الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/07/12

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: باب الالفاظ/ استعمال اللفظ في أكثر من معنى/ العلامة الطباطبايي وتعدد الظهور - الوحدة والكثرة في ظهور الكلام المتصل والمنفصل

كنا في المقال الذي ذكره العلامة الطباطبايي رحمه‌الله في تفسير الميزان الذي هو بالتالي تبنّي باستعمال اللفظ في أكثر من معنى في كل نصوص الوحي والشريعة وجعله العلامة الطباطبايي رحمه‌الله محصل الأخبار الكثيرة الواردة عن أهل البيت علیهم‌السلام سواء كانت النصوص الدينية واردة في الفروع أو واردة في المعارف والعقائد والأصول أو التفسير أو في غيرها.

بأي آلية يبين العلامة الطباطبايي المحصّل؟ يذكر هذه الآية الكريمة كنموذج «قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون» «قل الله» لها إعرابا أو معنى و «قل الله ثم ذرهم» له معنى و «في خوضهم» مقطع ثالث «يلعبون» قيد رابع، فيقول: هذه الجمل المركبة لو كانت منفصلة، مثل أن يأتينا دليل «قل الله» ثم يأتينا «ذرهم» ثم يأتينا دليل «ذرهم في خوضهم» ودليل رابع يقول «في خوضهم يلعبون» فلاتختلف عن المتصلات، لاسيما مع تسالم الأعلام في علم الأصول أو في العلوم الدينية على أن كلام الوحي سواء في القرآن و سنة المعصومين وإن كان منفصلا فهو بمثابة الكلام المتصل وبمثابة كلام المتكلم الواحد، مع أن القرآن كلام الله وكلام السنة أوّلاً سنة النبي ثم سنة أوصياءه و خلفائه، فمع ذلك بمثابة المتكلم الواحد.

أجمع المسلمون على أن كلام الوحي بمثابة كلام واحد وكلام متكلم واحد مع أنه منفصل. مثلا في القرآن الكريم لايمكن أن يؤمن ببعض ويكفر ببعض، لأن القرآن كلام واحد. لايمكن أن نؤمن بما نزّل في القرآن في الأركان، أما ما نزل في القرآن في على بن ابي طالب وأهل البيت علیهم‌السلام نجحد به. لايمكن التفكيك «الذين جعلوا القرآن عضين».

كذلك الحال في غير القرآن الكريم بين القرآن وكلام سيد الأنبياء أو كلام بقية المعصومين بمثابة كلام المتكلم الواحد وبمثابة الكلام الواحد المتصل. طبعا فيه فرق بين أن نعتبر كلاما بمثابة كلام متصل واحد وبين أن نعتبره بمثابة كلامات متعددة.

مثل باب الوصية؛ إذا أوصى الموصي ثم ذكر ملحقا لوصيته، إذا نعتبرها وصية ثانية ووصية ثالثة قد يختلف الظهور بخلاف ما إذا قلنا إنها بمثابة كلام واحد فيوضِّح بعضه بعضها والظهور يختلف، شبيه فرق النسخ عن التقييد والتخصيص ومن ثم قلّ عند العلماء حمل النصوص الدينية على نسخ بعضها البعض بل على تخصيص بعضها البعض لأنهم يعتبرها بمثابة كلام واحد.

فلاحظ، هنا أولا متكلم واحد ثم كلامه كلام متصل، يقول الطباطبايي كيف أن الاعلام بنوا هكذا سواء في روايات الفروع أو المعارف أو الايات فكذلك الحال في المتصل هو بمثابة المنفصل. نجعل المنفصل كالمتصل كيف المتصل نجعله كالمنفصل؟

أولا نوضّح أنه كيف المنفصل يجعل كالمتصل على أساس أن العكس يصير واضحا.

في المنفصل الاعلام في حين جعلوه كالمتصل إلا أنهم نبهوا على نكتة، قالوا ما الفائدة في أنه قدم ذكر العام بلا أن يذكر المخصص الأول والثاني والثالث وهلم جرا من المنفصلات؟ ما الفائدة في ذكره العام سابقا؟

قالوا فائدتها أن العام يكون بمثابة الحكم الظاهري والقاعدة الظاهرية الاجتهادية لا الأصل العملي وهي إصالة العموم إذا شكّ في العموم يرجع للعموم، فالعموم ليس وظيفته فقط بيان الحكم الواقعي بل بيان الوظيفة الاجتهادية. هذا بحث ذكره الأعلام في العام والخاص. ففي حين انهم اعتبروا المنفصل كالمتصل إلا أنهم حافظوا على نوع من الاستقلالية لبنية الظهور للعام وحافظوا على نحو ميزة، هذا تسالمهم تقريبا في المنفصل في حين جعلوه كالمتصل لم يفقد المنفصل بعض الخصوصيات. فلذلك هذا لم يرتكبوه فقط في العام والخاص بل ارتكبوه في مراتب العموم يعني ليس مع الخاص الأول بل الخاص الثاني والثالث والعاشر وهلم جرا وهذه الخصوصات مراتب فالأضيق لم يجعلوه في رتبة الأوسع من المخصصات. هذا الان ناموس الأصول عند متأخري هذا العصر وهم بلوروها بشكل أكثر أن العموم مراتب.

لماذا قالوا أن العموم مراتب وليس مرتبة واحدة؟ المراتب يعني التعدد. وما هو العموم الثاني؟ هو المخصص وما هو العموم الثالث؟ هو المخصص الأضيق دائرة من المخصص الأول وما هو العموم الرابع؟ هو المخصص الأضيق الأضيق، هذا هو الذي ذكروه في مراتب العموم ورتبوا عليه الاثار الان تقريبا مأة عام رتبوا عليه آثار كثيرة وفذلكات صناعية. عند الشك في الخاص تمسك في العام وانقلاب النسبة وهلم جرا. إذاُ هذه الخصوصات المتعددة لم يكيلوها بكيل ركامي عشوائي. في حين جعلوها كالمتصل

إذًا صار واضحا في المنفصلات؛ مع أنهم جعلوها كالمتصل من أن المنفصلات بلحاظ متكلم واحد في كل نصوص الدين وكلام متصل لكن الطباطبايي يقول هذا النظام الذي ذكره الأعلام في حين حفظوا الوحدة لكن حفظوا الكثرة. راعوا الوحدة وراعوا الكثرة أنها مراتب وليس في رتبة واحدة ولها آثار فالعموم الفوقي له بنية الظهور المعينة والعموم الثالث الأخص له بنية للظهور معينة. بحث مراتب العموم ناموس صناعة أصولية من لم يلتفت اليه ما عنده أوليات الاجتهاد. الورود مراتب والحكومة مراتب والعموم مراتب والأظهرية والظهور مراتب، ليس فقط في العموم. العموم مراتب وعندنا الظهور مراتب لماذا هذه الفذلكات كلها نكات صناعية تترتب عليه آثار. حتى في درجات قوة الظهور.

الشيخ الانصاري في المكاسب المحرمة والبيع والخيارات والرسائل دائما يقول: هذه الوجوه الأربعة أقواها الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الأول. لمَ تعدد مراتب القوة في الأقوال؟ يقول بحسب القواعد الصناعية أقوى الوجوه هو الثالث مثلا ثم الثاني ثم الرابع. هو يعني تناسبية القواعد مع بعضها البعض نسب معادلية رياضية وفذلكات صناعية. صاحب الجواهر أيضا هكذا والاخوند والكمباني والسيد الخويي وقبلهم كاشف اللثام.

إذاً هذه المراتب ليس فقط في العموم بل في قوة دلالة الظهور وهو أهمهم وفي الورود و في الحكومة وفي الفذلكات -الفذلكة يعني مجموعة قواعد أنت تنسق بينها أو مجموعة المواد أو مجموعة القرائن كيف تنسق بينها وترتبها وتتناسب بينها- فلاحظ هم في الفذلك الصناعية في أقوائية الوجوه عندهم مراتب. إذاً هذه المراتب ليست فقط في العموم. هذه الفذلكة لديهم في كثير من الضوابط الإثباتية في باب الألفاظ وكثير من النسب الثبوتية. هذا ناموس الاجتهاد عند الأعلام الان. وهي عبارة عن هندسة صناعية للاستدلال. هذا ليس في علم الأصول في باب مستقل لكن هي عبارة عن محاصيل تحقيقات مذكورة في ألسنتهم. فإذاً لاحظ عندهم مراتب العموم ومراتب الظهور. لأن كثيرا من أنواع الظهور لم يصطلح له اسم خاص.

هنا يقول العلامة إذا كانت الظهورات أنتم تعتبرونها كالمتصلة مع ذلك تحفظون الانفصال فعند تركيب هذه المنفصلات بمثابة الكلام الواحد لابد أن نحفظ ظهور الأبعاض بأن لها تميزا وكأنها بمثابة المنفصلات وإذا حفظنا ظهور الأبعاض بأن لها ظهورا متميزا فالمنفصل والمتصل سيان وسواء.

يعني حتى في المتصل الصادر عن الشارع يجب أن نحفظ مراتب الظهور. كلام بديع. هذا ليس بدويا لم يقول بأنه بداوي قال الاعلام بأن هذا مراد ولو على أصعدة الحكم الظاهري. في مراتب العموم حفظوا الكثرة في حين قالوا بالوحدة لكي يقول أن الانفصال لها ثمار ولو على صعيد الظاهري والشارع لم يعبر بهذا العموم إلا أنه يريد منك أن ترجع إليه كأصل لفظي عند الشك كدليل اجتهادي إما مراد الشارع هذا أو مراد الشارع لكي يبين لك أن العموم الفوقي قانون دستوري والعموم الثاني قانون برلماني والعموم الثالث قانون وزاري والعموم الرابع قانون بلدي يعني يبين لك مراتب القانون.

الان مر بنا كلام الأعلام أنهم حتى في باب القواعد التنسيق بينها في نتيجة المسئلة الواحدة يقولون: أقوى الوجوه الثاني ثم الثالث. الأقوى غير الأظهر في اصطلاح الفقهاء. الأقوى يعني هذه فذلكة ثبوتية قواعدية. أقوائية يعني بحوث ثبوتية. فإذاً هذه المراتب في القوة عبارة عن رعاية أكبر عدد من القواعد وأقوى الوجوه يراعي كل القواعد والوجه الثاني يراعي أغلب القواعد والوجه الثالث يراعي نصف القواعد وهلم جرا.

تارة يقولون أقوى الوجوه وتارة يقولون أظهر و تارة أشبه وتارة أولى و تارة أحوط الوجوه، ما مرادهم من الاحوط وهو غير الأقوى والاظهر؟ هو بلحاظ الاحتياط الفتوائي.

الان مراتب العموم صار ناموس علم الأصول مراحل تجميع المواد مراحل عظيمة وعندما تأتي مراحل الصناعة فليست ركاميا عشوائيا بل تنسيق دقيق صناعي. هذه النكتة إذًا ملحوظة أن المنفصل كالمتصل وراعوا الوحدة ولم ينسوا الكثرة كيف؟ يقولون هذا بحسب التحليل في علم البلاغة والعلوم اللغوية، المتصل أيضا يراعى فيه الوحدة والكثرة بحسب العلوم اللغوية.

يعني هذه الجملة الكبيرة إذا تريد أن تعربها، أول شيء تعرب المفردات وتعرب الأجزاء ثم تركب بين أعاريب الأجزاء. هذا بالنسبة الى علم النحو بالنسبة لعلم الصرف أيضا هكذا بالنسبة لعلم البلاغة وعلم المعاني أيضا هكذا.

هذه نكتة شريفة ذكرها العلامة الطباطبايي وذكر أنها خلاصة بيانات أهل البيت في منهج الاستظهار في القرآن بل في النصوص الدينية عموما. مر بنا أمس هذا الاستدلال. لماذا الشارع عبر «قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون» ربما يجيء بكلمة واحدة. أتى لك بجمل عام وخاص وأخص أو أتى لك وارد ووارد ووارد وكل وارد يرد على الاخر أو عبر لك قواعد تتداخل بعضها في بعض. لأنك تلتفت للكثرة سواء بنحو منفصل أو متصل وإلا يأتيك بشيء مجمل وحداني. يجب أن تراعي الكثرة بحسب علوم اللغة. هذا البحث إذا شيد يصير فتح الفتوح في العلوم العديدة.

مثال: مثلا في علم الغيب في القرآن الكريم. في آية تقول: إن علم الغيب حصريا باتا فقط لله وفي بعض الايات يطلعه سيد الرسل فخمس طوائف من بيان الغيب. جملة من المحققين يقولون ليس بينها عام و خاص وتخصيص بل لها معاني يعني الكثرة مرادة والوحدة أيضا مرادة. بحث مهم يرتبط بالبداء و الغيب. فهذه النكتة جدا مهمة ان الكثرة سواء منفصلة أو متصلة بالتالي هي متصلة بمعنى ومنفصلة بمعنى وبالتالي يلاحظ المراتب. هذا محصل كلام الطباطبايي.

على كل قناعاتنا القاصرة في منهج التفسير يعني المتصل والمنفصل يراعى فيهما الكثرة والوحدة. بيانات مختلفة عنه مر في الدورة الأولى والثانية وسأذكر منها مزيد من البيان وإن كان هذا غريب عن الأذهان لكن لابد من تشييدها بشكل أكثر.