الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/07/18

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: باب الألفاظ/ مبحث المشتق/ والمشتق والقيود المأخوذة في الأدلة

كان الكلام في المشتق ومرت جملة من النقاط وتعليقنا على الأعلام من خروج الأفعال والمصادر. فمر بنا أن هذه الدعوى لا نرتضيها لأن نفس الكلام الذي يأتي في المفردة يأتي في الجملة المفصلة. إن الإسناد سواء في الجملة المفصلة المصرح به أو الإسناد المطوي هل هو لخصوص حين التلبس بالمبدأ أو أعم ممن انقضى عنه التلبس بالمبدأ فيأتي بعينه سواء كان جملة فعلية أو إضافة المصدر الى الفاعل أو المفعول لأنه بحث في الإسناد.

و أيضا يبحثون عنه الأعلام عملا في الفقه أو الكلام أو التفسير، فحصره في المفرده في غير محله لأن المفردة بمثابة قضية مدمجة، إذا انفصل وتفكك تصير جملة وإذا تدمج الجملة تصير مفردة أو تصير جملة ناقصة كالمضاف والمضاف اليه.

الأشياء قبل العلم بها إخبار وبعد العلم بها أوصاف يعني التركيب الناقص أو مدمج. طبيعة فعالية ونشاط العقل البشري على مراحل فالصحيح أن الأفعال والمصادر غير خارجة بل كذلك الأسماء الجامدة للذات أيضا غير خارجة.

هم بحثوا في جسم الكلب عندما يتحلل ملحا. هل هو طاهر أو غير طاهر؟ باعتبار أن المادة كانت موصوفة بالكلبية والان موصوفة بالملحية أو هذه المادة كانت موصوفة بالخمرية والان موصوفة بالخلية من هذا القبيل أسماء الذوات والجوامد بحثوها الأعلام. فالصحيح أن الموارد التي استثنوها من بحث المشتق كلها يجري في البحث. عملا أجروا البحث فيها والنكتة هي نفسها أنه يمكن تصوير ذات ما صحيح ان الذات النوعية بعد انقضاء النوع لاوجود لها لكن الذات الجنسية وجنس الجنس قابل للتصوير أن هذا الجسم كان موصوفا للكلبية أو هذا الخشب كان متنجسا و الان اصبح فحما أو رمادا هذه الاستحالة أو هذا التبدل يوجب طهارته أم لا؟ من هذا القبيل أمور كثيرة ذكروها في أبواب الفقه لما مر أن البحث في المشتق لغوية لكن بالتحليل العقلي للمعنى الوضعي شبيه بحث المشتق عند الفلاسفة أو عند المتكلمين.

نقطة معقدة جدا: أصلا بحث المشتق خلافا لنظرات الأعلام انه ليس من الأصول بحث المشتق والأبحاث التي مرت بنا من تعريف الأصول من الأبحاث الصميمية في علم الأصول. المشتق في الحقيقة مبحث حساس جدا لأنه يبين طبيعة أخذ العناوين في الموضوعات. إن طبيعة أخذ العناوين في الموضوعات ليست على وتيرة واحدة بل على وتيرات. لب لباب بحث المشتق كما ذكره غير واحد من الاعلام هو هذه الثمرة وإن الفقيه أو المفسر أو المتكلم من باحثي العلوم الدينية يجب أن يكون في اليقظة أن العنوان المأخوذ في القضية الوحيانية بأي نمط وأنه على اقسام وأنواع وأشكال وقوالب عديدة كثيرة جدا.

شبيه مسئلة اللباس المشكوك عند الميرزا الناييني أنها التدقيق في العناوين التي هي قيود أخذت في موضوع الحكم أو متعلق الحكم أنها بأي وتيرة وأي نمط وأي شاكلة وهذه النكات جدا مهمة.

من ثم يثيرون هنا نقطة أن البحث في المشتق هو في الهيئة، هم قالوا في الهيئة المفردة و نحن نقول أعم من الهيئة المركبة التامة أو الناقصة والمفردة. فالبحث في الهيئة هل الهيئة وضعت لتلبس الذات بالفعل أو الأعم ممن انقضى. فليس البحث في أنواع المواد التي هي مبادئ المشتق وهذه نكتة استظهارية جدا مهمة.

يعني تارة المبادئ للمشتق الخام فعل خارجي يتصرم وتارة المبدأ صفة نفسانية وهيئة نفسانية وإن طبيعة وجود وبقاء الهيئة النفسانية تختلف عن الفعل المتصرم الخارجي. الهيئة النفسانية باقية وإن لم يظهر عنها أثر على الأعمال البدنية للإنسان. مثلا يقال هذا كريم أو بخيل وليس لها ربط بأن يمارس الكرم أو البخل لأنها صفة نفسانية. فهنا انقضى الفعل أو لم ينقضي ليس انقضاء للمبدأ فالمبادئ تختلف تلبسا و انقضاءا.

هل هو مبدأ نفساني أو مبدأ فعلي خارجي أو مبدأ حرفة كالنجار بغض النظر عن ممارسته بالنجارة أو الزارع أو المعلم فإذاً المبادئ لها أنماط من الوجود المختلفة. حتى الهيئة تارة بلحاظ المستقل لكن تولدها الان. بالتالي ليس كلامنا في المبادئ بل كلامنا في الهيئة وتلبس الذات بالمبدأ. الان المبدأ طبيعته بقائي أو تصرمي أو كهيئة نفسانية المهم قضايا المبادئ مختلفة الوجود فتلبس الذات بكل مبدأ بحسبه وانقضاءه بحسبه.

فيقولون ليس نزاعنا في اختلاف المبادئ التي تتلبس بها الذات ليس لدينا النزاع أن المبادئ هي مختلفة الوتيرة والنمط وتلبس كل شيء بحسبه وانقضاء كل شيء بحسبه. هذه نقطة ممتازة أن العناوين المأخوذة في موضوعات الأدلة يجب أن تلاحظ المبادئ ما هي وبأي نمط.

هذا في بحث خلل الصلاة وخلل الطواف والسعي ذكروه. كالكون في الطواف والكون في الصلاة والكون في المزدلفة ومن هذا القبيل من الأكوان الزماني أو الأكوان الأفعالي. هو في الصلاة وإن لم يتشاغل الان بجزء من أجزاء الصلاة لأن المراد من الصلاة هنا ليس خصوص الاجزاء بل المراد هيئة الموالاة الصلاتية لذلك قالوا: «لاصلاة إلا بطهور» أي صلاة من الصلاة؟ أجزاء الصلاة أو المراد أكوان الصلاة؟ فقالوا فيه فرق بين أكوان الصلاة وأجزاء الصلاة. إذا كان «لا صلاة الا بطهور» شرط في أجزاء الصلاة فلو أحدث في الاثناء يتوضئ و يتواصل الصلاة لأنه إنما يفقد الشرط في الأجزاء فيعيد الجزء وما المانع. وأيضا مثل شرطية الساتر في الصلاة مثلا انكشفت عورته من حيث لا يشعر فيعيد السورة والجزء إذا كان الساتر شرطا في أجزاء الصلاة حتي في الطواف إذا كان الساتر شرطا في أجزاء الطواف. أما إذا كان الطهور شرطا في أكوان الصلاة لا يكفي لأن كونا من أكوان الصلاة مضى وليس هو واجد للطهارة.

فلاحظ الصلاة كمبدأ ما المراد منه. لذلك كثير من متأخري هذا العصر اختاروا هكذا «لا صلاة الا بطهور» شرطية الطهور في الأجزاء اما الحدث ناقض للصلاة الناقض والمانع للأكوان. يعني حتى لو لم يكن متشاغلا بالأجزاء فالحدث ناقض. فلاحظ أن الصلاة كعنوان في نفس أدلة الصلاة في الشرائط يستخدم بمعنيين هذا من اختلاف المبادئ.

معنى أجزاء الصلاة ومعنى الأكوان والموالاة شبيه الحركة التوسطية والحركة القطعية. الحركة القطعية هي الأجزاء والحركة التوسطية حالة ثابتة من بدء التكبير الى التسليم. سلسلة واحدة مثل مسافر بالحركة التوسطية هو مسافر سواء في أول سفره أو وسطه أو آخره. أما الحركة القطعية فيقال الان وصل الى مكان ما وجزء السفر. هذا مهم ولها آثار.

مثلا الان بعض الأعلام أو الأجلة قال الشهادة الثالثة كلام آدمي فإذا كان كلاما آدميا هذا مبطل للصلاة. المبطلات للصلاة من بداية تكبير الإحرام الى التسليم. الموانع والنواقض والقواطع والمواحي أربعة أنواع مر بحثها عند الاعلام لكن إذا كان شيء مبطلا للصلاة لا فرق في القنوت يقال اشهد ان عليا ولي الله أو التشهد أو غيرهما من أجزاء الصلاة ولا يمكن أن يفصل. إذا كان كلام ادمي فلا يجوز بحال في الصلاة.

هل الشهادة الثالثة مبطل لجزء الصلاة أو مبطل لكل الصلاة؟ عادتا الأعلام يلاحظون المبطل مبطلا للأكوان الصلاتية لا أجزاء الصلاة. فلاحظ أن الصلاة كمبدأ استعمل في المعنيين. معنى حركة قطعية ومعنى حركة توسطية.

في الطواف أيضا هكذا عندنا طواف توسطية وعندنا مقطعية بنحو الحركة القطعية يعني أجزاء الطواف الشروط والموانع تختلف إذا كان المراد من الطواف حالة ثابثة في الطواف بنحو الحركة التوسطية مثلا لابد لك أن تجعل كتفك الايسر الى الكعبة المكرمة، إذا قلنا هذا الشرط شرط في أكوان الطواف فلو قهرا وجبريا استقبل الكعبة أو استدبر الكعبة وإن توقفت لو اعتبر المحاذاة الكتف للكعبة للأكوان فالطواف باطل. لكن هذا ليس مختار المشهور أو الكل مختارهم أن لمحاذاة شرط في أجزاء الطواف لا في أكوان الطواف. فلاحظ فرق بين أخذ المحاذاة شرط في الأجزاء أو شرط في أكوان الطواف والطواف يستعمل بمعنيين.

الصلاة مجموع أجزاء؟ ليس دائما هكذا الحركة التوسطية في الصلات ليس مجموع الأجزاء، الصلاة تارة تستخدم بمعنى قطعي يعني مجموع الأجزاء وتارة تستخدم بنحو توسطي يعني مسمى الوجود. هذا يختلف. يحرم على الحائض الصلاة لا مجموع الصلاة بل حتى مسمى الصلاة يحرم عليه حتى الحركة التوسطية و آناً ما وكوناً ما يحرم عليه. يجب الالتفات الى أن المبادئ المأخوذة في العناوين أو المبدأ الواحد يستعمل بمعنيين أو ربما على ثلاثة أنواع أو أربعة أنواع. هذا البحث في المشتق يريد أن يوضح أن العناوين المأخوذة في الأدلة على أنماط.

لذلك نسبنا في الجزء الأول من الشهادة الثالثة والثاني للشيخ المفيد أنه قائل برجحان الشهادة الثالثة ويفتي في المقنعة برجحان الشهادة الثالثة في القنوت ويحمل صحيحة الحلبي الواردة يسئل الامام الصادق «أذكر أسماء الائمة في الصلاة قال نعم أجملهم» يحملها على القنوت ويجوز يفتي برجحانه والصدوق في نفس الفقيه الذي ظاهر كلامه أن الشهادة الثالثة في الاذان ليس جزءا، نفسه يفتي بصفحات بعده بصحيحة الحلبي مفادها رجحان الشهادة الثالثة في القنوت وإذا أفتى بانها راجحة في القنوت أمكن للفقيه ان يقول ان الشهادة الثالثة ليست كلام آدمي لا باللغة العربية ولا غير العربية والمخاطب فيها الله تعالى لأنه إذا أتيت بالعَلَم لا تخاطب العلم. أنا أقول اشهد ان زيدا كذا لا أخاطب زيدا بل أخاطب غيره فاشهد ان عليا إقرار لله عزوجل. فهذه الواهمة ليس في محله بتاتا على أساس علوم اللغة.

بغض النظر عن هذا المطلب إن الشيخ المفيد رحمه‌الله في المقنعة يفتي برجحان الشهادة الثالثة في القنوت وعندما يفتي برجحان ذكر المحبوب فهو عطر في كل مكان. لماذا قالوا في القنوت لأن من آداب الدعاء التشهد لإستجابة الدعاء فالشيخ المفيد والصدوق يفتيان أن التشهد المستحب في القنوت يستحب ان يذكر فيه الشهادة الثالثة. من آداب الدعاء الصلاة على النبي وآله والتشهد على العقائد الحقة والثناء والتعظيم. لا تكن جافا وغليظا. من آداب الدعاء كي يستجاب الدعاء التشهد بالعقائد الحقة. دققوا. من ثم أفتى الشيخ المفيد في القنوت باستحبابه فقال إن التشهد الذي من آداب الدعاء يستحب فيه التشهد بالشهادات الثلاث و الصدوق في الفقيه يفتي برجحانها أيضا. القنوت دعاء؟ بعض الاعلام يقولون ان الشهادة الثالثة ليست دعاء. والصحيح إنما الدعاء من آدابه التشهد ومدح الله والثناء لله لا أن التشهد دعاء. التشهد بالشهادة الثالثة من آداب الدعاء وكماليات الدعاء. هذه البحوث يلتفت اليها من المبادئ كيف أخذت في الأدلة وهي على وتيرة مختلفة. كذلك التشهد في الزيارة، من اداب الزيارة التشهد. فهذا التشهد كما مر مرار أنه كالعطر مستحب أخذه في أماكن عديدة في الدعاء والزيارة والتعقيبات وتلقين الميت وغيرها.

فهنا الصلاة تستخدم بمعاني والتشهد يستخدم بمعاني لا أنه دعاء ويتبدل بل من آداب الدعاء التشهد والثناء الحمد لله. تحليل هذه الأمور مهمة. فإذاً هنا ملخص كلام الاعلام أن النزاع في المشتق ليس في المبادئ الخام والعناوين المأخوذة في الأدلة. هي مختلفة الوجود والوتيرة وربما مبدأ واحد يستعمل بمعاني. اذايجب للفقيه ان يقظ في الاستنباط. هذه نكتة جدا نفيسة وكفى بها من ثمرة عظيمة في المشتق.

الخص: ليس نزاعنا في اختلاف المبادئ وكيفية التلبس بها وكيفية الانقضاء وهذا الأمر جدا حساس في الاستنباط اليومي في أبواب الفقه وأبواب الكلام والتفسير. إنما نزاعنا في الهيئة.

البحث أكثر تعقيدا الذي حار واحتار فيه رواد الأعلام وقليلا قليلا نصل الى قلب الإعسار.