحكم الكلي من أي زاوية من زوايا القضية القانونية الكلية. والقضية القانونية الكلية فيها زوايا عديدة وليست ثلاث زوايا فقط.

لماذا نفرق بين الشبهة الموضوعية والشبهة الحكمية؟ ما الثمرة؟ ثمرات كثيرة. الحكمية ترجع الى الظهور وبنية الظهور والموضوعية لا ترجع الى بنية الظهور. الشبهة الحكمية الأصل فيها الفحص لا المبادرة بالاصول العملية.

الفتوى بالبرائة غفلة عن جملة من الأعلام المعاصرين لأنها شبهة حكمية وتحتاج الي الفحص والتنقيح والتمحيص لا أن نفتي بالبرائة ونوكل الامر الى المكلف هذه غفلة. أحد الاعلام رحمه‌الله ذكرت له هذا المطلب فعدل عن فتواه ثم بعد مدة رجع الى البرائة. على أي حال في الشبهة الحكمية الأصل فيها ليس المبادرة الى الأصول العملية بل الأصل فيها الفحص حتى لو كان الأصل العملي منجزا فالقاعدة فيها الفحص وليس التمسك بالأصول العملية. الأصل هو الفحص حتى في الأصول اللفظية بخلاف الشبهة الموضوعية. فوارق كثيرة بين الشبهة الموضوعية والشبهة الحكمية.

فإذاً الاعلام قرروا أن في الشبهة المفهومية للموضوع والمتعلق لا يرجع الى الأصول العملية لتنقيح المفهوم المجمل. ولكن البعض فصل.

قبل بيان التفصيل نذكر أنه لماذا لا يجري الاستصحاب؟ الأعلام قالوا لا يجري الاستصحاب لأنه ليس من شأنه تنقيح الظهور وهذا صحيح ثم أي استصحاب نريد أن نجريه؟ هل الاستصحاب في الموضوع؟ الموضوع كان من الأول مجملا أو المتعلق وان كنا نجريه في المحمول ما المانع من ذلك؟ اليقين السابق والشك اللاحق. يقولون لا نجريه في المحمول والحكم لأنه يشترط في إجراء الاستصحاب إحراز بقاء الموضوع في اجراء الاستصحاب وإذا تريد أن تجري الاستصحاب في الحكم فالموضوع كان مجملا فالوحدة بين موضوع القضية المتيقنة وموضوع القضية المشكوكة غير معلوم. إنما ينقض المشكوك المتيقن اذا كان الموضوعان واحدا. قد يكون الموضوع مرتفعا وهذا موضوع جديد فلا يجري الاستصحاب في الحكم والمحمول واصطلاحا قد يطلقون اجراء الاستصحاب في المحمول في الشبهة الحكمية أنه استصحاب حكمي مقصودهم يعني استصحاب يجري في الحكم في الشبهة الحكمية.

هناك اصطلاح شبهة حكمية وشبهة موضوعية. وهناك اصطلاح عند الاعلام أصل موضوعي وأصل حكمي غير الاصطلاح الأول.

كل من الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية تنقسم الى الأصل الموضوعي و الأصل الحكمي ومقصودهم يعني الأصل الجاري في الموضوع أو الأصل الجاري في المحمول والحكم سواء كان كليا أو جزئيا. لان في الموضوع الكلي أصل موضوعي وفي الحكم الكلي أصل حكمي. فاصطلاحان يجب الالتفات اليهما.

فالأعلام يقولون في الشبهة المفهومية لا يجري الاستصحاب لا في الموضوع الكلي و لا في المحمول لماذا؟ لا أصل موضوعي يجري ولا أصل حكمي يجري. لأنا لا نحرز وحدة القضية المشكوكة والمتيقنة هذا كلام صحيح لكن لازم كلامهم عدم المنع المطلق من الاستصحاب الحكمي في الشبهة الحكمية لأنه قد يكون هذا المشتق أو العنوان المجمل ليس ركنا في الموضوع عرفا. حتى الشك في قوام الموضوع الكلي العرف يراه باقيا فبالتالي ليس لدينا الشك في وحدة الموضوع.

في موارد كثيرة في الأبواب الفقهية نفصل في إجراء الاستصحاب في الشبهة المفهومية لا لتنقيح المفهوم وبنية الظهور بل لأجل إجراء الأصل الحكمي في الشبهة الحكمية مثل بعض قيود صلاة المسافر. القيد ليس ركنيا بل هامشي. كما أن الصلاة لها ركن وغير ركن. كل مركب فيه أركان وغير أركان، كذلك الموضوع وهو قيود الوجوب ليس كل ما أخذ في موضوع الوجوب هو ركني. فإذًا الصحيح هو التفصيل في الشبهة المفهومية بين ما هو ركن من المفاهيم المجملة فلايجري الاستصحاب وربما ليس هو ركن فيجري. هذا تمام الكلام في تنقيح الأصل الموضوعي عند الشك أو امثاله من العناوين المجملة.

اما الأدلة: الميرزا الناييني كما عنونا أمس بنى على ان البساطة دالة على وضع المشتق للأخص إن التزمنا بالبساطة وان لم نلتزم بالبساطة هناك وجه اخر لأن المشتق وضع للاخص يعني خصوص المتلبس بالمبدأ.

أما على البساطة كما سياتي بحثه فمن الواضح أن قوام المشتق يكون هو المادة واذا انقضت المادة. مر بنا أمس. أن البساطة مثل الثوب والقماش الخام لما يتشكل بثوب رجل يعطي ايحاء بذات الرجل وان كان هذا الثوب ليس رجلا بل هو يفصل بتفصيل يتناسب مع الرجل وإذا يفصل بتفصيل النساء يعطي ايحاء انه للمرأة واذا يفصل بزي الصبيان أو الكبار أو زي الجهاز الطباخ يوحي أنها للطباخ فهذا الثوب والقماش كيف ما يفصل يعطي الإيحاء لذات معينة لكن الذات المعينة ليست مدمجة فيه. القائلين بالبساطة هكذا يقولون الضارب والمضروب هذه الاشتقاقات كلها ثوب قماش خام تفصل بتفاصيل مختلفة لا أن الذات مأخوذة فيها. فعلى البساطة أنه من الواضح أن المشتق موضوع لخصوص المتلبس لا من زال عنه مادة التلبس. على البساطة يكون الموضوع له في المشتق أخص.

اما على التركب إذا دققنا أيضا نقول الصحيح هو الأخص لأن الاسناد ظاهر في فعلية الاسناد وفعلية المسند اليه لا أنه مضى، هذا استدلال الميرزا الناييني

استدلال اخر في أن الموضوع له أخص ولخصوص من تلبس هو التبادر يتبادر من المشتق أنه الان متلبس بالمبدأ

استدلال اخر صحة السلب يعني سلب المشتق من المعنى المرتكز و يتولد منها دليل آخر أو هو نفسه بوجه آخر أنه مع توارد حالتين متناقضين في المشتق كما يقال عالم وجاهل كمن كان عالما زالت عنه الذاكرة والحافظة فيقال جاهل أو يقال هو قوي وهو ضعيف بالتالي بناء على الاعم يحس بالتناقض مما ينبه على أن المشتق هو لخصوص المتلبس أما من انقضى عنه لا يصدق عليه المشتق إلا بعناية وقرينة مجازية وإلا لما لامسنا التناقض هذه جملة من الاستدلالات التي استدل به الاعلام على ان المشتق لخصوص المتلبس

على أي حال يمكن الخدشة في الاستدلالات والتامل فيها.

قبل ان ندخل أود أن أذكر بنقطة مر بنا أن البحث في وضع المشتق ليس إلا عنصر واحد من عناصر الظهور يعني سواء نقحنا ان المشتق موضوع للاخص أو موضوع للأعم هذا ليس كل شيء في الاستظهار بل هو قرينة من القرائن والا الاستعمال قد تشتمل على قرائن عديدة جدا. فكون الوضع للأخص أو الأعم ليس كل شيء و بقية القرائن مهمة وربما بقية القرائن هي المدار في فعلية الحسم في بنية الظهور لا الوضع. ذكروا في باب البيان وعلم الأصول أن الوضع قرينة وعنصر من العناصر ليس الا. فحجم الاستدلال في بحث الوضع هكذا لا أنه فيصل كل شيء أو الحاسم المطلق لبنية الظهور.

ان شاء الله غدا نرى التأمل في هذه الأدلة.