الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الأصول

43/05/29

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الالفاظ/ الصحيح والأعم/ تصوير الجامع اصوليا لا فقهيا - اثارة الناييني بدل تصوير الجامع - شئون الدلالة وشئون ذات المدلول والقانون

كان الكلام في الجامع الصحيح والأعم عند الأعلام.

قبل أن ندخل في هذا المبحث لابأس بذكر نقطة توضيحا لما سبق من الأعلام من أن الجامع واحد في العناوين الشرعية في الفصول المختلفة كعنوان الصلوة والحج والطواف والسعي والتشهد، له الوضع عام والموضوع له متعدد.

مثال قريب من هذا المطلب ترادف لفظي مثل معنى الأسد وضعت له لفظة أسد وغضنفر وليث وأسامة وغيرها من الألفاظ مع أنهم بالدقة يقولون هذه الألفاظ وضعت للأسد وكل لفظ بخصوصية ولحالات خاصة من الأسد، مثل الأسد في حالة خاصة يقال له الليث و هلم جرا.

لكن إجمالا لا يقولون هناك تعدد المعاني واشتراك لفظي، بالعكس يقولون هناك ترادف مع أن الخصوصيات مختلفة. هذا يقرّب ما ادعاه الأعلام في لفظة الصلاة التي الموضوع له متعدد بالخصوصيات مع أن الجامع واحد ويقرّب أن المعنى واحد سيما في التصوير بالحركة التوسطية لا الحركة القطعية في الطبيعي السيال في المركبات الشرعية. هذا من باب تقريب يؤنس به لدعوى الأعلام في الوضع العام والموضوع له المتعدد ومع ذلك اشتراك معنوي وليس اشتراكا لفظيا.

أما تصوير الجامع على القول بالصحيح والأعم.

طبعا لماذا يخوضون في تصوير الجامع؟ طبعا الجامع توقيفي، لكن لابد أن يخوضوا فيه.

الخوض الاصولي والمهجي في تصوير الجامع لا الفقهي والتفصيلي

أ هم يخوضون فيه بشكل فقهي تفصيلي أو يخوضون بطابع أصولي؟ في الحقيقة هم لا يخوضون فيه بطابع فقهي تفصيلي كما يقال في الجامع في الصلوة والجامع في الصيام والجامع في الطواف والسعي والتشهد؟ هذا موطنه علم الفقه او علم الكلام.

هنا في الحقيقة الأعلام لا يخوضون في التفاصيل بل يخوضون في الإطار والصياغة والهيكلة بشكل عام كي إذا اعترضت منهجية كيفية تصوير الجامع في الفقه فالحلول التي يذكرونها في الأصول تكون حلال المشاكل وإلا هنا ليس خوضهم تفصيليا عدا السيد الخويي وهو خاض تفصيلا في عنوان الصلوة ولم يخض في العناوين الشرعية كعنوان الركوع. مثلا الناييني في كتاب الصلاة خاض في الركوع تفصيلا كماهية عبادية، وخاض في ماهية السجود لأن فيه ثمرات في خلل الصلوة.

هنا نوع من المنهجة والهيكلة الهندسة الكلية كي إذا واجه الفقيه في الفقه بعض هذه المحاذير يعرف كيف يعالجها، فهنا التصوير منهجي أكثر مما هو تفصيلي يعني أن هذه التصاوير الموجودة في الفقه كيف تنضبط منهجيا.

كذلك الحال في المعاملات لمّا يبحثون عن الجامع لا يخوضون تفصيلا عن ماهية البيع أو الإجارة أو القرض والفوارق بينها وإنما خوضهم في جانب الهندسة الصناعية في هذا الجانب. هذه نقطة لابد من الالتفات اليه.

النقطة الأخرى يذكرها الميرزا الناييني رحمه‌الله ويقول: يمكن الاستعاذة بحل معين بدل الخوض في تعقيدات تفاصيل الجامع سيما على الصحيح لأنه معقد.

لزوم الالتفات الى الجامع الشرعي

نقطة أخرى جيدة: لماذا الأعلام وجدوا أنفسهم ملزمين لهذا البحث؟ ما هو المنهجية لتكوين الصياغة للجامع؟ خاضوا في هذا البحث لكي ينبهوا الفقيه في الاجتهاد والاستنباط أن لا يكتفي أنما يلتفت الى المعنى اللغوي والحقيقة الشرعية إجمالا بل اللازم في يوميات الاستنباط أن يلتفت تفصيلا الى الجامع في الحقيقة الشرعية كي يكون تمسكه بالاطلاق والتقييد وكذا متين ورسين وفي محله والنتائج تكون سديدة استنتاجية.

فإذاً أحد مراحل الاستنباط بدعوى الأصوليين وهو دعوى صحيحة هو تحليل تفصيلي للمركب والفقيه لابد أن يخوض فيه ويلتفت أن هذا المركب من باب المثال الصلوة في كذا لها جامع واحد فمن ثم الفقهاء في باب صلاة الميت قالوا هل هي صلاة ونأخذ فيها بحسب القواعد كل الشرائط إلا ما استثني أو إنها ليست بصلاة فلا يأخذ فيها شرائط الصلاة إلا بالدليل.

فمن ثم خاض الأعلام في أنها صلاة أو هي دعاء. يمكن أن تكون صلاة غاية الأمر الصلاة منوّعة، الصلاة ذات الركوع والسجود لها أحكام وصلاة الميت لها أحكام أخرى. حتى سجدتي السهو بنينا في خلل الصلاة أنها صلاة وفيها التسليم والتكبير. يناقش الاعلام أن سجدتي السهو هل هي صلاة كي تحتاج الى التكبير أم لا؟ السيد الخويي يحتاط احتياطا وجوبيا في تكبير سجدتي السهو. صلاة من دون الركوع لكن فيها السجدتين. فلاحظ في موارد عديدة الفقهاء يحلّلون هذه الخطوة الصناعية غير المعنى اللغوي وغير الحقيقة الشرعية وهي الوقوف على تفصيل عناصر المركب

مثلا العامة عندهم تشترط صلاة الميت بالتسليم بناءا على أن «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» بينما علماء الامامية يقولون هذه ليست صلاة بل دعاء ولا ترجع اليها كل أحكام الصلاة أو ما ذهبنا اليه وفاقا بجماعة من أنها صلاة لكن الصلاة منوّعة. الصلاة التي ليست فيها الركع والسجود أحكامها تختلف عن الصلاة ذات الركوع والسجود. لذلك هل سجدتي السهو صلاة كي تشترط فيها الاستقبال والطهارة و غيرها من شرائط الصلاة؟

إذاً من الخطوات الصناعية المهمة يجب أن يؤسّس الظهور بحسب المعنى اللغوي و أيضا يجب أن يؤسّس الظهور بحسب الحقيقة الشرعية وكذلك يجب أن يتخذ العنوان الشرعي العبادي سواء الكل أو الجزء من الأدلة الشرعية ويقرّر له بحسب الماهية الواحدة في الأبواب المختلفة ماهية واحدة ذات عناصر، فهذه الخطوات استنباطية ولتعليم الفقيه في الاستنباط لا أنه بحث نظري في الأصول.

اثارة الميرزا الناييني بدل تصوير الجامع

الميرزا الناييني قال: بدل ما يتعب الفقيه نفسه ويتصوّر الجامع ثم يقول هذا الجامع مطلوب في كل الموارد والزائد أو الناقص يحتاج الى الدليل بدل هذا التعب يقال أن المرتبة التامة هي العنوان للحقيقة الشرعية. مثل الصلاة التامة الأجزاء والشرائط، هذه هي الصلاة وبقية الصلوات الاضطرارية أو الناقصة هذه الصلوات صلاة بالتنزيل والادعاء وليست بالحقيقة. اقترح الميرزا الناييني هذا الاقتراح وعليه المؤاخذات الكثيرة.

لكن بغض النظر عن مؤاخذاته ما الثمرة فيه؟ إذا بني على أن الصلاة أو الطواف أو السعي أو الحج أو العمرة أو الأذان أو الاقامة أو التشهد أو أي عبادة الأصل الاولي فيها هو المرتبة العليا وبقية المراتب ليست مندرجة في الماهية الحقيقة الشرعية حقيقة وإنما مندرج تنزيلا لو بني على هذا فله آثار عظيمة.

شئون الدلالة وشئون ذات المدلول والقانون

في الفقه هناك بحث عند الأعلام أنه لمّا الشارع يقول: «صيد المحرم ميتة أو الصيد في الحرم ولو من غير المحرم ميتة» بحث الأعلام أن هذا التعبير «ميتة» تنزيل أو جعل؟ ما الفرق بين الجعل والتنزيل؟ قالوا إن التنزيل يعني فذلكة وصياغة لفظية في الدلالة. هذا معنى التنزيل.

هل الخصوصيات وشئون كيفية الاستعمال وكيفية الدلالة التفهيمية قانون شرعي في اللوح المحفوظ؟ لا، بل هذا من آليات الدلالة والحكاية ولا ربط له بالوجود الواقعي للقانون في اللوح المحفوظ ولا ربط له لا بالحكم الظاهري ولا بالحكم الواقعي.

باب الدلالة الاستعمالي او الصريحي او المطابقي او الالتزامي والتضمني هل هي عين متن القانون؟ لا، ليست عين متن القانون بل هذه كيفية الدلالة وظهور اثباتي إلى أن تصل الى الثبوت ولو ظاهرا وذاك الثبوت هو القانون والجعل والمجعول. إذاً فرق بين عالم الدلالة وعالم ذات المدلول. عالم الدلالة حتى ليست الحكم الظاهري بل ظاهر بمعنى آخر بمعنى الطريق وليس حكما.

الحكم الظاهري أيضا حكم وقانون لكن على صعيد الظاهر فلا نخلط بين الحكم الظاهري وبين الدلالة الظاهرية. الدلالة الظاهرية تبقى الدلالة ومن شئون اللغة والدلالة وليست من شؤون علم القانون والفقه. إذاً مباحث الألفاظ قسم منها ليست حكما ظاهرية بل أماراة ظاهرية على الحكم الظاهري أو الحكم الواقعي بينما الحكم الواقعي أو الحكم الظاهري من سنخ علم القانون وهذه منهجية لابد أن يلتفت الفقيه الى ابجدياته. شؤون الدلالة شيء وذات المدلول شيء آخر.

فكلام الاعلام هكذا: هل «صيد المحرم ميتة» فذلكة في الدلالة أو هو انشاء الحكم وجعل؟ ما الثمرة؟ الثمرة كثيرة، إذا كان صيد المحرم جعل وميتة كل اثار الميتة تترتب عليه كالنجاسة وحرمة الأكل وفساد البيع. أما إذا كان من باب الاستعارة أو المجاز يعني الشئون الدلالة فلا صلة لها بالقانون. فإذا كان من شأن دلالي القدر المتيقن من «صيد المحرم ميتة» هو الحكم التكليفي لا كل الاحكام. لأنها ليست ميتة حقيقة وقانونا. بعض الاعلام بنوا على هذا صيد المحرم من باب التنزيل اللفظي وليس من باب التنزيل في عالم الجعل والانشاء. إذاً الضروري أن نلتفت الفرق بين الجعل وعالم الدلالة.

الحكومة كثير من أقسامها فن في الدلالة وأنواع في الدلالة وقسم من الحكومة هي جعل قانوني من متن القانون. أقسام الحكومة التي ابتكرها النراقي وبلورها الشيخ الانصاري قسم منها من عالم الدلالة وقسم منها من عالم الحكم والجعل.

أحد الفوارق بين الحكومة والورود هكذا أن الورود غالبا من التصرف في متن الجعل بخلاف الحكومة غالبا. لا كل أنواع الحكومة.

مثلا انقلاب النسبة ليس حكما ظاهريا و لا حكما واقعيا بل فن من فنون الدلالة حجية الظهور حكم ظاهري لكن الظهور نفسه ليس حكما ظاهريا بل نفس الظهور دلالة. هذه الأمور من أبجديات علم الأصول. ما هو من عالم الدلالة شيء وما هو من القانون شيء آخر.

فرق بين أن نقول أن الشيء اندرج في شيء آخر جعلا وقانونا وبين أن نقول تنزيلا في الدلالة. عرق الجنب من الحرام اعتبره الشارع نجسا أو أنه منزل منزلة النجاسة؟ الصحيح هو الثاني لم يعتبره الشارع نجسا لكن هو مانع عن الصلوة وإن جافا. ففرق بين أن يندرج عرق الجنب من الحرام في النجاسة وبين ان يندرج تنزيلا. فيه فرق شاسع

الناييني في كلامه هنا يريد أن يقول مراتب الصلاة الأخرى أو مراتب الحج أو مراتب التشهد ليست صلاة او حجا او تشهدا جعلا وقانونا، إنما هي ملحقة تنزيلا ولفظا هذه لها ثمرات كثيرة.

من خطوات الاستنباط أن الفقيه يحدد الماهية الجامعة كي يتمسك اليها في البحوث الفقهية لكن الميرزا الناييني يقول لايحتاج الى الجامع بل يأخذ المرتبة العليا والبقية ملحقة ادعائية

غالبا في التنزيل يأخذ بالقدر المتيقن في الشئون الدلالي بخلاف ما إذا كان جعلا فصيد المحرم ميتة كل آثار الميتة يحمل عليه. لأنه جعل فإذاً هذه الدعوى ليست سهلة واثار هذه الدعوى اخطر من نفس الدعوى.

هذه البحوث يوميات الاستنباط يجب الالتفات اليه